الأََصْحَاحُ الثَّانِي وَالْعِشْرُون

 

يمكن تلخيص الدورة الثانية هكذا:

الصديق

فكرته

أصحاح

إجابة أيوب

أصحاح

أليفاز

الله طاهر، يبيد الأشرار.

15

لكنني أنا بريء.

16-17

بلدد

الله يحكم باستقامة ويبيد الأشرار.

18

إن كان يحكم باستقامة، فإنه سيبررني.

19

صوفر

رخاء الأشرار قصير الأجل.

20

بعض الأشرار يزدهرون إلى النهاية في هذا العالم.

21

بدء الدورة الثالثة للحوار

منهج طريق التوبة

في هذا الأصحاح يهاجم أليفاز أيوب للمرة الثالثة، ويتبعه بلدد بينما ينسحب صوفر من الميدان.

في عدم إخلاص كان أصدقاء أيوب يعطون تفسيرًا ملتويًا لكلمات أيوب. الآن إذ أوضح لهم أن الأشرار ليس بالضرورة يفشلون في هذا العالم، بل كثيرًا ما ينجحون، ويزدادون قوة وسلطانًا، حتى يحل بهم الهلاك في العالم الآتي، حرفوا كلماته، وحسبوه يهين خطة الله وعنايته، واتهموه أنه مشتكٍ من تصرفات الله.

في الدورة الثالثة استطاع أليفاز وحده بخبرته الدينية العميقة أن يتكلم بنفس الإطالة السابقة. في حديثيه السابقين يُعتبر هجومه على أيوب معتدلاً نسبيًا، أما هنا فيتحدث عن خطايا معينة.

حرّف أليفاز صرخات أيوب نحو الله ليدافع عن نفسه. ادعى أن أيوب يظن أن الله غير المنظور، عاجز عن أن يظهر ذاته، أو لا يريد ذلك. قارن أليفاز أيوب بالأشرار في أيام الطوفان [١٥-١٦]. وأخيرًا طالب أيوب بالتوبة.

يتقدم أليفاز ليحاول تفسير سبب آلام أيوب وهو أن صلاح أيوب لم يكن لكي يكتسب رضا الله، وإنما يظن أنه يتفضل عليه.

الله كامل في ذاته، لا يحتاج إلى برّ الإنسان أو خطيته. ليس من منفعة لله أن يظهر أيوب خاطئًا لو كان أيوب بريئًا. بهذا فإن سرّ آلام أيوب ليس في الله بل في أيوب نفسه [٢-٥].

أكد أليفاز أن آلام أيوب لأجل خطاياه. ففي رأيه لم يتردد أيوب في مضايقة المدين والمسكين والضعيف والجائع وقد تجاهل الأرامل واليتامى، ولأجل تلك الأعمال القاسية حلت به النكبات. ولكي يثبت له أن الأشرار يهلكون وضع له مثالين شهيرين عن الهلاك النهائي الجماعي لأشرار كثيرين، وهما إغراق العالم بالطوفان، وحرق مدينة سدوم، وإن تلك النهاية تؤدي إلى راحة الأبرار وسرورهم. لذلك أرسل الله المصائب عليه [10-11].

يحثه بعد ذلك على التعقل وطلب المصالحة مع الله، فتأتي أوقات الفرج وتعود إليه السعادة [21-30]. يرى البعض أنه في جدية يبذل كل ما في وسعه لريح نفس أيوب، وما يقوله عن الله هو صحيح وتُعد كلماته تحسنًا في طريقته، وقد حلت محل قسوته السابقة، وقد بسط أليفاز أمام أيوب حالة الأشرار التعسة، لعله يخاف ويتوب، ومن الناحية الأخرى أوضح له السعادة التي يجب أن يتأكد منها الذين يتوبون، وذلك لكي يعزيه ويشجعه على التوبة. وهي طريقة جيدة ومشورة صالحة، وقد شجع أليفاز أيوب على التمسك بالقداسة والتعزية فيحصل على الآتي:

أ- اتساع ثروته، ومنحه بركات زمنية وفيرة، كما يتولى القدير الدفاع عنه.

ب- نجاح نفسه، فيصبح غنيًا بالبركات الروحية التي هي أفضل البركات، حينئذ يتلذذ بالقدير.

ج- شركة دائمة مع الله، فيتمتع بوفرة من الفرح والرجاء حتى في أيام المصائب.

منهج طريق التوبة

أخيرًا يقدم لنا أليفاز صورة حية لمنهج طريق التوبة، بجانبيه السلبي والإيجابي، وكأنه يعلن: "حد عن الشر، وأصنع الخير" (مز 34: 14). فإن أغمضنا أعيننا عن نيته في أن يختلق اتهامات لأيوب البار، فقد أوضح ضرورة التعرف على الخطايا والآثام والاعتراف بها، مع الرجوع إلى الله والتمتع بالشركة معه. لقد قدم صورة جميلة ورائعة عن بركات التوبة.

1. اتهام أيوب أنه ينتقد تصرفات الله           1-4.

2. اتهامه بأنه شرير خطير           5.

3. اتهامه بالوحشية                  6.

4. اتهامه بمقاومة صنع الخير       7.

5. اتهامه بمحاباة الوجوه            8.

6. يهين الأرامل ويسحق الأيتام      9.

7. يقيم لنفسه فخاخًا                  10-11.

8. اتهامه بالإلحاد العملي            12-14.

9. مقارنة حال أيوب بالعالم القديم   15-20.

10. التوبة تعرَّف على الله            21.

11. التوبة تمتع شخصي بالكلمة     22.

12. التوبة رجوع إلى القدير         23.

13. التوبة طريق الغنى               24-25.

14. بالتوبة يُرفع الوجه لله           26.

15. التوبة تفتح أبواب السماء       27-28.

16. بالتوبة نتمجد           29.

17. بالتوبة نشفع في إخوتنا         30.

1. اتهامه أنه ينتقد تصرفات الله

فَأَجَابَ أَلِيفَازُ التَّيْمَانِيُّ: [1]

هَلْ يَنْفَعُ الإِنْسَانُ اللهَ؟

بَلْ يَنْفَعُ نَفْسَهُ الْفَطِنُ! [2]

قبلاً كان الأصدقاء الثلاثة يتهمون أيوب بالرياء، إذ لم يجدوا خطية يمكن أن يمسكوا بها ضده، لقد أصروا أنه حتمًا كان مرائيًا، يفعل الشر خفية. أما علامة ريائه فهي أن ما حلّ به من نكبات متلاحقة علامة غضب الله عليه. الآن يضع أليفاز سلسلة من الاتهامات أولها حاول أن يستخرجها من كلمات أيوب أثناء الحوار بتأويلها حسب وجهة نظرهم. أول هذه الاتهامات هي أن أيوب يشكو من تصرفات الله وينتقدها، وكأنه يحكم على الله بالظلم.

حسب أليفاز شكوى أيوب من كثرة نكباته بأنه يتهم الله بالظلم. هذا إتهام باطل، فإن أيوب كان أبعد ما يكون من أن يفكر هكذا.

إن استبعدنا نية أليفاز في اتهام أيوب فإن حديثه يحمل جانبًا صادقًا، وهو أن الله ليس محتاجًا إلى صلاح الإنسان، ولا منفعة له في ذلك، وإنما المنفعة تنصب على الإنسان الذي هو موضوع حب الله واهتمامه ورعايته. فالفطنة أو الحكمة هي لبنيان الإنسان وأن مصدر الحكمة هو الله.

"أما الحكمة فنافعة للإنجاح" (جا 10: 10). "التقوى نافعة لكل شيء" (1 تي 4: 8). "إن كنت حكيمًا، فأنت حكيم لنفسك" (أم 9: 12).

v  "هل يُقارن إنسان بالله، حتى وإن كانت له معرفة كاملة؟[991]" [2] الذين يبلغون إلى الحضيض في وضع إتهامات معينة، إذ يناقضون كلمات الحق، غالبًا ما يكررون ما هو معروف، لئلا بإمساكهم لسانهم يبدو أنهم مهزومون. هكذا أليفاز إذ ضغطت عليه أقوال الطوباوي أيوب نطق بأمور معروفة لكل أحدٍ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v  يضرب الإنسان الشرير نفسه أولاً، بل ولا يضرب إلا نفسه، إذ قيل: "هو وحده يتحمل" (راجع أم 9: 12). نفسه دائمًا مملوءة غمًا، وأفكاره دائمًا معقدة، سواء بالنسبة لما يسمعه أو ما يقوله، يمارس كل شيءٍ وهو يشتكي، مُقدمًا اتهامات[992].

القديس يوحنا الذهبي الفم

هَلْ مِنْ مَسَرَّةٍ لِلْقَدِيرِ إِذَا تَبَرَّرْتَ،

أَوْ مِنْ فَائِدَةٍ إِذَا قَوَّمْتَ طُرُقَكَ؟ [3]

الإنسان في ضعفه ومحدوديته يعجز عن أن يقدم أي نفع لله الكلي الكمال الذي لا يزداد في شيءٍ ما. هل يمكن للشمعة أن تفيد الشمس في شيء؟ وهل من نقطة ماء في كوب أن تؤثر على المحيط؟

إن صارت طرقنا كاملة تمامًا فهل يمكنها أن تنفع الله. وأية مسرة لذاك القدير إن صرنا أبرارًا. فهو مصدر السلام والتطويب والبهجة. إن حدثنا بلغتنا البشرية أنه يُسر بنا، إنما يكشف هذا عن حبه لنا، وشوقه إلى خلاصنا ومجدنا، دون أن ينتفع من برَّنا وتقديسنا في شيء خاص به.

v  "هل من نفع لله إذا تبررت؟ أو من فائدة إذا قدَّمت طرقك؟[993]" [3] في هذا كله نحن نفعل حسنًا، نعمل لصالحنا لا لصالح الله. لذلك قيل بالمرتل: "يا نفسي قولي للرب: أنت إلهي، لست في حاجة إلى خيراتي" (مز 16: 2). فهو بالحق ربنا، إذ هو أيضًا بالتأكيد الله غير المحتاج إلى أحدٍ يخدمه، بل يرد الخير الذي يتقبله، حتى أن الخيرات التي تُقدم لا تفيده هو بل الذين تقبلوها أولاً وترتد ثانية إليهم. يقول الرب عند مجيئه للدينونة: "بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" (مت 25: 40). يقول هذا بحنوٍ فائقٍ وتعاطفٍ مع أعضائه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v  لو لم يكن يحبنا فلماذا خلقنا؟ هل هو في احتياج إلينا؟ هل نحن نمده بشيءٍ؟ بأية خدمةٍ؟ هل يحتاج إلى شيءٍ نقدمه إليه؟ اسمع ما يقوله النبي: "قلت للرب أنت ربي، خيري لا شيء غيرك" (مز 16: 2)[994].

