الله

  • لماذا اختار الله وسطاء بينه وبين البشرية (المقصود الكهنة)؟ ولماذا لم يكن الاتصال بين الله والناس مباشراً؟

    يمكننا تقسيم السؤال إلى ثلاثة أسئلة:

    1. هل هناك وسطاء بين الله والناس؟ وما هي علاقة هذا بالكهنوت؟
    2. هل كهنة العهد الجديد وسطاء بين الله والناس؟
    3. لماذا تستخدم الكنيسة ممثلة في رئاستها الكهنوتية سلطاناً فتحل وتربط أو تحرم أحياناً؟ فهل هذا يعتبر تحكماً في حرية الناس؟ ولماذا لاينصحون الناس ويتركونهم لحريتهم؟

    أولاً:

    الوساطة بين الله والناس وعلاقة هذا بالكهنوت:

    • احتاج البشر لوسيط يقف بين الله وبينهم لضعفهم وشرهم، لذلك خافوا لئلا يموتوا بالوقوف في حضرة الله كليّ القداسة لأنهم ممتلئون شروراً، وهذا ما حدث أيام موسى النبي عندما قال الشعب: "وَكَانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يَرَوْنَ الرُّعُودَ وَالْبُرُوقَ وَصَوْتَ الْبُوقِ، وَالْجَبَلَ يُدَخِّنُ. وَلَمَّا رَأَى الشَّعْبُ ارْتَعَدُوا وَوَقَفُوا مِنْ بَعِيدٍ، وَقَالُوا لِمُوسَى: «تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ» "(خر٢٠: ١٨- ١٩). مثال ذلك إنسان اقترف جريمة قتل، وتلطخت يداه بالدماء وآثار الجريمة على ملابسه كيف يذهب لمقابلة قاضٍ عادل؟! ألا يتجنب ذلك المجرم الالتقاء بهذا القاضي، وهل يتجرأ أن يذهب ليطلب منه خدمة شخصية؟!
    • هيبة الله وجلاله وقداسته ترعب البشر مثلي ومثلك الذين يعرفون ضعفهم، فمن منا يعرف عدم إتقانه لعمله ولكن رئيسه في العمل يأتي إليه طالباً منه أن يذهب لمكتب رئيس الوزراء ومعه ملفات عمله ليعرضها عليه، ألا يرتعب ويهاب ذلك الموقف؟! ويحاول جاهداً أن يقنع رئيسه لكي يرسل أحداً أكفأ منه في هذا العمل، لئلا يكتشف رئيس الوزراء عجزه فيجازيه شر جزاء، لقد أدرك أيوب الصديق هيبة وجلال الله، وأكد على ضرورة وجود وسيط بينه وبين الله قائلاً: "لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا" (أي٩: ٣٢، ٣٣).
    • وهكذا ظل البشر ينتظرون هذا الوسيط الذي يمكنه أن يقف بين الله والناس مصالحاً... ولكن ما هي شروط هذا الوسيط المصالح؟

    شروط الوسيط:

    1. لابد أن يكون قدوساً بلا خطية كالله.. وهذا ينطبق على واحد فقط وهو الرب يسوع المسيح الذي قال الكتاب المقدس عنه: "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (١تي٢: ٥) وأيضا: "لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب٧: ٢٦).
    2. لابد أن يكون ابن بشر لكي ينوب عنا كقول الكتاب: "لأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ النَّاسِ يُقَامُ لأَجْلِ النَّاسِ فِي مَاِ للهِ، لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ الْخَطَايَا" (عب1:5)... فكل ما فعله الرب يسوع من قداسة ونصرة وصلاة لله وكل استجابة لكل طلبة طلبها من الآب حسبت لصالحنا، لأنه ابن البشر وهو مأخوذ من الناس بحسب الآية السابقة، ولذلك لا يرضى الله عن البشر، ولا يقبلهم إلا من خلال ربنا يسوع المسيح الذي قال الآب عنه: "هذا هو ابني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (مت3: 17).
    3. لابد أن يقدم ذبيحة لانهائية في قيمتها لكي تكفي للتكفير عن مليارات البشر من آدم وإلى آخر الدهور، وعن جميع أنواع خطايا البشر الموجهة لشخص الله اللانهائي والقدوس كقول الكتاب: "لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا....  فَبِهذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً.... وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ" (عب١٠: ٤- ١٢).
    4. لابد أن يكون كاهناً عظيماً يقدم تقدمة عظيمة يدخل بها إلى السموات ليقدمها أمام عرش النعمة، فينال شعبه من خلاله الرضى، وبالطبع لابد أيضاً أن تكون ذبيحته طاهرة وكافية لمحو خطايا العالم كله، وهذه فكرة الكهنوت المعروفة عند جميع البشر، والتي تُبنى على أن يقدم الكاهن  المقبول من الله تقدمة مقبولة ينال بها رضى الإله... وقد قدم الرب يسوع أعظم كاهن أعظم تقدمة أو ذبيحة وهي ذبيحة نفسه: "لأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ يُقَامُ لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ. فَمِنْ ثَمَّ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِهذَا أَيْضًا شَيْءٌ يُقَدِّمُهُ... وَلكِنَّهُ الآنَ قَدْ حَصَلَ عَلَى خِدْمَةٍ أَفْضَلَ بِمِقْدَارِ مَا هُوَ وَسِيطٌ أَيْضًا لِعَهْدٍ أَعْظَمَ، قَدْ تَثَبَّتَ عَلَى مَوَاعِيدَ أَفْضَلَ" (عب8 :3-6).
  • لماذا خلق الله الخليقة؟

