أتى الكتبة، والفريسيون إلى الرب يسوع بامرأة أُمسكت في ذات الفعل. أتوا إلى الرب خصيصًا، ولم يذهبوا بها إلى قضاة ذلك الزمان ليجربوه كقول الكتاب: "قَالُوا هذَا لِيُجَرِّبُوهُ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ"(يو6:8). لقد تمنوا أن يخطئ الرب؛ فيقرر ما يخالف الشريعة (عدم رجمها)؛ لأنه هو الرحيم الحنون أو يتسرع (يقرر رجمها)؛ لأنه الغيور، الذي لا يطيق الشر، وبذلك يكون قد تورط بالتدخل في اختصاصات سلطات ذلك الزمان، والتي لم يكن مسموحًا بتخطيها كقول اليهود: "فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ:"...لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا"(يو١٨: ٣١).

لم يحكم الرب يسوع برجم المرأة، لا لأنه لا يملك سلطانًا على إدانتها؛ بل لأنه الطبيب الشافي، الذي جاء إلى العالم لكي يخلص الهالكين، ولم يخالف الرب أحكام شريعة موسى النبي، التي كانت تستلزم أولًا شروطًا معينة، لم تتوفر لتنفيذ الحكم على المرأة. فيما يلي نشرح ذلك بالتفصيل:

أولًا: الرب يسوع المسيح هو الديان العادل الذي دُفع إليه كل سلطان:

لقد أكد الرب يسوع سلطانه على خليقته قائلًا: "وَالْتَفَتَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ:"كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ الابْنُ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الابْنُ، وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ"(لو١٠: ٢٢).

إن الظن بأن الرب لم يحكم عليها، لأنه لم يتمم الفداء بعد يمكننا الرد عليه بما يلي:

  • الرب يسوع لا يحده الزمان:

إن فداء الرب لم يحده الزمان؛ بل شمل جميع المؤمنين التائبين من آباء العهد القديم قبل ميلاده المجيد، أو من أتوا بعد ميلاده أيضًا.. لقد أصدر الرب حكمه بالدينونة على اليهود المعاندين بخراب أمتهم ومدينتهم مؤكدً سلطانه كديان قبل صلبه قائلًا: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا"(مت٢٣: ٣٧- ٣٨).

  • سلطان الرب يسوع على مغفرة الخطايا:

لقد ذكر البشيريون مغفرة الرب يسوع خطايا البشر في أكثر من موضع في الأناجيل نذكر منها قوله: "وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا". حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ:"قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!"(مت٦:٩). وبالطبع من له سلطان على مغفرة الخطايا له أيضًا السلطان على الدينونة.

ثانيًا: براءة الرب القدوس من مخالفة ناموس موسى النبي:

لم يخالف الرب شريعة موسى النبي؛ لأن الحكم برجم هذه المرأة كان ضد أحكام الشريعة.. لقد أجاب الرب بحكمة، ولم يناقض رحمته وحنانه، ولم يخالف أيضًا ناموس، وشريعة موسى.. وفيما يلي أسباب عدم حكم الرب على المرأة بالرجم:

  • انسحاب الشهود وعدولهم عن شهاداتهم:

لقد خرج الشهود واحدًا تلو الآخر، وكأنهم سحبوا دعواهم في حق هذه المرأة؛ فبطل الحكم كقول الرب لها: "فَلَمَّا انْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَدًا سِوَى الْمَرْأَةِ، قَالَ لَهَا:"يَا امْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟"(يو٨: ١٠). 

إن أمانة الشهود وصدقهم شرط أساسي لقبول شهاداتهم أمام المحاكم.. أما هؤلاء الشهود من الكتبة، والفريسيين، فلم يكونوا جديرين بالشهادة في هذه القضية، وذلك لما يلي:

١. أتى المشتكون بالمرأة وحدها:

لقد أتى هؤلاء الكتبة، والفريسيون بالمرأة وحدها بالرغم أنها ضبطت متلبسة بجريمتها أي: برفقة من أخطأ معها.. لقد خالفوا أمر الشريعة القائل: "وَإِذَا زَنَى رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ، فَإِذَا زَنَى مَعَ امْرَأَةِ قَرِيبِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ"(لا10:20). أن ما فعله هؤلاء المرائين ليس عدلًا.. وقد يكون مجاملة للخاطئ، وتحاملًا على المرأة، وهذا يشكك في أمانتهم ومصداقيتهم.

٢. لم يجرؤ الشهود على الثبات أمام العدالة:11

لقد انحنى الرب على الأرض، وظل صامتًا يكتب على الأرض. لم يذكر الكتاب ماذا كان يكتب الرب على الأرض بإصبعه الطاهر، ولكن الكتاب ذكر نتيجة فعل الرب قائلًا: "وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ:«مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!» ثُمَّ انْحَنَى أَيْضًا إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ. وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ، خَرَجُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا، مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسْطِ"(يو٨: ٧ - ٩).