v  لا يحتاج إلى خدماتنا كما يحتاج السادة إلى خدمهم، بل ترجع أعمالنا ذاتها إلينا لنفعنا نحن. بالنسبة لهم ينتفع السادة بخدمة الخادم، أما بالنسبة لخدمتنا كخدمٍ فلا ينتفع بها السيد، بل يتمتع الخادم بالمنفعة كقول المرتل: "خيري لا شيء غيرك" (مز 16: 2). قل لي: ما هو نفع الله إن كنت بارًا، أو ماذا يصيبه إن كنت ظالمًا؟ أليست طبيعته غير قابله للفساد، ولن يمسها أذى، أسمى من كل ألم؟[995]

القديس يوحنا ذهبي الفم

هَلْ عَلَى تَقْوَاكَ يُوَبِّخُكَ،

أَوْ يَدْخُلُ مَعَكَ فِي الْمُحَاكَمَةِ؟ [4]

عندما يوبخنا الله لكي نصير أتقياء، لا يفعل هذا عن ضرر قد أصابه، لكنه كأبٍ يود أن ندخل في شركة معه، فنصير أيقونة حية له، وذلك لمجدنا نحن. إنه يوبخ لأجلنا. إنه لا يدخل في محاكمة كمن أصابه ضررٌ، وإنما لكي يعطينا فرصة الحوار، فنشعر بحبه المتنازل ورعايته لخلاصنا.

v  "هل خوفًا منك يوبخك؟ أو يدخل معك في المحاكمة؟[996]" [4] من يفكر هكذا إلا إذا كان فاقدًا لحواسه، كأن الرب ينتهرنا عن خوفٍ أو يصدر حكمًا علينا عن رعبٍ؟ ولكن الذين لا يعرفون كيف يزنون كلماتهم ينزلقون بلا شك في حديثٍ باطلٍ... هكذا أليفاز الذي نطق بكلمات باطلة، نطق بكلمات فجأة فاسدة وبعنفٍ.

البابا غريغوريوس (الكبير)

2. اتهام أيوب بأنه شرير خطير

أَلَيْسَ شَرُّكَ عَظِيمًا،

وَآثَامُكَ لاَ نِهَايَةَ لَهَا! [5]

كان الأصدقاء الثلاثة بين الحين والآخر يلمحون باتهامهم لأيوب، أما الآن فقد شعر أليفاز أنه ليس وقت للتلميح بل لمواجهة صريحة. إنه يوجه أيوب إلى ضميره ليحكم على نفسه كإنسانٍ شره عظيم، وآثامه لا نهاية لها.

يصوِّر لنا أليفاز نظرته إلى أيوب ليس أنه مرائي يخفي شروره ويتستر على آثامه فحسب، وإنما يراه شريرًا، شره عظيم، وآثامه بلا نهاية. وكأنه يقول له: لا تسعفني اللغة لأصور ما أنت عليه من شرٍ، صورتك بشعة للغاية!

v  "أليس شرك عظيمًا، وآثامك لا نهاية لها؟" [5] لاحظوا كيف يخرج من قلبٍ ميتٍ كلمات باطلة، ومن كلمات باطلة إلى بشاعة في الكذب، فالتهب قلبه لينطق لسانه بشتائمٍ. هذا هو الانحطاط بتزايد الخطية، حين لا يُضبط اللسان لا يتوقف، بل ينحدر على الدوام إلى ما هو أشر.

البابا غريغوريوس (الكبير)

3. اتهامه بالوحشية

أَنَّكَ ارْتَهَنْتَ أَخَاكَ بِلاَ سَبَب،

وَسَلَبْتَ ثِيَابَ الْعُرَاةِ [6].

يصوِّر لنا أليفاز أيوب في صورة وحشية. يراه إنسانًا لا يعرف الرحمة، وليس فيه أية لمسة إنسانية. لا يرتهن أشياء من أخيه كضمانٍ لتسديد ما يقدمه له من قرض، بل يرتهن أخاه نفسه، ويتحفظ عليه كرهينةٍ ذليلةٍ، وكعبدٍ يفقد حريته.

في مبالغة خطيرة مؤلمة يصوِّر أليفاز أيوب أنه يسلب العاري، الذي بلا ثياب، ثيابه! بمعنى أنه عوض أن يقدم ثيابًا للعراة كي يستر عليهم ويستدفئوا، أو حتى يتجاهل عريهم وما يعانونه من فقرٍ مدقعٍ وما يتحملونه من بردٍ، يعرف كيف يسلب ثيابًا ممن ليس لديهم ثياب!

اتهم أيوب بأنه أخذ بعض الأشخاص رهينة، وأودعهم في السجن، واستعبدهم، لأنه لم يكن لديهم ما يوفون به من دينٍ. وأنه جردهم من ملابسهم وتركهم عراة، الأمر الذي ينهاه الناموس الطبيعي وأيضًا الموسوى (خر 22: 26؛ تث 24: 13).

لكي يبرز أيوب في أكثر وحشية يتهمه أنه لم يستعبد غريبًا (فقط)، وهذا فيه وحشية، وإنما استعبد أيضًا أخاه الذي هو عضو في أسرته أو من بني جنسه.

لم يذكر أليفاز أسماء أشخاص ارتكب معهم أيوب هذا العنف، ولو أن هذا حق لما وصفه الله نفسه أنه مستقيم.

v  "لأنك ارتهنت أخاك بلا سبب، وسلبت ثياب العراة" [6]. في الكتاب المقدس تستخدم كلمة "pledge" (رهن أو عربون) لتشير إلى مواهب الروح القدس، وأحيانًا إلى الاعتراف بالخطية. تستخدم كموهبة الروح القدس عندما يقول بولس: "وأعطى عربون الروح القدس في قلوبنا" (2 كو 1: 22). فإننا ننال العربون ليكون لدينا تأكيد الوعد الذي قُدم لنا. تُدعى عطية الروح القدس عربونًا حيث تتقوى نفوسنا بتأكيد الرجاء الداخلي.

مرة أخرى يقصد بكلمة "عربون" الاعتراف عن خطية، كما هو مكتوب في الناموس: "إن صار أخوك مدينًا لك في شيء وأخذت منه رهينة فإلى غروب الشمس تردها له" (راجع خر 22: 26). فإن أخانا يكون مدينًا لنا عندما يخطئ ضد زميله المخلوق في أمرٍ ضدنا. فإننا ندعو الخطايا "ديونًا" (مت 18: 32). وفي الصلاة الربانية نصلي كل يوم: "اغفر لنا ما علينا، كما نغفر نحن لمن لنا عليهم" (مت 6: 12).

v  "وسلبت ثياب العراة" [6]... من يكون عاريًا لا يمكن تجريده من شيء، لكننا نتساءل: لماذا يُشار إليهم كعراة ثم بعد ذلك يُجردون. من الضروري أن تعرف أن كل واحدٍ تمتع بنقاوة الفكر، فإنه بهذا ليس له ثوب التعامل الخادع (بوجهين) فهو عارٍ. ويوجد البعض بين الهراطقة من لهم نقاوة القلب بالحق، ولا يزالون يتمسكون بعقائدٍ فاسدة في تعليمهم. هؤلاء عراة بنقاوتهم ويرتدون كما بتعليم الناس.

البابا غريغوريوس (الكبير)

4. اتهامه بمقاومة صنع الخير

مَاءً لَمْ تَسْقِ الْعَطْشَانَ،

وَعَنِ الْجَوْعَانِ مَنَعْتَ خُبْزًا [7].

بعد أن صوَّره كإنسانٍ وحشيٍ يستعبد أخاه، ويبذل كل الجهد ليسلب من العاري ثوبًا ليس لديه، الآن يقدمه كإنسانٍ بلا إحساس، لا يقدم ماءً لعطشانٍ، مع أن الماء مِلك عام لكل البشرية، وإن رأى إنسانًا يقدم خبزًا لجائع يمنعه من عمل الرحمة. فلا يعمل خيرًا، ولا يترك غيره يمارس الخير.

وصفه كإنسانٍ لم يحسن قط إلى المساكين حتى الذين بلغوا إلى الجوع والعطش، فلم يقدم كأس ماء لعطشان، الأمر الذي لا يكلفه شيئًا.

v  "لم تعطِ ماءً للمضطربين، وأمسكت خبزًا عن الجائعين[997]" [7]. فإن الهراطقة أنفسهم يفكرون أن يعطوا ماءً للمضطربين، عندما يقدمون كأس أخطائهم لأشخاصٍ يعانون تحت أثقالهم الأرضية.

هؤلاء يعتبرون أنفسهم أنهم لم يمسكوا خبزًا عن الجائعين. عندما يُسألون، يجيبون في كبرياءٍ وجسارة حتى عن الأمور غير المنظورة وغير المدركة. يقدمون أنفسهم كمن هم متعلمون فوق كل بشرٍ، حتى عندما يتجرأون ببؤسٍ أن يتكلموا عن أمورٍ غير معروفة.

أما الكنيسة المقدسة، فعندما ترى أحدًا جائعًا نحو شيء ما ليس لصالحه، إما أنها ترده بتحفظ إن كانت هذه الأمور بالفعل معروفة لديها، أو ظهرت كأنها غير معروفة فتعترف بذلك في تواضعٍ. إنها تسترد الإحساس بتواضعٍ بتدبيرٍ حسنٍ عندما توصي كل واحدٍ منهم خلال كرازتها: "ألا يرتئي فوق ما ينبغي أن يرتئي، بل أن يفكر بتعقلٍ" (رو 11: 20)... هكذا إذ نرى الكنيسة المقدسة تمنع العقول الضعيفة أن تتعمق في الحقائق. قيل للطوباوي أيوب: "أمسكت خبزًا عن الجائعين".

البابا غريغوريوس (الكبير)

5. اتهامه بمحاباة الوجوه

أَمَّا صَاحِبُ الْقُوَّةِ فَلَهُ الأَرْضُ،

وَالْمُتَرَفِّعُ الْوَجْهِ سَاكِنٌ فِيهَا [8].

بعد تشويه صورة أيوب وإبرازه كشريرٍ خطيرٍ، آثامه بلا حدود، وحشي الطبع، يستعبد أخاه، لا يفعل خيرًا، ويمنع الآخرين عن ممارسته، يتهمه بأنه يحابي الوجوه، فإذا ارتكب غني أو عظيم ظلمًا لا يسأله عن جريمته.

v  "إن تحفظ هذه الأمور دون تفضيل أحدٍ على آخر، ولا تعمل شيئًا بمحاباة" (راجع 1 تي 5: 21). لتعمل في غير محاباة بالعدل بين الذين تحت المحاكمة، وتحكم أنت عليهم، فلا ينشغل فكرك بأحدٍ مسبقًا، ولا تنحاز إلى أحدٍ مقدمًا[998].