    الله خَيِّر وصالح... فلذلك ليس من المعقول أن يكون وراء خلق الله للإنسان غرض آخر غير الخير والصلاح، لأن من الصالح يخرج صلاح، ومن الشرير شرور، وذلك كقول الكتاب المقدس:" هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً" (مت٧: ١٧).
    ولكن لكي نجيب على هذا السؤال علينا أن نسأل أنفسنا هل أوجد الله الخليقة من أجل نفسه أم من أجل الإنسان؟!

    أولاً:

    بالنسبة لله:

    الله في طبيعته ليس محتاجاً للإنسان لأنه كامل، أي ليس فيه نقص يحتاج أن يكمله بمعونة من أحد.. ومثال ذلك يحتاج لك طفلك الرضيع كأب تحميه، ويحتاج لأمه لترعاه وحياته تتوقف عليكما، ولكن حياتك أنت كإنسان في كمال الرجولة لا تتوقف على طفلك، فأنت وأمه كنتما موجودين قبل ولادته، وبفرض أنكما لم تتزوجا كان يمكنكما أن تعيشا ككثيرين بلا زواج، والله أيضاً ليس في حاجة لأحد لأنه كائن بذاته كقول الكتاب: "أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبَدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (رؤ١: ٨).

    ثانياً:

    بالنسبة للإنسان. 18

    • الإنسان في فردوس النعيم: خلق الله الإنسان ليحيا إلى الأبد.. خلقه على صورته ومثاله في البر والقداسة والحكمة، وضعه في فردوس النعيم متمتعاً بالكثير من النعم، فعاش ينعم بحب ورعاية الله له، لم ينقصه شيء بل عاش كملك له سلطان على نفسه وعلى باقي المخلوقات التي خلقها الله لأجله... لقد زوّده الله بالعقل الراجح الحكيم، عاش حراً لا يقهره شيء... وهكذا أراد الله للإنسان السعادة وتحققت السعادة للإنسان في فردوس النعيم؛ لأن الله أشبع الإنسان بخيره كقول المرنم: "الَّذِي يُشْبعُ بِالْخَيْرِ عُمْرَكِ، فَيَتَجَدَّدُ مِثْلَ النَّسْرِ شَبَابُك" (مز ١٠٣: ٥).
    • تعاسة الإنسان بعد سقوطه وانفصاله عن الله: تبدل حال الإنسان إلى التعاسة والشقاء بالسقوط في الخطية، والبعد عن الله مصدر الخير والصلاح، ومن هذا الوقت ابتدأ هذا السؤال يتبادر إلى الذهن: لماذا خلقني الله؟ ولكن لماذا لا يرد هذا السؤال على ذهن أحد القديسين الذين يحيون بفرح وسلام الروح القدس؟ بالطبع لأن هذا السؤال ينم عن شعور البعض بالتعاسة في أوقات الضعف والبعد عن الله.
    • الله يعيد للإنسان سعادته: عانى الإنسان الشقاء بسبب الخطية وعصيانه، لكن الله لم يتركه للتعاسة والشقاء، بل دبر له الفداء والخلاص، وحل بروحه القدوس في المؤمنين المتكلين عليه، ليسكب تعزياته فيهم، وليتمم خلاصه لهم، واعداً إياهم بأن يحيوا معه في ملكوته... إذاً الهدف من خلقة الإنسان هي سعادته سواء قبل السقوط في الفردوس، أو بعده حينما صلب لأجله وفداه ثم حل فيه بروحه القدوس، أو في الأبدية عندما سيعطيه الله ملكوت السماوات والحياة الأبدية.
    • الشكر والاعتراف لله واجب: الاقتراب من الله يهب للإنسان بركات الروح القدس؛ فيمتلئ محبة وفرحاً وسلاماً ورجاءً فى الحياة الأبدية السعيدة التي تنتظره؛ حينئذ يشعر الإنسان بالامتنان لله والشكر له لأنه خلقه، ولذلك يسبّحه ويعترف بحمده. وعندئذ لن يكون هناك مجال لهذا السؤال، وهل يستطيع أحد أن يقول لإنسان خيّر لماذا تعطي الفقراء؟ أم الأولى أن يشكره، أم هل يستطيع أحد أن يقول لموسيقار يعزف ألحاناً شجية لماذا تعزف؟ أم يشكره، وهل يستطيع أحد أن يقول لطبيب لماذا...؟ أم يشكره وهل... وهل... وهل... أم يشكره. إنه الخير الذي لا يمكن أن يقال لصانعه لماذا فعلت هذا، ولكن من المنطقي أن نعترف بفضل الله على خيره وصلاحه في خلقه لبني البشر كقول المرنم في المزمور: "لأَنَّكَ أَنْتَ اقْتَنَيْتَ كُلْيَتَيَّ. نَسَجْتَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي. أَحْمَدُكَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي قَدِ امْتَزْتُ عَجَبًا. عَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ، وَنَفْسِي تَعْرِفُ ذلِكَ يَقِينًا" (مز139: 13-14).
    أما من يرفض وجود الله في حياته؛ حينئذ سيكون قد أحب التعاسة واختارها لنفسه، ورفض السعادة والأبدية التي خلقه الله لأجلها. 
  • لماذا منع الله أبانا آدم وأمنا حواء من الأكل من شجرة معرفة الخير والشر؟ ولماذا لم يقل لهما سبب عدم الأكل منها؟ وهل لهما عذر في السقوط؟ وإن لم يكن، فما الذي كان مفترضاً أن يجيبا به الحية حتى ينجوا من حيلتها الماكرة؟

