الأصحاح التاسع والخمسون

عصياننا يحجب الخلاص عنا

في الأصحاح 57 يتحدث عن الزنا الملتحم بالوثنية كعائق للتمتع بعمل الله الخلاصي المجاني، وفي الأصحاح 58 يتحدث عن الرياء كداء خطير يصيب المتدينين، والآن في هذا الأصحاح يتحدث عن العصيان لله كعائق.

1. الخطايا الحاجبة وجه الرب        [1-8].

2. أثر الخطايا                        [9-15].

3. الحاجة إلى الله المخلص          [16-21].

1. الخطايا الحاجبة وجه الرب:

"ها أن يد الرب لم تُقصر عن أن تُخلص، ولم تثقل أذنه عن أن تسمع؛ بل آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع" [1-2].

من جهة الرب فهو القدير لا تقصر يده عن أن تخلص وهو الآب المحب لا تثقل أذنه عن سماع صوت أولاده، إنما العيب كله في الإنسان الذي صارت آثامه - عصيانه للرب- حجابًا يفصل بين الله والإنسان، أفسدت عيني الإنسان فلم يعد يرى وجه الله، وأفسدت صوته فلم يعد لائقًا كي يسمعه الرب. الله يُريد أن يُخلِص وقادر على ذلك لكنه لا يلزمنا قسرًا، فتقف معاصينا وشرورنا عائقًا عن التمتع به وبخلاصه.

v   مادام هذا هو السبب الذي يجعلنا بعيدين عن الله، فلننزع هذا الحاجز البغيض الذي يُحرمنا من الاقتراب منه.

القديس يوحنا الذهبي الفم[629]

v   خطيرة هي كل خطية لأنها تحزن الله.

الأب ثيوفان الناسك[630]

ماذا تعني الآثام والخطايا التي تفصلنا عن الله وتستر وجهه عنا؟ إنها رفض لناموس الله ورغبة لخروج الإنسان خارج دائرة ملكوته، إذ يقول الرسول: "والخطية هي التعدي" (1 يو 3: 5). هي رفض لله نفسه ولملكوته وناموسه وصورته التي خُلقنا عليها... هذا هو ما يحزن قلب الله.

بمعنى آخر، خطايانا وآثامنا ليست فقط مجرد تصرفات معينة وإنما هي مؤشر عن حالة النفس الداخلية ومركزها بالنسبة لله... إذ تظن أن في الالتصاق معه نوعًا من العبودية والحرمان، فتُريد الخلاص منه والتحرر من وصاياه، معبرة عن ذلك بوسيلة أو أخرى. لهذا يصوّر لنا الكتاب المقدس الخطية أحيانًا ككائن مقاوم لله، فيقول الرسول: "دخلت الخطية إلى العالم" (رو 5: 12).

عمل الخطية - دستور مملكة إبليس- انتزاع البشرية عن مملكة الله وحرمانهم من الالتقاء بأبيهم والتمتع بانعكاس صورته عليهم والشركة في الطبيعة الإلهية، أما برّ المسيح فعمله سحب النفوس المخدوعة إلى ملكوت الله لتستر صلاحها وتتمثل بابن الله وتشاركه سماته ومجده.

إن كانت الخطية هي "حالة النفس" ومركزها لكنها تُترجم بتصرفات داخلية في القلب والفكر والأحاسيس كما بتصرفات خارجية بالكلمات والعمل.

يقول القديس كبريانوس:

[لقد قُدمت حقيقة الأمر بفم النبي بروح إلهي... أن الله يستطيع أن يمنع الأشياء المقاومة لكن استحقاقات الخطاة الشريرة تمنع تقديمه العون...

لتُحصى خطاياكم ومعاصيكم، لتؤخذ في الاعتبار جراحات ضمائركم، ليكف كل واحد منكم عن التذمر على الله وعلينا، إن حسب نفسه مستحقًا ما يُعاني منه[631]].

يعدد النبي هنا مجموعة من الخطايا سبق أن ارتكبها الشعب، ولا يزال يسقط فيها كثير من البشر:

أ. القتل أو العنف: "لأن أيديكم قد تنجست بالدم وأصابعكم بالإثم" [3]. إن كان "الله محبة"، دستوره الحنو والترفق والرأفة، فإن الخطية دستورها البغضة والعنف والقتل ظلمًا. لهذا إذ أراد الرب أن يقتلع مملكة الخطية من جذورها قال: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل... وأما أنا فأقول لكم أن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم، ومن قال لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع، ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم" (مت 5: 21-22).

ب. الكذب: "شفاهكم تكلمت بالكذب ولسانكم يلهج بالشر" [3]. إذ رفضوا الله وانتسبوا لمملكة إبليس حملوا سماتها وهي العنف ومعه الكذب والتضليل، فقد دعى عدو الخير "كذاب وأبو الكذاب" (يو8: 44)، "المضلّ". فإن كان السيد المسيح هو "الحق" فعدو الخير هو "الكذاب" و البطلان".