القديس يوحنا ذهبي الفم

v  قيل هذا بخصوص المحبة التي يليق بالإنسان أن يقدمها لقريبه. لننشغل بهذه الأمور دون أن نرتكب معصية، ولا نعمل شيئًا بمحاباة أو لخزي الآخرين، بل لنحب الفقراء كخدام الله، وعلى الأخص نفتقدهم[999].

القديس إكليمنضس الروماني

v  "حيث الغيرة والتحزب هناك التشويش وكل أمر رديء. وأما الحكمة التي من فوق فهي أولاً طاهرة، ثم مسالمة، مترفقة، مذعنة، مملوءة رحمة وأعمالاً صالحة بلا محاباة" (راجع يع 3: 16-17). أي تطويب لا يناله الإنسان الذي يصلي طالبًا هذه الحكمة وينالها من الرب؟[1000]

القديس أغسطينوس

6. يهين الأرامل ويسحق الأيتام       

الأَرَامِلَ أَرْسَلْتَ خَالِيَاتٍ،

وَذِرَاعُ الْيَتَامَى انْسَحَقَتْ [9].

اتهمه بأنه كان يصرف الأرامل المسكينات فارغات من باب بيته، وعوض مساعدة اليتامى سحق أذرعهم، فصاروا عاجزين عن مساعدة أنفسهم.

لهذا الاتهام خطورته، إذ يُحسب أنه موجه ضد الله نفسه. ففي العهد القديم يُحسب الله قاضيًا للأرامل وأبًا للأيتام. ولعله حتى قبل الناموس كان المؤمنون بالله يدركون هذا، إما خلال الناموس الطبيعي أو بالتقليد المُسلم عبر العصور. فمن يستخف بالأرملة يضع نفسه في موقفٍ حرجٍ مع قاضي الأرامل والمدافع عنهن، ومن يسحق أذرع اليتامى يكون كمن وجه الضربات ضد أبيهم السماوي، الذي يعتز بأنه أب اليتامى.

يحمل هذا الاتهام رمزًا لما يفعله الهراطقة الذين يمتنعون عن الزواج بكونه نجاسة، وعن تناول أطعمة خلقها الله كاللحوم بكونها دنسة (1 تي 4: 5)، كما نادى بعض الغنوصيين. فإنهم يريدون أن يحطموا قدسية الزواج، وأن يدنسوا خليقة الله الصالحة. فتتحول النفوس إلى أرامل فقدن عريسهن السماوي، ربنا يسوع، ونزعوا عنها تهليل العرس وفرح الروح والشركة مع المخلص. ومن جانب آخر يريدون أن يحرموا النفوس من الطعام السماوي، وخبز الملائكة، لكي تصير كأيتام أذرعتهم مكسورة ومحطمة، عاجزة عن ممارسة الأعمال الروحية.

جاء مسيحنا ليردنا من حالة الترمُّل، وينزع عنا يُتمنا، إذ صار لنا العريس الروحي والأب السماوي. وأما عدو الخير فيعمل خلال الأشرار ليردنا إلى الترمُّل واليُتم!

7. يقيم لنفسه فخاخًا

لأَجْلِ ذَلِكَ حَوَالَيْكَ فِخَاخٌ،

وَيُرِيعُكَ رُعْبٌ بَغْتَةً [10].

هذا اتهام جديد، وهو أنه كان يليق بأيوب ألا يشكو مما حلّ به، كأنه ثمرة ظلم الله له، لأن كل النكبات التي حلت به هي من الشباك التي نصبها أيوب لنفسه بظلمه للغير وتجاهله المساكين والأرامل والأيتام. كل متاعبه هي ثمرة أفعاله التي افترض أليفاز أنه قد مارسها.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن هذا الاتهام يوجهه الهراطقة ضد الكنيسة عبر كل العصور. إنهم يدَّعون أنهم يعرفون الحق، وينعمون به، ويسخرون بالمؤمنين الحقيقيين الذين يمارسون التوبة اليومية، بأنهم يرعبون أنفسهم، ويضعون لأنفسهم الفخاخ المُهلكة.

v  "لذلك الفخاخ حولك، الخوف المفاجئ يبغتك" [10]... عندما يتطلع الهراطقة إلى الشعب المؤمن كمن ينحدرون بخطايا عدم الإيمان، يتهمونهم بأن الفخاخ حولهم.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَوْ ظُلْمَةٌ فَلاَ تَرَى،

وَفَيْضُ الْمِيَاهِ يُغَطِّيكَ [11].

ينسب أليفاز العمى لأيوب، فإنه كان قبل حلول التجارب في ظلمة، إذ وضع الشباك حوله لنفسه بشره، وها هو يسقط فيها، ولا يقدر على الخلاص منها. إن التجارب تتدفق عليه كشلالات تغمره وليس من منقذٍ له منها.

v  "وأنتم تفكرون أنكم لم تروا ظلامًا، وأنكم لم تنحدروا بقوة المياه المندفعة" [11]... يدعو أليفاز التجارب والأحزان مياهًا مندفعة، حيث تندفع كمجموعة واحدة وراء الأخرى كما بمياه ترتفع بأمواج تلوها أمواج.

البابا غريغوريوس (الكبير)

8. اتهامه بالإلحاد العملي

هُوَذَا اللهُ فِي عُلُوِّ السَّمَاوَاتِ.

وَانْظُرْ رَأْسَ الْكَوَاكِبِ مَا أَعْلاَهُ [12].

يعدد أليفاز اتهامات باطلة ضد أيوب وهو بريء منها. وقد جاء هذا الاتهام الجديد أنه وإن كان يدَّعي التدين، ويقدم ذبائح عن أولاده، إلا أنه يمارس الالحاد العملي.

يقول أليفاز حقًا إن أيوب يؤمن بأن الله هو في علو السماوات، أعلى من كل الكواكب، لكنه ملحد عمليًا، كيف؟ وإن كان الله موجود إلا أنه لا يبالي بالبشر، ولا ينشغل بخطاياهم أو برهم، فالحياة البشرية لا تشغل ذهن الله، بهذا استباح أيوب صنع شرورٍ كثيرةٍ وعظيمةٍ بلا نهاية، إذ ليس فيه خوف الله.

كيف اكتشف أليفاز إلحاد أيوب البار؟

إن كان ليس لدى أليفاز أسماء معينة مارس أيوب معها الظلم والجحود، لكنه حسب نفسه أنه كرجلٍ فهيمٍ ومدركٍ لأسرار الأمور أنه ليس من خطية يعاقب الله عليها بهذه الصورة إلا خطية الظلم والقسوة وعدم الرحمة.

ربما في رأي أليفاز أن أيوب أخطأ لأنه وإن مارس بعض التصرفات الظاهرة ليؤكد لمن هم حوله أنه رجل الله، المؤمن القائد، لكن أعماله تكشف ما يخفيه في فكره، وهو أنه يعتقد بأن الله ليس في أعالي السماوات، وأنه ليس شيء ما مخفيًا عنه. لو علم أيوب ذلك لما نسب لله ظلمًا، ولثبَّت خوف الله في قلبه، ولم يقل إن عين الله لا ترى العالم (حز 8: 12)، ولالتزم بالعمل باستقامة ورحمة.

فَقُلْتَ: كَيْفَ يَعْلَمُ اللهُ؟

هَلْ مِنْ وَرَاءِ الضَّبَابِ يَقْضِي؟ [13]

لعل أليفاز يرى أن أيوب يدرك أن الله في أعالي السماوات، ولكن عوض تقديم المهابة اللائقة به استخف به، لأنه في الأعالي لا يستطيع أن يرى من وراء الضباب، ولا يشغل نفسه بما يدور بين البشر على الأرض.

يعلق البابا غريغوريوس (الكبير) على هذه العبارة موضحًا الحقائق التالية:

أ. حقًا الله كائن في السماوات، وكأنه محتجب عن البشرية من وراء الضباب الذي لا يعطي للعيون البشرية أن تعاينه.

ب. هو بكامله حاضر شخصيًا مع كل أحدٍ، وبكامله حاضر مع الجماعة. فحضوره بالكامل مع الأشخاص لا ينفي حضوره بالكامل مع الجميع.

ج. سماوات الله في الأعالي، ومع هذا فبعنايته الإلهية مهتم بكل إنسانٍ على الأرض.

د. يبدو الله كمن يفارق الذين يخطئون، ليس لأنه غير حاضر في موضعٍ ما، إذ ليس من موضعٍ ليس فيه الله، لكنه يفارق الأشرار المصرِّين على شرورهم، بمعنى تفارقهم نعمته، فلا يجدون عونًا إلهيًا يسندهم، لأنه لا يعمل بدون رضانا. فهو غائب من جهة تقديم العون للرافضين عمله فيهم، لكنه حاضر بالنسبة لهم بإدانتهم، خاصة في يوم الرب العظيم.

هـ. الله حاضر بكامله في العلويات، وبكامله على الأرض في السفليات. حضوره على الأرض لا يعني مفارقته للعلويات.

و. الله مخفي بالنسبة للبشر حيث لا يستطيعون رؤيته بالأعين الجسمية، لكنه منظور خلال أعماله الإلهية الفائقة. لا يُدرك بالبصر العادي، لكنه يُلمس خلال أعماله وأحكامه.

ز. الله الذي لا يُدرك بالحواس الجسمانية يتنازل لكي يدركه البشر بإشراقاته في أذهاننا، لكن مع كل ما نتمتع به نُحسب كمن هم عاجزون عن إدراكه كما هو.

v  "هل تحسبون الله في أعالي السماء، أعلى من علو الكواكب؟ وأنتم تقولون: كيف يعرف الله؟[1001]" [12-13] كثيرون جدًا أغبياء هكذا حتى إنهم لا يقدرون أن يخشوا شيئًا سوى ما يرونه بطريقة ملموسة. فهم لا يخشون الله، لأنهم لا يقدرون أن يروه...

إنه بالحق، كلي القدرة على الدوام... هو حاضر بالنسبة لكل واحدٍ شخصيًا، حاضر بطريقة ما لكل أحدٍ حتى إن حضوره لا يكون ناقصًا للكل معًا.

فإنه وإن كان يترك الأشخاص عندما يخطئون، لكنه هو حاضر بالنسبة لذات الأشخاص بالنسبة للدينونة، وإن كان يُرى كأنه غير حاضر بالنسبة لمساندتهم.

هكذا هو يُحيط ما هو من الخارج ويملأ ما هو بالداخل... يدير العلويات فوق دون أن يهمل الأعماق أسفل. حاضر بطريقة ما في الأجزاء السفلية دون أن يفارق العلويات.