    أولا:

    لماذا لم يكشف لهما الله أسباب منعهما من الأكل من الشجرة؟.
    يمكننا استناج بعض هذه الأسباب فيما يلي:

    1. الخالق هو الذي أعطى الإنسان العقل الناطق لكي يفهم ويميز به ما لخيره، ومن حقه كخالق ذي السلطان أن يحجب عنه أو يعلن له بحسب حكمته ما شاء من أسرار، سواء بإعلان إلهي فائق كرسالة مباشرة منه، أو بالرؤيا، أو بحلم، أو برسالة يحملها نبي، أو يعطي لعبيده الحكمة لاستنتاج وفهم ماغمض عليهم. أما الخليقة الناطقة أي الإنسان فليس من حقه أن يتذمر طالباً المزيد، أو يلوم الله على ما لم يعلنه له بل يشكره، فما نلناه لم تنله باقي المخلوقات... فشيء طبيعي ألا يعرف الناس كل شيء عن كل شيء.
    2. قد لا يكون لأبوينا قدرة علي استيعاب هذا السر، أي لماذا لا يأكلا من هذه الشجرة بالذات دون باقي شجر الجنة؛ فمن يمكنه أن يدرك فكر الله ومقاصده كقول الكتاب:" «لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟" (رو١١: ٣٤).
    3. قد يكون هذا اختبار حب ؟!والله ينتظر منهما أن يظهرا إيمانهما وحبهما له كأمنا العذراء؛ التي أظهرت خضوعاً وطاعة لله عندما بشرها الملاك بولادة الرب يسوع منها فقالت: "فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ»" (لو١: ٣٨).
    4. أو أن الله كان ينتظر منهما أن يسألاه وهو سيعلن لهما لاحقاً، فهو يريد الدخول معهما في حوار أبوي يسألاه وهو يجيب؛ فتتحقق علاقة الحب بين الله كأب والإنسان كابن يثق في أبيه كما قال أيوب الصديق: "اِسْمَعِ الآنَ وَأَنَا أَتَكَلَّمُ. أَسْأَلُكَ فَتُعَلِّمُنِي. بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي" (أي٤٢: ٤، ٥).
    5. أو لأن الله أرادهما أن يُظهرا شوقاً للمعرفة الإلهيةقبلما يعلن لهما أسراره، فهو لا يعلن إلا لمن يريد، وأعظم مثال لذلك هو شوق دانيال النبي الذي صلى ليفهم متى ينتهي سبي بابل؛ فأرسل الله له الملاك جبرائيل ليفهمه الكثير من الأسرار والإعلانات.

    ثانيا:

    هل كان لهما عذر في السقوط وماذا كان مفترضاً أن يفعلا لكي ينجوا من فخ إبليس؟بالطبع كان من الممكن ألا يسقط أبوانا في فخ إبليس.. والآن دعنا نتخيل في السطور القادمة ماذا كان مفترضاً أن يجيب أبوانا لكي لا يسقطا في الفخ، فنتعلم كيف ننجو نحن أيضاً من حيل إبليس:

    1. نحن لا نعرف لماذا لم يسمح لنا الله بالأكل من هذه الشجرة، ولكن لابد أن يكون هذا فيه خيرنا، ولماذا يمنعنا الله عن شجرة معينة إن لم يكن ذلك في صالحنا؟، فهو صالح ولم نرَ منه غير الصلاح.
    2. حينما نرى الله سنسأله عن سبب ذلك .
    3. أمامنا أشجار كثيرة وخير كثير لماذا ننشغل بهذه الشجرة بالذات؟! فلنعتبرها غير موجودة.
    4. ولكن أبسط الإجابات وأسهلها هي: لا نعرف وماذا يعنينا. وهل من المفترض أن نعرف كل شيء؟!