لقد أوضح القديس يوحنا في الآيات السابقة أنهم خرجوا، لأن ضمائرهم كانت تبكتهم.. فمن الواضح أن الرب كشف لكل واحد منهم خطيته، ولكنهم لم يقدروا على مواجهة الرب، الذي انتصب أمامهم لسبب قداسته. أما هم فلم يقدروا على مواجهة القداسة والطهارة (في شخص الرب)، التي ينادون بها، ويدعون حمايتها. لقد تأكد لكل واحد منهم أنه متهمٌ، بل مجرمٌ مثل هذه المرأة؛ فسارعوا بالخروج تاركين المكان، لأن اهتمامهم تغير لطلب الرحمة لأنفسهم، والنجاة من الدينونة، بدلًا من الحكم على الغير.

ثالثًا: الرب القدوس العادل:

  • لم تأتِ بعد الساعة، التي أعدها الرب للدينونة:

لقد أعلن الرب القدوس رفضه للخطية، وخصوصًا خطية الزنا في موعظته الشهيرة على الجبل قائلاً: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ"(مت٥: ٢٧- ٢٨). ولكن لم يكن هدف الرب من مجيئه متجسدًا إصدار أحكامٍ على الأشخاص، بل إنارة ظلمة العالم وخلاص جنس البشر كقوله: "أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ. وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلاَمِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لاَ أَدِينُهُ، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ. مَنْ رَذَلَنِي وَلَمْ يَقْبَلْ كَلاَمِي فَلَهُ مَنْ يَدِينُهُ. اَلْكَلاَمُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ هُوَ يَدِينُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ"(يو١٢: ٤٦- ٤٨).

  • لماذا يُطالب الرب بالحكم على هذه المرأة بالذات؟!

لقد عرف الرب يسوع خطاة كثيرين ممن عاش وسطهم، وكان كل يوم يتقابل مع الخطاة من المحيطين به، ومن الذين أتوا ليحاوره، وأيضًا الذين أتوا بالمرأة كانوا خطاة مثلها. لقد شهد القديس يوحنا الإنجيلي عن معرفة الرب بكل أمور الناس قائلاً: "لكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ"(يو٢: 24) ... فلماذا يحكم الرب هذه المرأة بالذات؟!!

  • أدان الرب الخطية ولكنه أجل الحكم على الخاطئة:

رحم الرب هذه المرأة الخاطئة معطيًا لها الفرصة للتوبة. لم يحكم برجمها، لكنه لم يتساهل معها؛ بل وجه اللوم لها برقة رافضًا للخطية ومحذرًا إياها من العودة للخطيئة مرة أخرى قائلًا: "...أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ فَقَالَتْ: "لاَ أَحَدَ، يَا سَيِّدُ!". فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ:"وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا"(يو٨: ١٠- ١١).

رابعًا: الرب مخلص العالم:

  • لم يأتي ليهلك:

لقد أتى الرب لخلاص جنس البشر.. أتى كالنور ليضيء في وسط ظلمة الشر، التي عمت البشرية كلها. لم يكن هناك أحداً يعمل صلاحًا كقول الكتاب: "الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ"(رو٣: 12).

وإذا افترضنا أن الرب قد أتى متجسدًا ليدين الناس فمن كان سيخلص؟ وما مغزى تجسده؟ ولماذا لم يهلك الجميع دون أن يخلي ذاته أي دون أن يتجسد؟ لقد أتى الرب ليشفي وينير ويخلص كقول الكتاب: "لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلاَمِ"(لو١: 79).

  • الرب الطبيب الشافي والمخلص الرؤوف:

تعامل الرب يسوع مع الجميع كطبيب يدعو للتوبة كقوله: "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ"(لو١٩: 10). لقد أكد الرب أنه أتى كطبيب يداوي، وقد أجاب الكتبة والفريسيين المعترضين عليه، لأنه يجلس مع الخطاة والعشارين ويأكل معهم قائلًا: "فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: «لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ"(مر٢: 17).

إخيراً:

إن الرب يسوع المسيح هو الله الكامل في حبه، و في رحمته، وهو أيضاً الكامل في عدله في ذات الوقت. لقد أتي ليكمل كل بر حسب قوله ليوحنا المعمدان: "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ». حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ"(مت٣: 15).  إن كل محاولات، ومجهودات الكتبة، والفريسيين في اصطياد خطأ على الرب يسوع، قد آلت بالخزي والفشل. ولذا لم يجرؤ أحد منهم أن يجيبه حين تحداهم قائلًا: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟"(يو٨: 46).