إنه مخفي بطريقة ما بالنسبة لمظهره لكنه يبقى معروفًا خلال أعماله، وهو معروف في عمله، ومع ذلك يبقى غير ممكن إدراكه بحسابات من يعرفه. إنه هكذا بطريقة ما حاضر، لكنه يبقى غير ممكن رؤيته. بطريقة ما يستحيل رؤيته غير أن أحكامه تبقى شاهدة على حضوره. يُخضع نفسه لكي يُدرك بواسطتنا، ويبقى شعاع إدراكه لذاته ملبدًا بالغيوم. مرة أخرى إذ نُمسك بظلام الجهل يبقى مشرقًا في ذهننا بأشعة بهائه.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v  "لكلماتي أصغِ يا رب" (مز 5: 1). إذ تدعو (الكنيسة) الرب، الذي هو معينها، تعبر هذا العالم الشرير وتبلغ إليه. "تفهم صراخي" (مز 5: 1)؛ يظهر المرتل حسنًا أن هذا الصراخ هو من الداخل من حجال القلب، دون نطق جسماني، يبلغ إلى الله، لأن الصوت الجسماني يُسمع، وأما الروحي فيُفهم. فإن هذا هو سماع الله، لا بأذنٍ جسمية، وإنما بكونه حاضر في كل مكان بعظمته[1002].

القديس أغسطينوس

السَّحَابُ سِتْرٌ لَهُ فَلاَ يُرَى،

وَعَلَى دَائِرَةِ السَّمَاوَاتِ يَتَمَشَّى [14].

لعل أليفاز ينسب باطلاً لأيوب أنه يتطلع إلى الله بكونه قد ستر نفسه بالسحاب الكثيف فلا يُرى من البشر، وأنه يتمشى على دائرة السماوات كمن هو مشغول بمجده، ولا يبالي بالخليقة الأرضية.

كأن أليفاز يطالب أيوب أن يتراجع عن شروره التي كان يمارسها خفية، ظانًا أن المحيطين به لا يرونها ولا يدركونها، بل والله نفسه لا ينشغل بها، لذا حلت به التجارب لكي يراجع أيوب نفسه، ويعترف بخطاياه العظيمة، وآثامه التي بلا نهاية. يليق بأيوب – في عيني أليفاز – أن يدرك أنه صار في فضيحة، لا من أجل النكبات في ذاتها، وإنما من أجل ما هو ورائها من فضيحة على الأرض كما في السماوات.

9. مقارنة حال أيوب بالعالم القديم

هَلْ تَحْفَظُ طَرِيقَ الْقِدَمِ الَّذِي دَاسَهُ رِجَالُ الإِثْمِ [15].

بعد أن ظن أليفاز أنه بحكمته وخبرته كشف عن عيني أيوب ليرى خطاياه وآثامه، الآن يقدم له تحذيرات لئلا يكون مصيره مصير رجال الإثم القدامى مثل أولئك الذين غمرهم الطوفان في أيام نوح. إنه يتهم أيوب بأنه يسلك ذات طريقهم، وستنتهي حياته كما انتهت حياتهم.

الطريق الذي يسلكه أيوب – في رأي أليفاز - ليس طريقًا حديثًا، إنما هو طريق قديم متسع ومطروق، نهايته الهلاك.

إن كان أليفاز يدعو أيوب أن يخرج من الطريق الذي يسلكه، هذا الذي سبق فسلكه كثيرون منذ القدم وهلكوا، فإن رب المجد على خلاف أليفاز لم ينهج الطريق السلبي، إنما قدم نفسه الطريق الإلهي الذي يهب الخطاة المغفرة بالتوبة، ويحملهم إلى أبواب السماء المفتوحة لهم، والتي تترقبهم.

هنا يليق بنا أن نضع مقابلة بين أليفاز المُدمر للآخرين وبين السيد المسيح واهب الرجاء لكل العالم. ففي كبرياءٍ وتشامخٍ ادَّعى أليفاز أنه رجل حكيم وصاحب فهم يقود أيوب للتعرف على خطاياه التي أخفاها عن الناس وعن الله، والتي حاول أن يتجاهلها فحلّ به سيل من النكبات، وطوفان من الضيقات لن تتوقف حتى يهلك تمامًا. أما السيد المسيح فهو حكمة الله الأزلي، جاء في تواضعٍ ليمسك بأيدي الأشرار دون أن يجرح مشاعرهم، يحملهم فيه ويدخل بهم إلى الأحضان الإلهية، يسند الضعفاء ويهبهم روحه القدوس واهب الحب والفرح والسلام والصلاح والتعفف.

حاول أليفاز أن يدمر نفسية أيوب باتهاماتٍ باطلةٍ. أما رب المجد يسوع فحمل الاتهامات الموجهة ضد البشر، واهبًا إياهم الشركة معه في الطبيعة الإلهية ليرفع من نفسيتهم، ويهبهم صحة الجسد والنفس والروح على مستوى أبدي، حيث يتمجد الإنسان بكليته في يوم الرب العظيم.

v  هل تعطي علامة للطريق القديم الذي يطأه الأشرار؟[1003]" [15] لما كان طريق فادينا هو التواضع، فإن طريق العالم هو الكبرياء. وهكذا فإن الأشرار يطأون طريق العالم، حيث بواسطة شهوات العالم يسيرون في الاعتداد بالذات.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v  إن كنا نحن أيضًا أيها الإخوة الأحباء في المسيح، إن كنا نلبسه، إن كان هو طريق خلاصنا، نحن الذي نتبع المسيح في خطوات الخلاص، فلنسلك متمثلين به كما يعلمنا الرسول يوحنا: "من قال إنه ثابت فيه، ينبغي أنه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضًا" (1 يو 2: 6)[1004].

الشهيد كبريانوس

v     إنه البيت الذي نذهب إليه؛ إنه الطريق الذي به نذهب. ليتنا نذهب به إليه؛ فلا نضل الطريق[1005].

القديس أغسطينوس

v  تمسك مقدمًا بما شهدوا به عن أنفسهم، قائلاً: "كما قبلتم المسيح يسوع الرب، اسلكوا فيه" (كو 2: 6)... فإنه هو الطريق الذي يقود إلى الآب، لا تسلكوا في الملائكة، فإن هذا الطريق لا يبلغ إلى هناك[1006].

القديس يوحنا الذهبي الفم

الَّذِينَ قُبِضَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْوَقْتِ؟

الْغَمْرُ انْصَبَّ عَلَى أَسَاسِهِمِ [16].

لقد باغت الطوفان الأشرار فجأة وهم غير مستعدين، ظانين أنهم يعيشون سنوات طويلة، فغرقوا وهلكوا كما لما كان قبل الأوان. لقد عجًّل الطوفان بحياتهم فجأة. لقد وضعوا الأرض أساسًا لهم، وبنوا عليها آمالهم، وظنوا أنهم في أمان كما على أساس صخري، لكن الغمر أنصب على أساسهم هذا. "الطوفان الذي جلبه الله على عالم الفجار" (2 بط 2: 5).

ربما يتساءل البعض: أليس عمر الإنسان معروفًا مسبقًا عند الله، فكيف يُقال إن الأشرار يُقبض عليهم قبل الأوان؟

هل يموتون قبل الموعد المعيَّن لهم؟ وهل تطول أيام حياة الأبرار عما عيَّنه الله لهم؟

أولاً: يرى البابا غريغوريوس (الكبير)، أن كل إنسان له عمر لائق به يناسبه أو يستحقه. لكن الله أيضًا يعلم مسبقًا أن هذا الشرير من الأفضل أن يموت مبكرًا لكي لا يعثر الصديقين، أو يتركه لعمرٍ أطول لأجل إعطائه فرصة لعله يتوب.

فما يُقال عن أن عمر الإنسان يقصر أو يطول لا يعني أن الله يغيِّر رأيه فيما سبق أن عرف، لكن الإنسان ينال عمرًا أطول أو يُقصر عمره لحكمة إلهية، سواء بالنسبة للشخص نفسه أو من هو حوله، وهو يعلم مسبقًا أيضًا ما يليق، هل يضيف أو يُنقص من عمر شخص ما حسبما يلزم أن يكون عليه حسب الطبيعة أو حسب استحقاقه.

ثانيًا: يرى العلامة أوريجينوس أن مقاييس العمر تختلف عند البشر عنها عند الله. فكما يقول المرتل يوم واحد عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيومٍ واحدٍ. ففي يوم الرب العظيم نُفاجأ بأطفالٍ صغار يُحسبون كأشخاصٍ عاشوا سنوات كثيرة، وشيوخ نراهم كأطفالٍ صغار.

لتوضيح ذلك إن قارنَّا الجنين يوحنا المعمدان حين ارتكض مبتهجًا في بطن أمه القديسة اليصابات، نجده حسب المقياس البشري لم يكن قد وُلد بعد، ولا تُحسب مدة بقائه في الرحم من عمره، بينما في نظر الله وحسب مقاييسه يحسب كإنسانٍ ناضجٍ، سنه أكثر مما لرئيس الكهنة، والكهنة، والكتبة، والفريسيين الخ. في ذلك الحين، لأنهم يُحسبون كموتى لم يشهدوا للسيد المسيح بالرغم من معرفتهم للنبوات عقليًا.

قد يموت أبرار وهم أطفال ويحسبون كمن عاشوا آلاف السنين في عينيّ الرب، وقد تطول أيام طغاة أشرار وتحسب أيامهم كلا شيء. "تخرج روحهم فيعودون إلى ترابهم".

عندما نسمع عن وصية الرب: "أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض"، لا نندهش إن مات ابن أو ابنة في سن مبكرة بالرغم من إكرامهما للوالدين، فإن هذا الابن (أو الابنة) يُحسب كمن طال عمره على الأرض، لأن يومًا واحدًا من عمره يُحسب عند الرب كألف سنةٍ. هذا هو التفسير الروحي الرمزي الذي تبنَّاه العلامة أوريجينوس في مواضعٍ كثيرة حين تحدث عن عمر الإنسان على الأرض.

بحسب هذا التفسير يُقبض على الأشرار قبل الأوان، لأن حياتهم بلا ثمر، لم ينتفعوا بفرص التوبة للتمتع بالشركة مع الله واهب الحياة. فبموتهم يحسبون كموتى فقدوا الحياة، ولم يحرصوا عى التمتع بها.

v  "الذين يؤخذون قبل الوقت، حيث يفيض الطوفان على أساسهم"... كل إنسان يؤخذ من هذه الحياة في وقت سبق معرفته قبل الزمن بسلطان إلهي. لكن يلزم معرفة أن الله القدير، في خلقته لنا وتدبير أمورنا، يعين حدود (حياتنا) حسب استحقاق كل أحدٍ. فقد يلزم الشرير أن يعيش وقتًا قصيرًا، لئلا يسيء إلى كثيرين يسلكون باستقامة، وقد يلزم أن يبقى الإنسان الصالح مدة أطول في الحياة، حتى يكون معينًا في أعمال صالحة لكثيرين.