    إن سبب السقوط الرئيسي هو أنهما احتارا عندما لم يجدا إجابة، مفترضين في أعماقهما أنهما يجب أن يعرفا كل شيء عن كل شيء ( وهذا بالطبع كذب وخيال ناتج من الشعور بعظمة الذات وهذا أيضاً كبرياء ومستحيل)... لقد قبلا شكوكاً في محبة الله لهما فصدقا الحية؛ وعندما لم يسعفهما عقليهما بالإجابة الشافية على تساؤلات الحية قدم لهما العدو الشرير - على فم الحية - سيناريوهاته الشريرة متهماً الله ومشككاً في صلاحه قائلاً لهما: "بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تك5:3). وهكذا قبلا من إبليس مشورته المميتة، وبالطبع بعدما حرك فيهما محبة الذات وتعظم المعيشة والكبرياء، ومن هذا الوقت ابتدأ إبليس يستعبدهما ويسيّرهما لحساب أغراضه الشريرة، وهكذا انفصلا عن الله مصدر الخير والصلاح، ووقع الجنس البشري كله في قبضة الشرير.

    الخلاصة:

    • هناك الكثير من أمور معاملات الله وحكمته في تدبير الخليقةغامضة على عقل البشر، وقد يكون تفسيرها صعباً لضعف وقصور في حكمة البشر ومعرفتهم، وعندما يرفض الإنسان أن يعترف بعجزه عن إدراك حكمة الله وجهله بالكثير والكثير منها ينتهز العدو الشرير الفرصة، ويقفز ليقدم له تخيلاته الشيطانية متهماً الله الكلي الصلاح بالقساوة والشر ولكن حاشا لله... إنه سيناريو قديم يبدأ بتساؤل قد يبدو بريئاً، ثم يبني عليه العدو افتراءات وشرور كثيرة. إذاً لابد أن نتحلى بالاتضاع واثقين أننا لا يمكننا أن نعرف كل شيء عن أمور الله وتدبيراته الفائقة المعرفة، ولا أحد أيضاً يمكنه أن يدرك حكمته كقول الكتاب: "يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه! ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء" (رو١١: ٣٣).
    • ليس من المنطقي للإنسان حينما يجهل شيئاً عن معاملات الله أو أحكامه أن يذهب بخياله بعيداً ويسيء الظن بالله. فيا ليت أبوانا انتهرا الشيطان مؤكدين إيمانهم بالله قائلين: "نحن نعرف أن الله هو المحب والصالح كيف نشك فيه إذهب عنا يا شيطان".
    • كما أنه ليس لأحد الحق أن يعرف ما أخفاه الله في علمه هو فقط، فالله يعلن لمن يشاء وحينما يشاء. فنحن تراب ورماد أعطاه الله الحياة... وقد أكد ذلك أبونا إبراهيم حينما أصدر الله حكمه على مدينتي سدوم وعمورة بالإفناء، فاتضع إبراهيم أمام الله حاسباً نفسه تراباً ورماداً، وأنه ليس من حقه الاعتراض على حكم الله، ولكنه عاد ليلتمس باتضاع عفو الله لأهل سدوم وعمورة قائلاً: "فأجاب إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ " (تك١٨ : ٢٧). وقد أكد معلمنا بولس الرسول على كيفية السلوك باتضاع أمام الله قائلاً: "بَلْ مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تُجَاوِبُ اللهَ؟ أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا: «لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هكَذَا؟»" (رو ٩: ٢٠).

    ملاحظة أخيرة

    ليس معنى معرفة الإنسان لجهله وضعفه ألا يجتهد ويبحث عن إجابات شافية لما لا يعلمه حسبما أعطاه الله من حكمة وفهم؛ ولكن قبلما نبحث طالبين المعرفة،علينا أولاً أن نتفق بأننا قد لا نفهم كل شيء ولا نعرف كل الأمور،22

    وليس لنا الحكمة الكاملة لإدراك الكامل (الله العظيم)، ولماذا نقبل هذا المبدأ ونطبقه في التعامل مع الأمور العلمية أو في جميع أمور حياتنا الزمنية، ولا نطبق هذا المبدأ على أمور الله السماوية وحكمته في إدارة هذا الكون؟!

  • لماذا يعاقب الله الإنسان ولا يكتفي بنصحه؟ وهل عقوبات الله تتنافي مع رحمته؟

    الجزء الأول:

    العقاب ضرورة لضبط العالم وسلامته:

    الله القدير مسئول عن ضبط الكون ولذلك لا يترك الأشرار لشرهم، فالله هو ذو السلطان الأعلى في ممالك البشر بحسب قول الله نفسهلنبوخذ ناصر على فم دانيال النبي: "يَطْرُدُونَكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ،... حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ الْعَلِيَّ مُتَسَلِّطٌ فِي مَمْلَكَةِ النَّاسِ وَيُعْطِيهَا مَنْ يَشَاء" (دا ٤: ٢٥).