أتى الكتبة، والفريسيون إلى الرب يسوع بامرأة أُمسكت في ذات الفعل. أتوا إلى الرب خصيصًا، ولم يذهبوا بها إلى قضاة ذلك الزمان ليجربوه كقول الكتاب: "قَالُوا هذَا لِيُجَرِّبُوهُ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ"(يو6:8). لقد تمنوا أن يخطئ الرب؛ فيقرر ما يخالف الشريعة (عدم رجمها)؛ لأنه هو الرحيم الحنون أو يتسرع (يقرر رجمها)؛ لأنه الغيور، الذي لا يطيق الشر، وبذلك يكون قد تورط بالتدخل في اختصاصات سلطات ذلك الزمان، والتي لم يكن مسموحًا بتخطيها كقول اليهود: "فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ:"...لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا"(يو١٨: ٣١).

لم يحكم الرب يسوع برجم المرأة، لا لأنه لا يملك سلطانًا على إدانتها؛ بل لأنه الطبيب الشافي، الذي جاء إلى العالم لكي يخلص الهالكين، ولم يخالف الرب أحكام شريعة موسى النبي، التي كانت تستلزم أولًا شروطًا معينة، لم تتوفر لتنفيذ الحكم على المرأة. فيما يلي نشرح ذلك بالتفصيل:

أولًا: الرب يسوع المسيح هو الديان العادل الذي دُفع إليه كل سلطان:

لقد أكد الرب يسوع سلطانه على خليقته قائلًا: "وَالْتَفَتَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ:"كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ الابْنُ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الابْنُ، وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ"(لو١٠: ٢٢).

إن الظن بأن الرب لم يحكم عليها، لأنه لم يتمم الفداء بعد يمكننا الرد عليه بما يلي:

  • الرب يسوع لا يحده الزمان:

إن فداء الرب لم يحده الزمان؛ بل شمل جميع المؤمنين التائبين من آباء العهد القديم قبل ميلاده المجيد، أو من أتوا بعد ميلاده أيضًا.. لقد أصدر الرب حكمه بالدينونة على اليهود المعاندين بخراب أمتهم ومدينتهم مؤكدً سلطانه كديان قبل صلبه قائلًا: "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا"(مت٢٣: ٣٧- ٣٨).

  • سلطان الرب يسوع على مغفرة الخطايا:

لقد ذكر البشيريون مغفرة الرب يسوع خطايا البشر في أكثر من موضع في الأناجيل نذكر منها قوله: "وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا". حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ:"قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!"(مت٦:٩). وبالطبع من له سلطان على مغفرة الخطايا له أيضًا السلطان على الدينونة.

ثانيًا: براءة الرب القدوس من مخالفة ناموس موسى النبي:

لم يخالف الرب شريعة موسى النبي؛ لأن الحكم برجم هذه المرأة كان ضد أحكام الشريعة.. لقد أجاب الرب بحكمة، ولم يناقض رحمته وحنانه، ولم يخالف أيضًا ناموس، وشريعة موسى.. وفيما يلي أسباب عدم حكم الرب على المرأة بالرجم:

  • انسحاب الشهود وعدولهم عن شهاداتهم:

لقد خرج الشهود واحدًا تلو الآخر، وكأنهم سحبوا دعواهم في حق هذه المرأة؛ فبطل الحكم كقول الرب لها: "فَلَمَّا انْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَدًا سِوَى الْمَرْأَةِ، قَالَ لَهَا:"يَا امْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟"(يو٨: ١٠). 

إن أمانة الشهود وصدقهم شرط أساسي لقبول شهاداتهم أمام المحاكم.. أما هؤلاء الشهود من الكتبة، والفريسيين، فلم يكونوا جديرين بالشهادة في هذه القضية، وذلك لما يلي:

١. أتى المشتكون بالمرأة وحدها:

لقد أتى هؤلاء الكتبة، والفريسيون بالمرأة وحدها بالرغم أنها ضبطت متلبسة بجريمتها أي: برفقة من أخطأ معها.. لقد خالفوا أمر الشريعة القائل: "وَإِذَا زَنَى رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ، فَإِذَا زَنَى مَعَ امْرَأَةِ قَرِيبِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ"(لا10:20). أن ما فعله هؤلاء المرائين ليس عدلًا.. وقد يكون مجاملة للخاطئ، وتحاملًا على المرأة، وهذا يشكك في أمانتهم ومصداقيتهم.

٢. لم يجرؤ الشهود على الثبات أمام العدالة:

لقد انحنى الرب على الأرض، وظل صامتًا يكتب على الأرض. لم يذكر الكتاب ماذا كان يكتب الرب على الأرض بإصبعه الطاهر، ولكن الكتاب ذكر نتيجة فعل الرب قائلًا: "وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ:«مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!» ثُمَّ انْحَنَى أَيْضًا إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ. وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ، خَرَجُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا، مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسْطِ"(يو٨: ٧ - ٩).