مرة أخرى فإن الشرير يلزم أن يبقى مدة أطول في الحياة حتى يضيف أعمالاً شريرة إلى أعماله. وهكذا البار قد يمارس حياة صادقة تتطهر بامتحانه، أو يلزم سحب الإنسان الصالح بأكثر سرعة، لئلا إن عاش أكثر، قد يُفسد براءته.

لكن ليوضع في الاعتبار إن رأفات الله هي التي تهب الخطاة فرصة للتوبة. على أي الأحوال قد تُوهب لهم أزمنة ولا يرجعون ليحملوا ثمار الندامة بل يخدمون الشر، وبرحمة الله ينالون الأزمنة لعلهم يتخلون عن تصرفاتهم.

بالرغم من أن الله القدير يعرف مسبقًا وقت موت كل أحدٍ، متى تنتهي حياته، لا يقدر أحد أن يموت قبل أوانه، بل في الوقت المعين لموته، فإنه إن كان قد أُضيف إلى حياة حزقيا خمسة عشر عامًا (2 مل 20، إش 38)، فإن زمن حياته بالحقيقة زاد عن النهاية التي كان يستحقها، وقد سبق فعرف الله وقته في هذه اللحظة والتي فيما بعد يسحبه من الحياة الحاضرة.

هذا الأمر هكذا: ماذا يعني "يُقطع الأشرار قبل أوانهم" سوى أن كل أولئك الذين يحبون الحياة الحاضرة يعدون أنفسهم لفترات أطول من تلك الحياة؟ وعندما يسحبهم الموت من الحياة الحاضرة، فإن الفترات الطويلة لحياتهم التي اعتادوا أن يتخيلوها تكون قد سُحبت منهم، إنها تُقطع إربًا. بحق قيل عن هؤلاء: "أساسهم قد أفاض بطوفان"...

وُصف قايين إنه أول من أسس مدينة على الأرض (تك 4: 17)، وهو بهذا أكد بوضوح أنه غريب، حيث كان غريبًا عن الثبات في العالم الأبدي، فأنشأ أساسًا على الأرض. بكونه غريبًا عن الأمور العلوية وضع استقراره في أساسٍ لأمور سفلية، ووضع استقرار قلبه في اللذة الأرضية.

كما بانهيار الزمن اليومي حالة الموت في الحياة الحاضرة ذاتها تجري نحو النهاية، وتحطم تكريس أبناء الهلاك بإزالة هؤلاء الأشخاص عينهم، بحق قيل عن الأشرار: "أساسهم قد أفاض بطوفانٍ"، بمعنى ذات التغير يلقي فيهم استقرار إنشاءات الأشرار.

البابا غريغوريوس (الكبير)

الْقَائِلِينَ لله: ابْعُدْ عَنَّا.

وَمَاذَا يَفْعَلُ الْقَدِيرُ لَهُمْ [17].

خطية هؤلاء الأشرار أنهم يطلبون من الله: "أبعد عنا"، إذ يريدون أن يعيشوا بلا إله، حتى لا تثور ضمائرهم، ولا يفقدون بلادتهم. لقد تجاهلوه قائلين: "الرب لا يُحسن ولا يُسئ" (صف 1: 12).

لقد سمعوا عنه أنه القدير، ولكن في نظرهم أي سلطان له عليهم؟

كما سبق فقلنا إن الإلحاد نوعان: إما إنكار وجود الله، أو مع معرفتهم بوجوده يظنون أنه لا يشعر بهم، بعيد عنهم في سماواته، أو يطلبون منه أن يبعد عنهم، إذ يحسبونه عاجزًا عن أن يهبهم السعادة التي يطلبونها، أو يحقق لهم ما يشتهونه.

وَهُوَ قَدْ مَلأ بُيُوتَهُمْ خَيْرًا.

لِتَبْعُدْ عَنِّي مَشُورَةُ الأَشْرَارِ [18].

مما يزيد من دينونة الأشرار أنهم كانوا يتمتعون بخيراتٍ هي من عند القدير، وقد أساءوا استخدامها. فالذين غرقوا في الطوفان "كانوا يأكلون ويشربون ويزوجون ويتزوجون ويبيعون ويشترون" (لو 17: 27). لم يكن لهم مبرر ليسألوا "ماذا يفعل القدير لهم"، لأنهم كانوا يعيشون في خيراته الجزيلة، فلم يكن لهم ما يدعوهم أن يطلبوا صانع الخيرات أن يبتعد عنهم. كانت بيوتهم مملوءة بالخيرات، لكن قلوبهم كانت فارغة من النعمة الإلهية، لهذا هلكوا.

هنا يتفق أليفاز مع أيوب في الرغبة: "لتبعد عني مشورة الأشرار" (أي 21: 16).

v  "لكنه يملأ بيوت الأشرار بالخيرات" [18]. يملأ الرب بيوت الأشرار بالخيرات حتى بالنسبة للجاحدين، فإنه لا يمنع عطاياه، حتى يستحوا من رأفة خالقهم ويرجعوا إلى الصلاح، أو يحتقروا العودة، فيكون ذلك علة لعقابهم بأكثر شدة، إذ يردون صلاح الله الفائق بالشر، فتحل بهم ويلات قاسية فيما بعد...

"ليت حكمهم يكون بعيدًا عني". هذا أيضًا عبَّر عنه الطوباوي أيوب، إذ يقول: "لتبتعد مشورتهم عني" (21: 6).

البابا غريغوريوس (الكبير)

الأَبْرَارُ يَنْظُرُونَ وَيَفْرَحُونَ،

وَالْبَرِيءُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ قَائِلِينَ: [19]

الأبرار لا يحسبون هكذا إن كانوا يُسرُّون بموت الأشرار ويسخرون بهم، إنما يئنُّون ويصلون من أجلهم. لكنهم في يوم الدينونة حيث أُعطيت الفرص للأشرار وقد أصرُّوا على شرهم مع إعطائهم ظهورهم لواهب الحياة، وتفضيلهم البنوة لإبليس عوض البنوة لله، فإذ يحل بهم الدمار الذي من عمل إرادتهم الشريرة الحرة وسلوكهم، يُسر الأبرار إذ لا يعود للشر موضع بعد فيهم، بل يعيشون في أورشليم العليا المقدسة مع الله القدوس.

لا يشمت الأبرار في الأشرار عند هلاكهم، فإنهم يحملون إرادة أبيهم أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون، لكنهم يفرحون بإبادة سلطان الشر والظلم حتى لا يتعثر الضعفاء، كما يُسرون بمجد الله الذي لا يقبل الفساد.

يجد الأبرار الفرصة للكشف عن بطلان الشر وضعفه وعدم ديمومته، وسخافة حكمة الأشرار ومكرهم وخبثهم. يُسر الأبرار بانهيار إبليس ومملكته، وبدمار الخطية لا الخاطي. فإن البار لا يعرف إلا الحب حتى بالنسبة للخطاة.

v  "يرى الأبرار ذلك فيبتهجون، ويضحك الأبرياء عليهم ساخرين" [19]. إذ يرى الأبرار الأشرار يخطئون هنا، لا يسرون بخطأ أناس يهلكون أنفسهم. فإنهم إن كانوا يسرون بالخطأ لا يُحسبون بعد أبرارًا... لقد فقد الفريسي برَّه لأنه سُرّ، حاسبًا نفسه أسمى من العشار، قائلاً: "أشكرك إنني لست مثل باقي الناس الخاطفين، الظالمين، الزناة، مثل هذا العشار".

مرة أخرى إن قلنا البار يمكن أن ينتصر بفرحٍ كامل على موت الأشرار أي نوع هو هذا الفرح من أجل الانتقام من الأشرار في هذا العالم، الذي فيه حياة البار غير أكيدة؟

لنميز بين الأزمنة التي للرعب والتي للمجد. فالأبرار يرون الأشرار الآن ويصيرون في هزالٍ من أجل شرورهم. وعندما يرونهم يُضربون، لا يثقون في حياتهم هم أيضًا... الآن يرى الأبرار أبناء الهلاك ويئنون، وفي الدينونة النهائية يرونهم ويضحكون ساخرين.

البابا غريغوريوس (الكبير)

أَلَمْ يُبَدْ مُقَاوِمُونَا،

وَبَقِيَّتُهُمْ قَدْ أَكَلَتْهَا النَّارُ؟ [20]

ربما يشير هنا إلي لوط الذي كان يعذب نفسه البارة بفجور الأشرار، فمع فقدانه كل ما يملكه، كان يشتهي خلاص أهل سدوم وعمورة كما يفرح لدمار الفساد والفجور (2 بط 2: 7-8).

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن المقاومين للأبرار والمعادين للحق الإلهي سيُلقون في نار جهنم التي لا تنطفئ، تحرق النفوس مع الأجساد. فكما اشترك الجسد مع النفس في مقاومة الله، وتعاونا معًا في ممارسة أعمال إبليس والخضوع له، لاق بهما أن يُشاركا إبليس مصيره، النار الأبدية.

v  وإن كان الأشرار يرحلون من هنا من جسدهم الميت، لكنهم يتقبلونه مرة أخرى في القيامة، حتى إنهم بذات الجسد يحترقون، ذات الجسد الذي فعلوا به الخطية. فإذ كانت خطيتهم في الفكر والجسد هكذا ستكون العقوبة في الروح والجسد على السواء.

البابا غريغوريوس (الكبير)

يتهلل المؤمن البار حين يرى المقاومين للحق الإلهي، أي الأفكار الشريرة التي تود أن تتسلل إلى الداخل، وتسيطر على الإنسان الداخلي. مثل هذه الأفكار الشريرة تحترق بنار الروح القدس، كما تحترق الأشواك بالنار. هكذا يحترق كل ما هو غريب عن الطبيعة الطاهرة التي خلقها الله فينا، لكي يلهب نار الحب الإلهي.

يتهلل المؤمن بعمل الروح القدس الناري فيه الذي يدمر ويبني!

10. التوبة تعرَّف على الله

تَعَرَّفْ بِهِ وَاسْلَمْ.

بِذَلِكَ يَأْتِيكَ خَيْرٌ [21].

يصعب الحكم على موقف أليفاز هذا، فإنه وإن ظلم أيوب بتوجيه اتهامات مُرة ضده، وحاول تأكيدها بالرغم من عجزه عن إيجاد دلائل عملية على اتهاماته، لكنه هنا يفتح أمامه باب الرجاء.

يكشف أليفاز عن بركات الرجوع بالتوبة إلى الله. فإن استبعدنا نية أليفاز في تأكيد شر أيوب، فإن كلماته هنا مصدر قوي للرجاء في الرجوع إلى القدير، ليجد في القدير نفسه خيره وبره وكنزه وكل شبعٍ له.