    • مادام الله ملك الملوك فسلطته أو سلطانه ليس سلطان عبثي؛ فالمعروف أن كل ملك له سلطان في ربوع مملكته يستخدمه للحفاظ على مملكته، من فساد وشر الأشرار سواء من داخل مملكته أو من أعدائه من خارج المملكة، فهو المسئول الأعلى عن حفظ الأمن وسن القوانين التي تضمن استمرار مملكته، وأيضاً مسئول عن معاقبة المخالفين للقوانين.. وبالإجمال يضبط مملكته كقول الكتاب: "فَإِنَّ الْحُكَّامَ لَيْسُوا خَوْفا لِلأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بَلْ لِلشِّرِّيرَةِ. أَفَتُرِيدُ أَنْ لاَ تَخَافَ السُّلْطَانَ؟ افْعَلِ الصَّلاَحَ فَيَكُونَ لَكَ مَدْحٌ مِنْهُ" (رو١٣: ٣).
    • إهمال أي ملك في ضبطه لمملكته ينسب له شخصياًّ... وإن كان الملك الأرضي قد أُعطي سلطان  ليستعمله لخير مملكته؛ فهو مسئول عن رعاياه... فما بالنا الله العظيم الضابط الكل ألا يستخدم سلطانه لضبط الكون وسلامته؟ إن الله هو الحافظ لخليقته من الفساد وهو الضامن لاستمرار وجودها وحياتها، وهو المدبر والراعي لها... فهل يجرؤ أحد أن ينكر على الله ملك الملوك ورب الأرباب سلطانه كمسئول عن خلقته ويقول له لا تعاقب أو تزيل الشرمن مملكتك؟! وهل سلطان الله في يده سلطان عبثي؟!!
    • لقد كان داود الملك يفتخر بأن همه الشاغل كل صباح هو إبادة الشر من مملكته بحسب قوله في المزمور: "بَاكِرًا أُبِيدُ جَمِيعَ أَشْرَارِ الأَرْضِ، لأَقْطَعَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّبِّ كُلَّ فَاعِلِي الإِثْمِ" (مز ١٠١: 8).

    الجزء الثاني:

    هل ينصح الله البشر ثم يتركهم ليفعلوا ما يشاءون؟

    • الهدف من إبادة الأشرار من أي مملكة هو الصلاح والخير، لأن الأشرار قد انقطع خيرهم ولا نفع منهم؛ بل يضرون الناس وإن تركوا سيزداد الشرر والضرر، وهل يوجد ملك حكيم يغامر بترك الشر يفسد مملكته بدعوى الرحمة والشفقة؟! فالملك الحكيم أولى مهامه أن يشتت الأشرار من مملكته كقول سليمان الحكيم: "اَلْمَلِكُ الْحَكِيمُ يُشَتِّتُ الأَشْرَارَ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمِ النَّوْرَجَ" (أم ٢٠: ٢٦).
    • الله هو ملك الملوك الحكيم، لكنه يتأنى وهو ينتقي بدقه الشر فقط ليبيده ويزيله من مملكته.
    • بعض الملوك قد يتأنى فينذر أولاً قبل أن يعقاب الأشرار لكن الكثير منهم لا يعرفون التأني؛بل سليمان الحكيم يحذر عموماً من غضب الملك؛ لأن العاقبة هي موت لمن يُغضب الملك قائلاً: "غَضَبُ الْمَلِكِ رُسُلُ الْمَوْتِ، وَالإِنْسَانُ الْحَكِيمُ يَسْتَعْطِفُهُ" (أم١٦: 14).
    • أما الله فهو كجراح حكيم يستأصل فقط العضو الذي ثبت فساده وعدم نفعه... هو طويل الأناة يحذر وينذر الأشرار بطرق كثيرة عسى أن يتوبوا ويكفوا عن شرهم، لكنه لا يترك ولا يهمل بل يتدخل في الوقت المناسب ليحمي المخلصين من شر الأشرار كقول الكتاب: "لأَنَّهُ لا تَسْتَقِرُّ عَصَا الأَشْرَارِ عَلَى نَصِيب الصِّدِّيقِينَ، لِكَيْلاَ يَمُدَّ الصِّدِّيقُونَ أَيْدِيَهُمْ إِلَى الإِثْمِ" (مز ١٢٥: ٣).

    الجزء الثالث:

    عقاب الله للأشرار لا يتعارض مع شفقته:

    • رحمة الله وشفقته تتجلى في طول أناته وكثرة إنذراته وهذا واضح في أسفار العهد القديم، فمثلاً نجد أن الله حذر الأشرار في أيام نوح البار أكثر من مائة عام، هي فترة بناء نوح للفلك.
    • شفقة الله تتجلى في أنه يتأنى في العقاب من أجل القلة القليلة من الناس، فعلى سبيل المثال كان الله  مستعداً أن يتأنى ويؤخر عقابه لدائرة مدن سدوم وعمورة المتسعة، إن وجد خمسين أو أربعين أو ثلاثين باراً فقط، وعندما عاقب هذه البلاد أرسل ملاكين لينقذ لوط وأسرته، وقد أكد الرب ذلك بقوله: "قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ" (مت١٢: ٢٠).
    • شفقة الله تتجلى في قبوله الأشرار إذا تابوا؛ فمثلاً أهل نينوى قبلهم الله ولم يحرق المدينة عندما صاموا هم وملكهم من الكبير إلى الصغير، وعندما استاء يونان النبي من قبول الله لتوبتهم وبّخه الله قائلاً: "أَفَلاَ أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ؟" (يونان٤: ١١).
    • من مظاهر شفقة الله أنه يعطي فرصة لبدايات جديدة؛ فعندما قتل قايين هابيل أخاه وضل نسل قايين وامتلأوا شراً؛ بارك الله في شيث وفي نسله وتعهدهم، ثم بارك الله في نوح ونسله أيضاً وتعهدهم، وبعدها بارك الله في إنسان تقي إسمه أبرام وأفرزه من وسط الأشرار ودخل معه ومع نسله في عهد، وعندما ضل أولاد إبراهيم ورفضهم الله أعطى لبعض الأتقياء منهم من صيادي السمك البسطاء رسالة وكرازة ليبدأ بهم عهداً جديداً... وهكذا وراء كل فساد للإنسان كانت هناك رحمة أخرى ورأفة جديدة كقول الكتاب: "أَنْتَ تَقُومُ وَتَرْحَمُ صِهْيَوْنَ، لأَنَّهُ وَقْتُ الرَّأْفَةِ، لأَنَّهُ جَاءَ الْمِيعَادُ" (مز١٠٢: 13).
    • شفقة الله تجلت بعدم مسرته بالعقاب الذي ينزل بالشعوب الشريرة والملوك الأشرار وقد عبر الله عن عدم مسرته بأمره للأنبياء برفع مرثاة، أي يتنبأ النبي بشعر حزين يعبر فيه عن مدى حزن الله لما سيصيب هؤلاء الأشرار، وهذا ماحدث أيضاً لأورشليم العاصية التي بكى عليها الرب يسوع وهو يتنبأ بما سيصيبها نتيجة لعصيانها قائلاً: "وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا  قَائِلاً: «إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ" (لو19: 41، 42).
    • لا تعارض في صفات الله مع بعضها البعض:

    أخيراً نود أن نؤكد أن الله متكامل في صفاته فلا تعارض بين شفقة الله ومعقابة الله للأشرار 23وللتقريب للذهن... نضرب مثلًا بالطبيب الجراح الذي يعمل لفائدة مريضه؛ فيضطر آسفاً بعد محاولات علاجية مستميتة لبتر قدم قد دب فيها الفساد والموت بسبب الغرغرينا وبالطبع لا يكون هذا الطبيب في حالة رضى وسرور وهو يبتر هذه القدم، لكنها الضرورة الحتمية لإنقاذ المريض من الموت، وبالطبع يشكره المريض لإنقاذه لحياته ولا أحد يجروء أن يلومه على ذلك، فهو طبيب نبيه صالح... وهكذا بالنسبة لله الصالح الرحوم، يجب على كل عاقل أن يمجده على كل أحكام صلاحه، فهو لا يشاء موت الخاطئ حسب قوله: "لأَنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَارْجِعُوا وَاحْيَوْا" (حز ١٨:  ٣٢).

  • ماذا كان يفعل الله قبل خلقته للإنسان

    كيف يستطيع الإنسان الجسداني والمحدود في إمكانياته ومعرفته، والذي يقاس وجوده بعدد قليل من السنين أن يعرف أسرار الله خالقه الروحاني في طبيعته، وهو غير المحدود، وغير الزمني، أي الأبدي، وأيضاً الأزلي. إن هذا – بالطبع - شيئاً غير معقول ومستحيل كقول الكتاب: "لأَنْ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ؟ أَوْ مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟" (رو١١: ٣٤)... فمجرد التفكير في ذلك ينم عن عدم معرفتنا بطبيعة الله مقارنةً بطبيعتنا؛ وذلك لما يلي:

    أولاً:

    من هو الله ومن هو الإنسان؟

    طبيعة الإنسان مادية وطبيعة الله روحية، فنحن نفكر من خلال الأشياء التي نراها ونعرفها من حولنا فقط، فمثلاً: عندما أسألك هل من الممكن أن تقول لي ماذا كان فلان يفعل بالأمس؟ قد تستنتج بحكمتك البشرية مما تعرفه عن نفسك كإنسان عشرين بنداً أو عملاً، وقد يكون من بين ما استنتجته الكثير من الصواب، فتقول مثلاً: استيقظ فلان من نومه الساعة... وأكل فطوره وذهب إلى عمله و... و .. و...

    أما الله فلايسعنا إلا أن نقول عنه: "يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الْفَحْصِ وَطُرُقَهُ عَنِ الاسْتِقْصَاء" (رو ١١ :٣٣).