الكذب هو دستور مملكة إبليس لهذا يُحذرنا منه الكتاب المقدس:

"كراهة الرب شفتا كذب، أما العاملون بالصدق فرضاه" (أم 12: 22).

"كل كذب ليس من الحق" (1 يو 2: 21).

"الفم الذي يكذب يقتل النفس" (حك 1: 11).

v   كل إنسان متكبر مخادع، وكل مخادع كذاب. يعاني البشر من نطقهم بالخداع، مع أنه يمكنهم أن ينطقوا بالحق بسهولة تامة.

القديس أغسطينوس[632]

ج. المحاباة: "ليس من يدعو بالعدل وليس من يحاكم بالحق" [3]. أنهم يمارسون دستور مَلِكهم، ألا وهو الظلم ومحاباة الوجوه. أما ثمر أعمالهم الظالمة فهو هلاك الآخرين دون نفع لهم. يشبهون سيدة تحبل لا بجنين بشري يُفرح قلبها عند ولادته، إنما تعاني الأمرين من آلام الحمل والطلق، تحبل تعبًا شديدًا لتنجب إثما يهلكها ويهلك من هم حولها. "قد حبلوا بتعب وولدوا إثمًا" [4]، وكما يقول المرتل: "هوذا يَمْخَضُ بالإثم، حمل تعبًا وولد كذبًا" (مز 7: 14).

التشبيه الثاني أنهم صاروا كأفعى تقدم بيضًا لكنه يفقس ما يميت لا ما يشبع ويسند [5].

التشبيه الثالث أنهم كالعنكبوت الذي ينسج خيوطًا لا تستر بل تصطاد الحشرات [5-6].

في التشبيهات الثلاثة السابقة يوجد عنصر مشترك هو "الخداع"، الأول تظهر المرأة حاملاً يُنتظر أن تُنجب طفلاً فتلد إثمًا، والثاني يظهر البيض ليأكل الإنسان ويشبع فيفقس أفعى قاتلة، والثالث يرى الإنسان نسيجًا دقيقًا رائعًا لكنه من صنع العنكبوت لا يستر العُرى إنما يصطاد حشرات ليقتلها. هذه هي التشبيهات التي يُقدمها عمن يحكمون بالظلم تحت أسم العادلة.

د. أما ما هو أخطر، أن ما يرتكبونه من آثام مذكورة هنا أو غير واردة لا يسقطون فيها عن ضعف لا أراديًا إنما يجرون إليها بأنفسهم، ويسرعون نحو ارتكابها كمن يبتهج بها [7].

2. أثر الخطايا:

أ. الحرمان من الاقتراب نحو الله "الحق": "من أجل ذلك ابتعد الحق عنا ولم يدركنا العدل" [5].

 

قبول الخطية قبول للبطلان ورفض الحق، أي دخول في مملكة إبليس وتعدي على مملكة الله.

v   يا لشقائي... لقد انتابتني حماقات جمة، ومع أنك  أنت هو الحق غير أنني لم أطلب منك المشورة[633].

v   عندما انفصلت عنك يا إلهي لم أعد بعد موجودًا، صرت كلا شيء...[634].

القديس أغسطينوس

ب. "الانغماس في الظلمة: " ننتظر نورًا فإذا ظلام، ضياءً فنسير في ظلام دامس" [9].

v   يا لشقائي... لقد داست عليّ الظلمة، ومع أنك أنت النور، إلاَّ أنني حجبت وجهي عنك![635].

v أنت هو النور لأولاد النور! نهارك لا يعرف الغروب! نهارك يُضييء لأولادك حتى لا يتعثروا! أما الذين هم خارج عنك، فإنهم يسلكون في الظلام ويعيشون فيه؟...

كل من يبتعد عنك أيها النور الحقيقي يتوغل في ظلام الخطية، وإذ تُحيط به الظلمة لا يقدر أن يميز الفخاخ المنصوبة له على طول الطريق![636].

القديس أغسطينوس

ج. فقدان البصيرة، بلا قيادة واعية روحية: "نتلمس الحائط كعُمي وكالذي بلا أعين نتجسس، قد عَثْرنا في الظهر كما في العتمة، في الضباب كموتى" [10]. لقد أشرق السيد المسيح شمس البر وصرنا كمن في الظهيرة لكن بسبب فقدان البصيرة تعثّر البعض كمن هم في ظلمة؛ حجب لاهوته كما في ضباب الجسد وفي عدم إيمان سقط الجاحدون كالموتى.

د. صراخ بلا نفع؛ يُصلي الكبار بصوت عالٍ فيزأرون، والصغار يهدرون كالحمام، فلا يوجد لهم خلاص [11]؛ ليس لسبب آخر غير تمسكهم بالعصيان المستمر والمتزايد، فصار رفيقًا للإنسان، يرتكبه عن معرفة [12].