لقد أوضح القديس يوحنا في الآيات السابقة أنهم خرجوا، لأن ضمائرهم كانت تبكتهم.. فمن الواضح أن الرب كشف لكل واحد منهم خطيته، ولكنهم لم يقدروا على مواجهة الرب، الذي انتصب أمامهم لسبب قداسته. أما هم فلم يقدروا على مواجهة القداسة والطهارة (في شخص الرب)، التي ينادون بها، ويدعون حمايتها. لقد تأكد لكل واحد منهم أنه متهمٌ، بل مجرمٌ مثل هذه المرأة؛ فسارعوا بالخروج تاركين المكان، لأن اهتمامهم تغير لطلب الرحمة لأنفسهم، والنجاة من الدينونة، بدلًا من الحكم على الغير.

ثالثًا: الرب القدوس العادل:

  • لم تأتِ بعد الساعة، التي أعدها الرب للدينونة:

لقد أعلن الرب القدوس رفضه للخطية، وخصوصًا خطية الزنا في موعظته الشهيرة على الجبل قائلاً: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ"(مت٥: ٢٧- ٢٨). ولكن لم يكن هدف الرب من مجيئه متجسدًا إصدار أحكامٍ على الأشخاص، بل إنارة ظلمة العالم وخلاص جنس البشر كقوله: "أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ. وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلاَمِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لاَ أَدِينُهُ، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ. مَنْ رَذَلَنِي وَلَمْ يَقْبَلْ كَلاَمِي فَلَهُ مَنْ يَدِينُهُ. اَلْكَلاَمُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ هُوَ يَدِينُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ"(يو١٢: ٤٦- ٤٨).

  • لماذا يُطالب الرب بالحكم على هذه المرأة بالذات؟!

لقد عرف الرب يسوع خطاة كثيرين ممن عاش وسطهم، وكان كل يوم يتقابل مع الخطاة من المحيطين به، ومن الذين أتوا ليحاوره، وأيضًا الذين أتوا بالمرأة كانوا خطاة مثلها. لقد شهد القديس يوحنا الإنجيلي عن معرفة الرب بكل أمور الناس قائلاً: "لكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ"(يو٢: 24) ... فلماذا يحكم الرب هذه المرأة بالذات؟!!

  • أدان الرب الخطية ولكنه أجل الحكم على الخاطئة:

رحم الرب هذه المرأة الخاطئة معطيًا لها الفرصة للتوبة. لم يحكم برجمها، لكنه لم يتساهل معها؛ بل وجه اللوم لها برقة رافضًا للخطية ومحذرًا إياها من العودة للخطيئة مرة أخرى قائلًا: "...أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟ فَقَالَتْ: "لاَ أَحَدَ، يَا سَيِّدُ!". فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ:"وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا"(يو٨: ١٠- ١١).

رابعًا: الرب مخلص العالم:

  • لم يأتي ليهلك:

لقد أتى الرب لخلاص جنس البشر.. أتى كالنور ليضيء في وسط ظلمة الشر، التي عمت البشرية كلها. لم يكن هناك أحداً يعمل صلاحًا كقول الكتاب: "الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ"(رو٣: 12).

وإذا افترضنا أن الرب قد أتى متجسدًا ليدين الناس فمن كان سيخلص؟ وما مغزى تجسده؟ ولماذا لم يهلك الجميع دون أن يخلي ذاته أي دون أن يتجسد؟ لقد أتى الرب ليشفي وينير ويخلص كقول الكتاب: "لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلاَمِ"(لو١: 79).

  • الرب الطبيب الشافي والمخلص الرؤوف:

تعامل الرب يسوع مع الجميع كطبيب يدعو للتوبة كقوله: "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ"(لو١٩: 10). لقد أكد الرب أنه أتى كطبيب يداوي، وقد أجاب الكتبة والفريسيين المعترضين عليه، لأنه يجلس مع الخطاة والعشارين ويأكل معهم قائلًا: "فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: «لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ"(مر٢: 17).

إخيراً:

إن الرب يسوع المسيح هو الله الكامل في حبه، و في رحمته، وهو أيضاً الكامل في عدله في ذات الوقت. لقد أتي ليكمل كل بر حسب قوله ليوحنا المعمدان: "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ:«اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ». حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ"(مت٣: 15).  إن كل محاولات، ومجهودات الكتبة، والفريسيين في اصطياد خطأ على الرب يسوع، قد آلت بالخزي والفشل. ولذا لم يجرؤ أحد منهم أن يجيبه حين تحداهم قائلًا: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟"(يو٨: 46).

v\:* {behavior:url(#default#VML);} o\:* {behavior:url(#default#VML);} w\:* {behavior:url(#default#VML);} .shape {behavior:url(#default#VML);} Normal 0 false false false false EN-GB X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin:0cm; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-bidi-font-family:Arial;}