    ثانياً:

    الحجج المنطقية

    للاستنتاج الدقيق عما كان يفعله شخص ما بالأمس يلزمك أن تتحلى بأمرين وهما:

    • قدراتك الذاتية:

    لابد أن تتحلى بقدرٍ عالٍ من الذكاء أو الحكمة، والمعرفة تتيح لك احتواء وفهم ذلك الشخص، فإن لم تكن لديك هذه القدرة سيكون الفشل نصيبك، ولهذا تبارى الناس في اقتناء الحكمة والمعرفة، فمثلاً عندما سمعت في القديم ملكة سبأ بحكمة سليمان جاءت لتختبر حكمته بألغاز أو مسائل، ولما رأت أنه يفوقها في الحكمة اندهشت جداً وصار قلبها وفكرها منكشفان أمامه، بل لم تتمالك نفسها فكشفت له بإرادتها كل ما في قلبها له وخضعت له طالبة إرشاده كقول الكتاب: "وَسَمِعَتْ مَلِكَةُ سَبَأ بِخَبَرِ سُلَيْمَانَ لِمَجْدِ الرَّبِّ، فَأَتَتْ لِتَمْتَحِنَهُ بِمَسَائِلَ... وَكَلَّمَتْهُ بِكُلِّ مَا كَانَ بِقَلْبِهَا. فَأَخْبَرَهَا سُلَيْمَانُ بِكُلِّ كَلاَمِهَا. لَمْ يَكُنْ أَمْرٌ مَخْفِيًّا عَنِ الْمَلِكِ لَمْ يُخْبِرْهَا بِهِ. فَلَمَّا رَأَتْ مَلِكَةُ سَبَا كُلَّ حِكْمَةِ سُلَيْمَان... لَمْ يَبْقَ فِيهَا رُوحٌ بَعْدُ... وَأَعْطَتِ الْمَلِكَ مِئَةً وَعِشْرِينَ وَزْنَةَ ذَهَبٍ وَأَطْيَابًا كَثِيرَةً جِدًّا وَحِجَارَةً كَرِيمَةً. لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِثْلُ ذلِكَ الطِّيبِ فِي الْكَثْرَةِ..." (١مل١٠ : ١ - ١٠ ). هنا نتساءل هل من الممكن أن يدرك من لا حكمة له ولا قدرة أسرار كلي الحكمة والقدرة؟ بالطبع لا فنحن كبشر غاية في الضعف كوصف الكتاب المقدس: "هُوَذَا عَبِيدُهُ لاَ يَأْتَمِنُهُمْ، وَإِلَى مَلاَئِكَتِهِ يَنْسِبُ حَمَاقَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ سُكَّانُ بُيُوتٍ مِنْ طِينٍ، الَّذِينَ أَسَاسُهُمْ فِي التُّرَابِ، وَيُسْحَقُونَ مِثْلَ الْعُثِّ؟ بَيْنَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ يُحَطَّمُونَ. بِدُونِ مُنْتَبِهٍ إِلَيْهِمْ إِلَى الأَبَدِ يَبِيدُونَ" (أي 4: 18 -20).

    • مقدرتك على الإلمام بطبيعة الأخر:17

    إن كانت لديك مقدرة فذة فعليك توجيهها للمعرفة والإلمام بطبيعة ذلك الشخص وما يمر به من ظروف؛ حينئذ يمكنك معرفة ماذا فعل بالأمس فلان، فإن كان فلان هذا هو طفلك ذو الخمس سنوات فستستنج بالطبع بحكمتك الفذة بالمقارنة به طبعاً ، ماذا فعل بالأمس واليوم وأيضاً ماذا سيفعل غداً... لقد سَخَّر الإنسان الطبيعة وتحكم فيها بالحكمة والمعرفة فسير الطائرات بل سير سفن الفضاء والسفن العملاقة أيضاً في البحار، وسَخَّر وأخضع الحيوان لأنه تمكن من اكتشاف أسرار الطبيعة والحيوان، وأدركها تماماً.. أما بالنسبة لله فلا يمكننا إدراك أسراره ولا عمق حكمته المتناهية وذلك لضعفنا كشهادة سفر أيوب عن الله: "هُوَذَا اللهُ يَتَعَالَى بِقُدْرَتِهِ. مَنْ مِثْلُهُ مُعَلِّمًا؟ مَنْ فَرَضَ عَلَيْهِ طَرِيقَهُ، أَوْ مَنْ يَقُولُ لَهُ: قَدْ فَعَلْتَ شَرًّا؟ اُذْكُرْ أَنْ تُعَظِّمَ عَمَلَهُ الَّذِي يُغَنِّي بِهِ النَّاسُ. كُلُّ إِنْسَانٍ يُبْصِرُ بِهِ. النَّاسُ يَنْظُرُونَهُ مِنْ بَعِيدٍ. هُوَذَا اللهُ عَظِيمٌ وَلاَ نَعْرِفُهُ وَعَدَدُ سِنِيهِ لاَ يُفْحَصُ" (أي٣٦: ٢٢-٢٦).

    أخيراً قد يمكننا معرفة الكثير عن الله، وذلك عندما يكشف ويعلن لنا روح الله القدوس أسراره فائقة المعرفة كقول الكتاب: "فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ" (١كو10:2).
  • هل كهنة العهد الجديد وسطاء بين الله والناس؟

    لم تنته قوة تأثير ذبيحة المسيح التي قدمها كرئيس كهنة على الصليب؛ لأنها ذبيحة ابن الله الأزلي، لذلك مازالت هذه الذبيحة تقدم لله، ومازالت فعالة وقد وصفت هذه الذبيحة بأنها ممتدة ومستمدة .