بمعنى آخر لا يكفون عن الصلاة، لكن بلا جدوى لأنها لا تنبع عن قلب مخلص في اشتياقه نحو الله، وفي إيمانه بعمل الله في حياته، وفي سلوكه الروحي. إن كان الله في محبته يشتاق أن يستجيب لصلوات الإنسان وطلباته قبلما يُعِبّر عنها الإنسان بلسانه لكن الإنسان بشره وعدم إيمانه يفقد التمتع بهذه العطية الإلهية.

v   قد تأكد تمامًا أن صلاته لن تُستجاب! من هو هذا البائس؟ ذاك الذي يُصلي ولا يؤمن أنه سيحصل على جواب.

مالقديس يوحنا كاسيان

هـ. الانحراف أو الحيدان عن الله بتمسكنا بالكذب وفقدان روح الصدق والاستقامة [14-15].

3. الحاجة إلى الله المخلص:

ساء الأمر جدًا، لكن الله خالق الإنسان المهتم به ومحبوبه لا يقف متفرجًا. "فرأى الرب وساء في عينيه أنه ليس عدل. فرأى أنه ليس إنسان وتحير من أنه ليس شفيع، فخلَّصت ذراعه لنفسه وبرّه هو عَضَدَه" [15-16].

v   بسبب هذا الانفصال أُرسل الشفيع لكي ينزع الخطية عن العالم التي بها انفصلنا عنه كأعداء، وذلك لكي نتصالح معه ونتحول من أعداء إلى أبناء.

القديس أغسطينوس[637]

إذ لا يوجد شفيع يقدر على مصالحتنا مع الله نزل الرب نفسه، وكما يقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس: [لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا نبيًا أئتمنته على خلاصنا بل أنت وحدك تجسدت وتأنست واشبهتنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها[638]...].

ماذا فعل الشفيع الكفاري بنا؟

أ. تقدم المعركة كقائد لنا ونائب عن البشرية، يهبها النصرة والغلبة ببره وسلطانه: "فلبس البرّ كدرع وخوذة الخلاص على رأسه؛ ولبس ثياب الانتقام كلباس، واكتسى بالغيرة كرداء، حسب الأعمال هكذا يُجازي مبغضيه..." [17-18]. عوض الخطية التي ارتبطنا بها فحطمتنا لبس بره الإلهي درعًا لنا، وعوض الهلاك الذي حل بنا ارتدى الخلاص خوذة على رأسه، وعوض الضعف أو الانهيار الذي سقطنا فيه قام ينتقم من إبليس وكل ملائكته، يرد عليهم شرهم فيفقدون سلطانهم على الأمم في المغرب أو المشرق. يتمجد المخلص في الشعوب والأمم إذ يهبهم نصرة حتى على العدو الذي يفيض كنهر جارف لكن الرب كما بنفخة روحه القدوس يوقف فيضه [19].

ب. أقام كنيسته، صهيون الجديدة كمركز للتوبة [20]، أقامها مستشفى للمرضى وليس محكمة للقضاء والادانة، إذ يقول: "ويأتي الفادي إلى صهيون، وإلى التائبين عن المعصية في يعقوب يقول الرب" [20].

v   اللطف (بالضعفاء والخطاة) هو الفضيلة الوحيدة التي تسعى نحو نمو الكنيسة، الأمر الذي يطلبه الرب ثمنًا لدمه.

 اللطف هو اقتداء بحنان السماء نحو البشر، يهدف نحو خلاص الجميع[639].

v ليتنا لا نضحك على خطية أحد بل نحزن، لأنه مكتوب: "لا تشمتي بيّ ياعدوتي، إذ سقطت أقوم، إذا جلست في الظلمة فالرب نور..." (مى 7: 8-9). لم يقل هذا بلا جدوى، لأن من يشمت بالساقطين إنما يكون قد أبتهج بنصرة الشيطان. لذلك بالحرى يلزمنا أن نحزن عندما نسمع عن هلاك شخص مات المسيح لأجله[640].

الشهيد كبريانوس

ج. إقامة عهد جديد مع البشرية [21] مع تأكيد لتحقيق الوعود الإلهية.

[629] To the Fallen Theodore, 1:8.

[630] Tomas Spidlik: The Spirituality of the Christian East, p. 187.

[631] Treat. 5:11.

[632] On Ps. 140.

[633] الحب الإلهي، ص 169.

[634] الحب الإلهي، ص 171.

[635] الحب الإلهي، ص 167.

[636] الحب الإلهي، ص 71.

[637] Against 2 Letters of the Pelagians 4.8.

[638] The Coptic Liturgy of St. Gregory the Theologian.

[639] On Repentance 1.

[640] Ibid 2.