يقدم أليفاز مشورة صالحة: "اقترب إلى الله، وتعرف عليه، وكن في سلام معه!" ليس من علاج سوى الاقتراب من الله والاتحاد معه والدخول معه في سلام داخلي.

v  ليس هناك من يحزننا مثل ذلك الساقط في الخطية، الذي يتذكر خطاياه ليتلذذ بالأمور الجسدية الأرضية، بدلاً من أن ينشغل ذهنه بسبل معرفة الله الجميلة!

فآدم أخفى نفسه عندما عرف بحضور الله، راغبًا في الاختباء عندما دعاه الله بذلك الأمر الذي جرح به نفسه (عدم ملاقاة الرب)، قائلاً له: "آدم أين أنت؟" (تك 3: 9). بمعنى "أين تخفي نفسك؟ لماذا تختبئ؟ لماذا تهرب من الله الذي كنت تتوق إلى رؤيته؟![1007]

القدِّيس أمبروسيوس

"واسلم": أي لتكن في سلام مع الله، أو مع نفسك حيث تستريح فيه، فإن الشر مصدر للقلق الداخلي.

ما هو "الخير" الذي يتطلع إليه أليفاز كثمرةٍ للدخول في سلام مع الله. إن قصد البركات السماوية تكون مشورته صادقة وبنَّاءة، أما إن كانت عيناه مركَّزتان على الخيرات الزمنية التي فقدها أيوب، فلا يكون قد أصاب في مشورته!

v     "لنا سلام مع الله" (رو1:5)، من خلال ربنا يسوع المسيح الذي صالحنا مع الله خلال ذبيحة دمه...

جاء المسيح لكي يُهْلِك الأعداء، ويصنع السلام، ويصالحنا مع الله الذي فَصَلْنَا عنه حاجز الشر الذي أقمناه بخطايانا.

العلامة أوريجينوس

11. التوبة تمتع شخصي بالكلمة

اقْبَلِ الشَّرِيعَةَ مِنْ فَمِهِ،

وَضَعْ كَلاَمَهُ فِي قَلْبِكَ [22].

من يدخل في سلام مع الله يستعذب الوصية الإلهية الصادرة كما من فمه الإلهي إلى قلبه مباشرة، ففي عذوبة ومسرة يصرخ الإنسان: "يا رب ماذا تريد أن أفعل؟" (أع 9: 6).

حين نسمع الوصية من فم خادم الله أو نقرأها في الكتاب المقدس أو من فم صديق أو من كتاب، نشعر بحق بالعلاقة الشخصية مع الله، كأنه يحدثنا مباشرة. نسمع صوته الإلهي في داخلنا، وتتجاوب أعماقنا مع محبته، فإنه ليس من موضع لائق بالكلمة الإلهية مثل القلب، لأنه خزانة الحب وهيكل الروح القدس.

يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن ما نطق به أليفاز، وإن كان يمثل مشورة صادقة، لكن الخطأ فيما قاله أنه ظن في نفسه أنه بار، أبر من أيوب الشرير – كما كان يظن – فأخذ موقف المعلم والحكيم والقائد المتكبر. إنه يمثل الهراطقة الذين في كل العصور يستخفُّون بكنيسة الله ويتهمونها بالجهالة مع الشر، ويريدون أن يقدموا لها تعاليم بكونهم معلمين أبرارًا وأصحاب فهم ومعرفة وحاملين للبرّ!

v  توجد خطية أن يُعلم الإنسان شخصًا أفضل منه، الجريمة التي كثيرًا ما يرتكبها الهراطقة فيعلمون، وهم لديهم مفاهيم خاطئة... هذا أيضًا ينطبق على مثل هؤلاء الأشخاص، إذ يضيف: "أسألك أن تقبل الشريعة من فمه"، إذ يتوهمون أن ما يفكرون فيه من أذهانهم يصدر عن فم الله.

البابا غريغوريوس (الكبير)

12. التوبة رجوع إلى القدير

إِنْ رَجَعْتَ إِلَى الْقَدِيرِ تُبْنَى.

إِنْ أَبْعَدْتَ ظُلْمًا مِنْ خَيْمَتِكَ [23].

يقدم أليفاز مفهومًا صحيحًا إيجابيًا وفعَّالاً للتوبة. فالتوبة ليست رجوعًا عن الخطية فحسب، فهذا الجانب السلبي لا يشبع النفس، أما جانبها الإيجابي فهو أنها رجوع إلى القدير، هذا يشبع الأعماق ويبنيها. فالقدير وحده يستطيع بروحه القدوس أن يجدد القلب على الدوام بغير انقطاع، حتى يتشكل، ليصير بالحق أيقونة الله.

إذ يقترب الإنسان من النور الإلهي لا يسمح للظلمة – خاصة الظلم - أن تتسلل إليه، لأنه ليست شركة بين النور والظلمة. لذا يقول أليفاز: "إن أبعدت الإثم من خيمتك". هنا يشير إلى خيمة الأسرة أو العائلة ككلٍ، كما تشير الخيمة إلى الجسد الذي تسكنه النفس كخيمة.

يرى البابا غريغوريوس ( الكبير) أن أليفاز قد تعرف على بعض الحقائق الصادقة من صديقه أيوب, لكن كانت له انحرافات عن الخط المستقيم أو عن الحق. هكذا نجد في الهراطقة بعض المفاهيم الصادقة التي تعلموها من كنيسة المسيح , لكنهم مزجوا ما هو حق إنجيلي بما هو باطل من عندهم.

v  إذ كان أليفاز صديقًا لشخصٍ طوباوي، يدرك بعض الأمور بالحق، ولكن في بعض النقاط ترك الخط المستقيم وصار شبيهًا بالهراطقة. لهذا لم يتحقق أن أيوب قد ضُرب بالتجارب بسبب سمات حسنة. ظن أن هذا الرجل الذي يراه مضروبًا قد أخطأ، لذا وعده أنه إن رجع إلى الله القدير يُنزع الإثم من خيمته.

البابا غريغوريوس (الكبير)

13. التوبة طريق الغنى

وَأَلْقَيْتَ التِّبْرَ عَلَى التُّرَابِ،

وَذَهَبَ أُوفِيرَ بَيْنَ حَصَا الأَوْدِيَةِ [24].

يرى أليفاز أنه إذ يلتصق الإنسان بالله مصدر الخيرات يصير الإنسان غنيًا جدًا، فيصير التبر بالنسبة له في الكثرة كالتراب، أو يذخر الذهب عنده كالتراب، وتكون له فضة كثيرة.

توهم أليفاز أن أيوب قد جمع ثروته بالظلم لذلك فقدها، أما إن التصق بالله، فيهبه خيرات وثروات لن يفقدها. ولعله لم يشر هنا إلى ثروة حيوانية وأرضٍ، بل إلى ذهبٍ وفضةٍ، لأن ما ناله قبلاً هو ثروة الفلاحين والرعاة، أما ما سيناله بالتصاقه بالرب فهو ثروة الملوك من تبر وفضة.

مع كثرة التبر والذهب الأوفير، فإنه لا يضع هذه الكنوز في مخازن تحت حراسة مشددة، لأنه لا يخشى من فقدانها، ولا يضعها في حضنه، لأنها لا تشغل قلبه، بل يراها كالتراب والحصي لا تشغل فكره وقلبه.

يمكن تفسير ذلك روحيًا بأن من يرجع إلى الله يُلقى بالتبر على التراب, لأنه يقتني الله، فيحسب كل شيءٍٍ نفاية من أجله, كما يُلقى بالذهب الخالص بين حصا الأودية، إذ لا يصير الذهب في عينيه ذا قيمة, بل أشبه بحجارة صغيرة وحصا يملأ الأودية لا ثمن له.

يَكُونُ الْقَدِيرُ تِبْرَكَ،

وَفِضَّةَ أَتْعَابٍ لَكَ [25].

 إذ يلقى الأبرار تبر هذا العالم في التراب وذهبه الأوفير في الأودية بين الحصا, يجدون الله تبرهم وذهبهم السماوي. يصير هو كنزهم الذي لن يسرق منهم.

كثيرًا ما تشير الفضة في الكتاب المقدس إلى كلمة الله , لهذا يليق بالمؤمنين أن يقتنوا هذه الفضة الروحية, التي تهبهم غنى روحيا فائقا، وقوة ضد عدو الخير القادم , وفرحا داخليا وتهليلاً، فيشارك السمائيين تسابيحهم. بالكلمة الإلهية يصير المؤمن غنيًا وجنديًا صالحًا للسيد المسيح ومرتلاً مملوء فرحًا.

وكما يتلذذ أهل العالم بثروتهم لكن إلى حين، يُسر الأبرار بالله كنزهم الحقيقي وثروتهم وكرامتهم وقوتهم إلى الأبد. "الرب قوتي وتسبحتي" (خـر 15: 2؛ مز 118: 4؛ إش 12: 2).

 من يقتنِ الفضة في قلبه، يتضرع بكلمة الله، ويتحصن ضد قوات الظلمة، أما إذا خضع للشر ولقوات الظلمة واستسلم لها، فلا يدرك أسرار الله التي تعلنها الكلمة الإلهية.

v  أي أعداء آخرين نخضع لهم أكثر من الأرواح الشريرة، الذين يحاصروننا في أفكارنا، فيقتحمون مدينة أذهاننا ويسيطرون عليها، ويأسروننا تحت نير سلطانهم؟

يشهد المرتل أن اسم "الفضة" يشير إلى الوحي الإلهي، إذ يقول: "كلام الرب كلام نقي، كالفضة المصفاة في أتون النار" (مز 12: 6).

غالبًا لا تتمتع نفوسنا بالوحي الإلهي عندما نخضع بطريقة خطيرة لخداعات الأرواح الشريرة، حيث يرشون على أذهاننا تراب الأفكار الأرضية فتظلم عيوننا الداخلية، ولا تتمتع بنور الرؤية الداخلية. هذا ما عاناه المرتل حين قال: "ابعدوا عني أيها الأشرار، فأبحث في وصايا إلهي" (مز 119: 15)، معلمًا إيانا بوضوح أنه لم يستطع أن يبحث في وصايا الله عندما كان يعاني في الذهن من فخاخ الأرواح الشريرة.

البابا غريغوريوس (الكبير)

في مثل الابن الراجع إلى أبيه كشف السيد المسيح عن الغِنَى الذي نتمتع به خلال التوبة، حيث ننعم بأعظم مركز ألاّ وهو التبني لله الذي به لا يبخل عن أن يُقدم لنا الحلة الأولى وخاتم البنوة والحذاء لنسير في طريق الحق في آمان فنشهد لأبوة الله الحانية.

v     يأتيك بالحلة والخاتم والحذاء.