    • ممتدة في تأثيرها منذ أيام أبينا آدم وحتى نهاية الأزمنة؛ لأن دم مسيحنا القدوس أزلي قادر على غفران خطايا البشرية كلها من آدم وإلى آخر الدهور.
    • مستمدة في تأثيرها فذبيحة العشاء السري (التناول) التي يقدمها كهنة الكنيسة وكل أسرار الكنيسة، تستمد قوتها من قوة ذبيحة المسيح، الذي ذبح على الصليب لأجلنا، وجسد الرب الذي نأكله في القداس هو نفس الجسد المصلوب على عود الصليب، وما نشربه هو دم المسيح المسفوك على الصليب.
    • إذاً نحن كهنة العهد الجديد نختفي وراء كاهننا الأعظم أو رئيس كهنتنا كخدام ووكلاء سرائر الله كقول معلمنا بولس الرسول: "هكَذَا فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ، وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ" (١كو١:٤).. ونقدم من خلاله نفس الذبيحة التي قدمها الرب يسوع على الصليب لننال بها غفراناً لحساب المؤمنين ورضى الله .. وهذه بعض من أعمال الآباء كهنة العهد الجديد:
    • أهم وظيفة للكهنوت المسيحي هي تقديم الذبيحة التي ينال بها الكاهن رضى الله لحساب شعبه. وبالطبع لحساب نفسه.. وهذا ما ذكره القديس بولس الرسول عن ذلك قائلاً: "لَنَا «مَذْبَحٌ» لاَ سُلْطَانَ لِلَّذِينَ يَخْدِمُونَ الْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ" (عب١٣: ١٠).. والمذبح المذكور هنا في هذه الآية هو مذبح كنيسة العهد الجديد الذي نقدم عليه جسد ودم الرب يسوع، والمسكن هو الهيكل اليهودي أو خيمة الاجتماع، ولا سلطان لكهنة اليهود الذين يخدمونه أن يأكلوا من ذبيحة المسيح أي التناول من الأسرار المقدسة.
    • يقدم كهنة العهد الجديد ذبيحة التسبيح والتمجيد لله الذي نقول له في القداس الإلهي: مستحق وعادل.... مستحق وعادل... مستحق وعادل، أنه يليق بمسيحنا القدوس الذي ذبح لأجلنا أن يتكرس له كهنة للتسبيح والتمجيد. ونحن في هذا نقتدي بالأربعة والعشرين قسيساً الذين رآهم القديس يوحنا الحبيب في سفر الرؤيا وقال عنهم: "يَخِرُّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا قُدَّامَ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، وَيَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ أَمَامَ الْعَرْشِ قَائِلِينَ: «أَنْتَ مُسْتَحِق، أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ" (رؤ٤: ١٠-١١).
    • نحن نقدم لله ككهنة نفوس مقدسة مباركة وهي نفوس الذين يخلصون بواسطة خدمتنا، كقول معلمنا بولس الرسول: "حَتَّى أَكُونَ خَادِمًا لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ الأُمَمِ، مُبَاشِرًا لإِنْجِيلِ اللهِ كَكَاهِنٍ، لِيَكُونَ قُرْبَانُ الأُمَمِ مَقْبُولاً مُقَدَّسًا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ" (رو١٥: ١٦).
    • الكهنة وكلاء على الأسرار المقدسة التي تركها الرب يسوع لأجل خلاص البشرية مثل التناول والمعمودية و... و... فإن كانت هذه الأسرار غاية في القداسة ألا تحتاج لوكلاء أمناء عليها يعلّمون الناس قيمتها؟ وكيف يأخذونها باحتراس؟ لقد سلم الرب لتلاميذه وليس لعامة الناس هذه الأسرار قائلاً لهم: "فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. إصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي" (١كو24،23:11)، إذاً كهنة العهد الجديد وكلاء استؤمنوا على أسرار الله كقول معلمنا بولس الرسول: "هكَذَا فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ، وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ، ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الْوُكَلاَءِ لِكَيْ يُوجَدَ الإِنْسَانُ أَمِينًا" (١كو٤: ١-٢).013
    • كهنة العهد الجديد مكرسين ليسعوا كسفراء عن المسيح القدوس، يطلبون من الناس أن يتصالحوا مع الله كقول معلمنا بولس الرسول: "إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (٢كو٥: ٢٠).

    الخاتمة:

    إذاً، كهنة العهد الجديد ليسوا وسطاء كالرب يسوع لكنهم يعملون من خلال وسيط ومصالح فريد هو ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، وهم كهنة من خلاله وبه يقدمون تقدمته وذبيحته التي قدمها على الصليب، وهم يقدمون له وبه ذبائح التسبيح، ويقدمون له ثمرة خدمتهم نفوساً طاهرة نقية، وهم أيضاً وكلاء أمناء مكرسون لخدمة أسراره المقدسة.