الحلة هي ثوب الحكمة التي بها غطى الرسل عري أجسادهم، وبها يكتسي كل إنسان. أخذوا الحلة لكي يستروا ضعفات أجسادهم بقوَّة الحكمة الروحيَّة، وقد قيل عن الحكمة: "غسل بالخمر لباسه" (تك 49: 11). الحلة هي الكساء الروحي وثوب العرس.

الخاتم ليس إلا صك الإيمان الصادق وختم الحق.

الحذاء يشير إلى الكرازة بالإنجيل[1008].

القدِّيس أمبروسيوس

v  الحلة الأولى هي الكرامة التي فقدها آدم، وأما العبيد الذين قدَّموها فهم الكارزون بالمصالحة... الخاتم الذي في اليد هو عربون الروح القدس بسبب شركة النعمة، إذ يُشار إلى الروح حسنًا بالإصبع...

الحذاء في القدَّمين هو الاستعداد للبشارة بالإنجيل كي لا نمس الأرضيات[1009].

القدِّيس أغسطينوس

14. بالتوبة يُرفع الوجه لله

لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِالْقَدِيرِ،

وَتَرْفَعُ إِلَى اللهِ وَجْهَكَ [26].

يتمتع الإنسان البار بدالةٍ لدى الله "ترفع إلى الله وجهك"، فلا يرتاع ولا ينكسر قلبه، بل في بهجة قلب وثقة يظهر أمام الله، ويتحدث معه، ويطلب حياة الشركة معه.

 يرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن أليفاز نطق بالحق إن كان هذا الحديث موجهًا إلى إنسان شرير عاجز عن أن يرفع وجهه الداخلي نحو الله. لكنه أخطأ، لأنه قدم ما هو حق بغير حكمةٍ، قدمه ليوجه اتهامًا لأيوب البار.

يعرفنا البشر بالتطلع إلى وجوهنا، فيميزوننا بعضنا عن بعض. فمن لا يرفع وجهه أمام الناس ويظهر أمامهم لا يعرفه الناس. هكذا إذ يرجع الإنسان بالتوبة إلي الله يجد لذته في الله القدير، ويرفع وجهه الداخلي إلى الله، فيصير معروفًا لديه، وليس غريبًا عنه، لهذا في كل قداسٍ إلهيٍ، يصرخ الكاهن: "ارفعوا قلوبكم"، أو "أين هي قلوبكم؟" وبقوة الروح يجيب الشعب: "هي عند الرب". وكأنهم يعلنون أن وجوههم الداخلية مرتفعة إلى الرب الذي يُسر بها، ويهيبها الاتحاد معه.

v  رفع الوجه لله هو رفع القلب باحثًا في الأعظم علوًا. فكما أنه بالوجه الجسدي نُعرف ونُميز لدى الإنسان، هكذا بالشكل الداخلي نعرف لدى الله. ولكن حينما نُثقل بإثم الخطية وننحدر إلى الأرض، نخشى أن نرفع وجه قلبنا لله حيث لا تثبت بأية ثقة في الأعمال الصالحة. يمتليء الذهن من الخوف نحو التطلع إلى العلويات، لأن الضمير نفسه يتهمه. ولكن بدموع الندامة تُغسل الخطية، ويُنتحب الإنسان الأمور التي ارتُكبت حتى لا يعود يرتكب ما ينتحب عليه، فننعم بثقة في الذهن، ويرتفع وجه قلبنا للتأمل في مباهج المكافأة.

يُحسب أليفاز إنه نطق بالحق، لو أنه كان ينصح شخصًا ضعيفًا، ولكن إذ يتطلع إلى إنسانٍ بارٍ بانحطاط بسبب ضرباته، ما هذا سوى أنه يسكب كلمات المعرفة بغير معرفة؟

البابا غريغوريوس (الكبير)

15. التوبة تفتح أبواب السماء

تُصَلِّي لَهُ فَيَسْتَمِعُ لَكَ،

وَنُذُورُكَ تُوفِيهَا [27].

 إذ يدعو أليفاز أيوب للتوبة عن شروره والرجوع إلى الله يؤكد له أنه خلال توبته يصلي إلى الله فيستجيب له.

هذا كلام حق فالتوبة تفتح أبواب السماء، وتهبنا دالة لدى الله، ويميل الله بأذنه ليسمعنا، ويشتَّم صلواتنا رائحة بخور طيبة تصعد أمامه.

يدخل التائب في حوار حب مع الله، فيجد نفسه أمام عرش النعمة، ويقدم نذوره كرد فعل لاستجابة الله لصلواته. يقدم نذور الشكر والتسبيح.

ما هدف إليه أليفاز بهذه الكلمات التي لا يشوبها شيء سوى نية أليفاز الشريرة، هو أن يتهم أيوب أنه ليس برجل الله. صلواته التي يقدمها لله كل أيام حياته لم تكن مقبولة، لأنها صادرة عن قلبٍ غير تائبٍ ونفس لا ترجع إلى الله، وأن نذوره لن يوفيها حتى وإن قدم ذبائح عن أولاده هذا مقدارها، وأعطى تقدمات بلا حصر، لأن قلبه غير طاهر.

ما حملته كلماته من حق الهى يناسب كل نفس لترجع الله استخدمه أليفاز كسيف يضرب به نفسية أيوب البار ليحطمه، ويدخل به الى جحيم اليأس.

v  بالنسبة للذين يحسبون وصايا الرب كلا شيء، يقدمون صلوات ولا يسمع الرب لهم قط. لذلك مكتوب: "من يصم أذنه عن سماع الناموس، فصلاته تكون رجسة" (أم 28: 9). مادام أليفاز يعتقد أن الطوباوي أيوب لم يُسمع له، فإنه يصمم أنه قد مارس خطأ ما.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v  التوبة نار تلتهم كل ضعف بشري، تنزع التهاون والكسل وثقل الجسد، وتعطي للنفس جناحًا تطير به نحو السماء، وتظهر لها خلال هذه القمّة المرتفعة بطلان هذه الحياة الحاضرة.

من لا يرتفع إلى مركز المراقبة لا يستطيع أن يلتقط صورة صادقة للأرض ومحتوياتها. فإن أمورًا كثيرة تظلم مجال الرؤية وتصم الأذنين وتلعثم اللسان. لهذا يليق بالإنسان أن ينتزع نفسه من هذا الصخب، ويبتعد عن الدخان، ويدخل إلى الوحدة ليجد السلام العميق والهدوء والسكون مع الاستنارة.

عندما تركز الأعين على حب الله، ولا تعود تسمع الأذن إلا كلماته وكأنها سيمفونية روحية عذبة، تصبح النفس أسيرة (الله) تشعر بتقزز من الطعام والنوم.

حقًا أن ضجة العالم والاهتمامات المادية تنزلق على النفس، لكنها لا تدخل إليها، وبارتفاع النفس هكذا لا تعود تبالي بفرقعات العواصف الأرضية.

وكما أن سكان الجبال لا يعودون يسمعون أصوات المدينة ولا يرون ما يدور فيها، إنما يحسبون هذه كلها أشبه بضجيج مبهم، هكذا الذين تركوا العالم بإرادتهم وانطلقوا يطيرون في مرتفعات الفلسفة (الحكمة) لا يعودون يدركون شيئًا عن أحوال العالم، لأن كل حواسهم متجهة نحو السماء.

إذن لنبحث لا عن وحدة البرية فحسب، إنما عن وحدة الرغبة الداخلية. لنختبئ فوق أعلى قمة النفس حيث لا يسكن فيها شيء أرضي.

إن قوة التوبة كمثل هواء يطرد الغبار ويكتسح الشهوات أسرع من الدخان.

القديس يوحنا ذهبي الفم

وَتَجْزِمُ أَمْرًا فَيُثَبَّتُ لَكَ،

وَعَلَى طُرُقِكَ يُضِيءُ نُورٌ [28].

يجد الإنسان التائب راحة داخلية في إدارة كل شئونه الخارجية "وتجزم أمرًا فيثبت لك". وكما قيل عن الصديق، السالك في ناموس الرب: " كل مايصنعه ينجح فيه".

"على طرقك يضيء نور"، أي سوف يرشدك الله. فإن من يرجع الى الرب بالتوبة يجد كلمة الله سراجًا يضيء له الطريق، حيث تدخل به الكلمة إلى ملكوت النور.

16. بالتوبة نتمجد

إِذَا وُضِعُوا تَقُولُ: رَفْعٌ.

وَيُخَلِّصُ الْمُنْخَفِضَ الْعَيْنَيْنِ [29].

جاء في ترجمة اليسوعيين: "ومن تواضع تقول له: ارتفع" عندما يحاول اليأس أن يتسلل إلى قلوب التائبين وأفكارهم. ويكاد أن يبتلعهم يجدون نعمة الله في داخلهم تشددهم، لكي يتمتعوا بالحياة السامية الناجحة "يركبون على مرتفعات الأرض" (إش 58: 14). فالتوبة الصادقة تهب تواضعًا صادقًا، حيث تهب الإنسان عودة إلى الله الذي يرفع المتواضعين.

للأسف ما يعنيه أليفاز هنا ليس تقديم مشورة لكل إنسانٍ ليتمتع بالتواضع الحقيقي، إنما ليؤكد أن ما بلغ إليه أيوب من انهيار تام حتى صار موضعه على المزبلة، إنما ثمرة كبريائه وعجرفته حتى أمام الله، فأعد نفسه للدمار.

v  "فإن من يُذل سيتمجد، والذي يخفض عينيه يخلص" [29]. هذه العبارة لا تناقض فم الحق، الذي قال: "لأن كل من يرفع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يرتفع" (لو 14: 11). وهكذا قيل بسليمان: "قبل الكسر يتكبر قلب الإنسان، وقبل الكـرامة التواضع" (أم 28: 12).

بلياقة قيل: "الذي يخفض عينيه يخلص"، وذلك لأن الكبرياء يُكتشف خلال خدمة الأعضاء فإن أول إعلان عنه عادة يظهر في العينين. مكتوب: "الأعين المرتفعة تضعها" (مز 18: 27)... هكذا فإن "خفض العينين" لا يعني أن الإنسان ينظر إلى أسفل، وإنما أن يحسب نفسه أقل وتحت كل ما هو منظور.

البابا غريغوريوس (الكبير)

v  إنه يليق بالأكثر أن يخبر (المريض طبيبه) معترفًا بالأخطاء التي سقط فيها عن أن يحفظ جراحاته خفية، وأن يتعصب متبجحًا، مشهرًا بجراحات الغير. ليس بالأمر العجيب أن يذهب العشار وقد شُفي إذ لم يخجل من أن يظهر موضع ألمه[1010].

 القديس أغسطينوس

v     أين تكون حين تقترب إليك الشياطين؟ فإن التواضع يهدمهم من درجتهم.

إذ ينظرونك متواضعًا يهربون منك.

 التواضع هو بيت اللاهوت، وحيث يوجد يسكن الله فيه.

أنظر في من أحلّ إلا في الوديع المتواضع الخائف من كلامي؟

لتتواضع نفسك، فيأتي الملك ويحلّ فيك، ولا تغلبك جميع قوة العدو.

لأن بيت الملك لا يسرقه اللصوص، لأن جنوده حافظون أبوابه باحتراس.

إن كنت متواضعًا يحل فيك بتلك المملكة، ولا يسرقك اللصوص.

إن تواضعت تقتلع شجرة الشر، وتغرس عوضًا عنها شجرة ربنا المباركة.

إن اشتعل فيك حب لاهوته يجعلك أصم وجميع الشرور (التي تحل بك) تكون كالصالحات.

تتطلع إلي الإهانة والاستهزاء وجميع الشتائم المرة كأنها صالحات وليست شرورًا...

القديس مار يعقوب السروجي

17. بالتوبة نشفع في إخوتنا

يُنَجِّي غَيْرَ الْبَرِيءِ،

وَيُنْجَى بِطَهَارَةِ يَدَيْكَ [30].

ختم أليفاز حديثه بتوجيه توبيخ قاس لأيوب. فإن كان أيوب قد اعتاد أن يقدم ذبائح عن أولاده لعلهم يكونوا قد أخطأوا ولو بالفكر ضد الله (أي 1: 5)، حاسبًا نفسه وأهل بيته أبرّ من غيرهم، فإن الله لم يسمع له، ولم ينجه هو ولا أنقذ أولاده، وهذه علامة شره. فالإنسان الراجع إلى الله يطلب حتى عن غيره البرىْ فينجيه، وذلك من أجل طهارة يدي البار الرافع يديه للصلاة. وكأنه يستخف بأيوب قائلا له: لو أن يديك طاهرتين لقُبلت صلواتك وذبائحك عن نفسك وعائلتك، لكن لأنهما شريرتان جلبتا شرًا للكل!

حقًا لا يتمتع الإنسان التقي بعمل الله فيه وحده، وإنما إذ باتساع قلبه يصلي عن الآخرين يستجيب الله له، كما فعل الرسول بولس وهو في السفينة (أع 27: 24).

لم يكن أليفاز يدرك أن ما يقوله يتحقق فعلاً حيث يصلي أيوب عنه وعن زميليه (أي 42: 8).

لعل أليفاز يتنبأ عن السيد المسيح الشفيع الكفاري دون أن يدري. من هو هذا الطاهر اليدين سوى السيد المسيح الذي بلا خطية وحده؟

إنه يبسط يديه على الصليب، طالبا: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟" قام بقدرته، واهبا البشرية غير البريئة إمكانية الخلاص والغلبة على الموت، والنجاة!

حقا مسيحنا وحده بدمه ينجى الانسان غير البريء وذلك بقوة دمه المسفوك على الصليب.

 


من وحي أيوب 22

لأرجع إليك بالتوبة،

فأدخل إلى أحضانك الإلهية

 

v     هب لي الحكمة التي من عندك،

فإني محتاج إليها لبنياني.

بدونها لن تستريح نفسي،

بل أعيش في قلقٍ ومرارة.

بدونها تحطم الشرور نفسي.

تهبني لذة مملوءة سمًا.

وتقدم لي بهجة مؤقتة تدفع بي إلى الموت الأبدي!

 

v     أنت هو الحكمة ذاتها.

لست في عوزٍ إلى شيءٍ.

أنا محتاج إلى حكمتك لكي أتبرر.

محتاج إلى خلاصك لكي أحيّا أبديًا.

بك أتبرر، وتمتلئ نفسي بالخيرات.

أيها القدوس، لستَ محتاجًا إلى صلاحي وبرِّي.

إنما في حبك تقبل أن أقدم لك مما هو لك.

فأسمع صوتك العجيب.

ما فعلتموه بأحد إخوتي الأصاغر فبي فعلتم.

 

v     أخبرني: هل تنتفع بتوبتي وصلاحي؟

أنت كلي الكمال، لست في حاجة إليّ.

لكنك أحببتني، تريدني أيقونة لك!

إنك لا تبغض ما صنعته يداك!

شروري لن تؤذيك،

وبريِّ لن يضيف إليك شيئًا!

 

v     إن وبختني على شروري،

إنما لأجل خلاصي ومجدي!

في تواضعك تنزل إليّ لتحاورني!

تدخل معي كما في محاكمة،

لا لتهلكني، بل لكي أرجع إليك فأحيا.

 

v     أعترف لك أن آثامي قد طمت فوق رأسي.

هب لي أن أكتشف فضيحتي،

فآتي إليك يا سائر النفوس بحبك.

 

v     إني لا أخشى اتهامات الغير لي،

لكن ما يشغلني نظرتك إليّ!

لست أريد أن أتبرر أمام الناس،

وإنما أن أكتسي بك، يا أيها البرّ الحقيقي!

 

v     إلهي، إني أؤمن أنك ساكن السماء!

لكنك وأنت وراء الضباب لا يراك بنو البشر.

أنت بكليتك حاضر أيضًا على الأرض.

أنت محب السمائيين والأرضيين!

بسبب شروري صرت كأني محروم من حضرتك.

لكنك أنت حال في كل مكان!

بإرادتي أرفض حضورك فيّ،

أي عمل نعمتك الغنية في حياتي.

 

v     هب لي التوبة، فأرجع إليك.

تعمل نعمتك في أعماقي، فتتجلى في داخلي!

أراك، فيتهلل قلبي بك، يا فرحي وبهجة قلبي!

لا يقدر ضباب ما أن يفصلني عنك،

ولا تقدر خطية ما أن تطمس عيني فلا أراك!

أنت فيّ، بك أصير سماءً،

بك أصير هيكلاً لروحك القدوس.

أنت في أعالي السماوات،

تقيم من أرضي سماءً مقدسة ومكرسة لك!

 

v     أنت القدير والعجيب في حبك!

بقدرتك تتم خلاصي،

وبحبك تعدني لأتمتع بشركة مجدك.

بقدرتك الفائقة تسكن فيّ،

تشبعني بحضورك الفائق!

بقدرتك خلقتني من التراب على صورتك ومثالك.

وبحبك نزلت إليّ تعيد خلقتي.

جئت إليّ، وقدمت لي ذاتك طريقًا!

لم يعد الطريق إلى السماء مستحيلاً!

أثبت فيك فارتفع إلى سماواتك!

تحملني فيك، فلا أضل الطريق.

تخفيني فيك كما في فلك نوح فلا يهلكني الطوفان.

 

v     أعترف لك أن خطاياي أفسدت حياتي.

صار عمري كلا شيء حتى في عيني.

لأقتنيك فتعوضني السنوات التي أكلها الجراد.

تحسب كل يومٍ في حياتي كألف سنة.

 

v     في شري كنت أود الهروب منك!

كنت أدرك أنك موجود،

لكن في غباوة كنت أقول في أعماقي: ليس إله!

أخشى من القرب منك، لئلا يعذبني ضميري!

أخاف الالتصاق بك، لئلا أُحرم من لذة الخطية.

كنت أنعم بخيراتك، وفي غباوة أسيء استخدامها.

وهبتني الكثير، أما قلبي فكان فارغًا!

 

v     الآن هبني التوبة الصادقة بالرجوع إليك.

هب لي ألاّ أتذكر الشر الملُبس الموت،

لئلا ينشغل فكري بلذة الخطية عوض الشبع بك!

 

v     هب لي ألاّ أختفي مع آدم، وأهرب منك،

بل ألتقي بك، وأعترف لك بخطاياي!

فلا سلام لي بدون رؤيتك.

 

v     هب لي أن أرجع إليك،

فينفتح قلبي لكلمتك.

أحتضنها وأتلذذ بها، فهي حياتي!

أستعذب وصيتك، فهي صادرة عن فمك!

 

v     أرجع إليك أيها القدير،

فتهبني روح القوة والعمل الدائم بلا توقف.

ألتصق بك، فأعتني بك.

يصير القبر بالنسبة لي في الكثرة كترابٍ،

والذهب الأوفير أشبه بحصا الأودية.

أنت هو غناي وثروتي الحقيقية السماوية!

ليس للتبر والذهب الأوفير قيمة في عيني!

 

v     لست أطلب شيئًا عند رجوعي إليك.

لكنك في حبك العجيب تقدم له حلة الحكمة، لتستر عليّ.

تُقدم لي خاتم البنوة، فأدخل إلى عرشك بلا عائق.

تهبني حذاء لأسير في طريق الحياة، شاهدًا للحق الإلهي.

 

v     أرجع إليك في انكسار قلب،

لكنك سرعان ما تقدم لي عذوبة فائقة.

ترفع وجهي إليك كابنٍ له دالة لدى أبيه!

 

v     برجوعي إليك تنصت إلى صلاتي،

وتشتم ذبائح تسبيحي رائحة سرور.

فتطير نفسي إليك كما بجناحي حمامة!

فيصير العالم في عيني كلا شيء!

ليس من يشبعني سواك!

وليس من نور يهديني سوى سراجك.

أتصاغر جدًا في عيني نفسي،

لكنك بحبك تحملني على ذراعيك،

وتدخل بي إلى أمجادك.

لكن لست أدخل وحدي!

كل البشرية لها موضع في قلبي!

ترى هل يمكن أن يخلص الجميع؟

[991] التزمت بالنصوص الواردة في كتابات البابا غريغوريوس كما هي.

[992] Homilies on Acts, homily 7.

[993] التزمت بالنصوص الواردة في كتابات البابا غريغوريوس كما هي.

[994] Homilies on Ephesians, homily 19.

[995] Homilies on 1 Timothy, homily 16.

[996] التزمت بالنصوص الواردة في كتابات البابا غريغوريوس كما هي.

[997] التزمت بالنصوص الواردة في كتابات البابا غريغوريوس كما هي.

[998] Homilies on 1 Timothy, homily 16.

[999] Concerning Virginity, attributed to him, chapter 12.

[1000] Grace and Free Will, ch. 46 (24).

[1001] التزمت بالنصوص الواردة في كتابات البابا غريغوريوس كما هي.

[1002] On Ps. 5.

[1003] التزمت بالنصوص الواردة في كتابات البابا غريغوريوس كما هي.

[1004] Treatise 9 on the Advantage of Patience, 9.

[1005] Selected Lessons on N.T., Sermon 42.

[1006] Homilies on Colossians, homily 6.

[1007] Concerning Repentance, book 2.

[1008] In Luc 15: 11-32.

[1009] Quaest Evang. 2: 33.

[1010] Sermon 351:1.