يستخدم البشر وسائل كثيرة لتعيش وتدوم ذكريات الأحداث الهامة في حياتهم. إن قوة وفاعلية الوسائل، التي تحتفظ للإنسان بذكرياته تعتمد على وجود علاقة بين تلك الوسائل، وبين الواقع؛ فمثلًا صور الأحداث، أو الأشخاص، وأصواتهم و.. و… وسائل فعالة في الاحتفاظ بذكريات الأحداث، لأنها تقترب من الواقع. لقد حدد الوحي الإلهي في العهد القديم، والجديد طرق كثيرة للاحتفاظ بالذكريات المقدسة، ولكن ذكرى موت الرب، وفدائه التي تتم بالتناول من الأسرار المقدسة في نهاية القداس الإلهي هي الأعظم على الإطلاق؛ ذلك لأن هذه الذكرى العظيمة تتحقق في كنيستنا بتحول الخبز والخمر بطريقة إلهية بالروح القدس، وبصلاة الكاهن إلى جسد، ودم حقيقيين للرب يسوع المسيح، وهكذا تتطابق مع الواقع، وتعبر عنه بصورة جلية واضحة، لا مثيل لها. فيما يلي نشرح عظمة هذه الذكرى، التي لا يمكن أن تقارن بأي مثيل لها في الكتاب المقدس.

أولا: ذكرى الحواس:

ذكر الوحي الإلهي في الكتاب المقدس طرق عديدة لذكري الأمور الإلهية، التي تعتمد في إدراكها على الحواس البشرية نذكر منها:

  • السرد والتكرار:

تكرار وسرد ما هو هام من أبسط الوسائل للاحتفاظ بالذكريات المهمة. لقد طلب الله من الآباء أن يقصوا على أبنائهم عمل الله معهم، ومن أهم الأمثلة على ذلك أمر الرب لبني إسرائيل بسرد قصة خلاصهم من عبودية فرعون، وعبورهم البحر الأحمر بطريقة معجزية كقوله: "وَتُخْبِرُ ابْنَكَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَائِلاً: مِنْ أَجْلِ مَا صَنَعَ إِلَيَّ الرَّبُّ حِينَ أَخْرَجَنِي مِنْ مِصْرَ" (خر١٣: ٨). وتستخدم الكنيسة في صلاة القداس الإلهي نفس الطريقة، وذلك بسرد أحداث الخلاص من تجسد وميلاد وعماد الرب يسوع وصلبه وقيامته ومجيئه الثاني.

  • الاحتفاظ بالأثر:

أمر الله شعبه في بعض الأحيان بالاحتفاظ بأثر مادي يُذكَّر بعمل الله مع شعبه، ومن أشهر أمثلة ذلك أمره ليشوع النبي بالاحتفاظ بحجارة من قاع نهر الأردن عند عبور الشعب النهر، وإقامة هذه الحجارة كنصب للتذكرة على شاطئ النهر كقول الكتاب: "تَقُولُونَ لَهُمْ: إِنَّ مِيَاهَ الأُرْدُنِّ قَدِ انْفَلَقَتْ أَمَامَ تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ. عِنْدَ عُبُورِهِ الأُرْدُنَّ انْفَلَقَتْ مِيَاهُ الأُرْدُنِّ. فَتَكُونُ هذِهِ الْحِجَارَةُ تَذْكَارًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الدَّهْرِ" (يش٤: ٧)..

  • الرسم والمثال:

أظهر الرب لموسى مثالًا لخيمة الاجتماع، وطلب منه عمل رسم تصويري لملائكة، وأيضًا عمل تمثالين لملاكين (كاروبين) مظللين فوق غطاء تابوت العهد، للتذكير بالحضرة الإلهية في خيمة الاجتماع قائلًا: "وَكَانَ الْكَرُوبَانِ بَاسِطَيْنِ أَجْنِحَتَهُمَا إِلَى فَوْقُ، مُظَلِّلَيْنِ بِأَجْنِحَتِهِمَا فَوْقَ الْغِطَاءِ، وَوَجْهَاهُمَا كُلُّ الْوَاحِدِ إِلَى الآخَرِ. نَحْوَ الْغِطَاءِ كَانَ وَجْهَا الْكَرُوبَيْنِ" (خر٣٧: ٩).

تستخدم كنيستنا القبطية الأرثوذكسية الرسم كتذكار في عمل أيقونات للرب يسوع خاصة بأحداث حياته على الأرض، ومن أمثلة استخدام الكنيسة للمثال أيضًا التجويف الذي يُعمل في شرقية الهيكل، ويسمى حضن الآب، وترسم فيه أيقونة للرب يسوع. ويقدس الكهنة الخبز والخمر أثناء القداس الإلهي على مذبح وليس مائدة، وذلك لتذكير الشعب بيسوع الذبيحة المقبولة عن خلاصنا على الصليب.

  • الشيء نفسه تذكارٌ لنفسه (الذكرى الحية):

عند دخول الشعب أرض كنعان انقطع المن الذي كان يُنزله الله لهم كل صباح من السماء، ولكن الله أمر نبيه موسى بالاحتفاظ بإناء به المن، ووضعه داخل تابوت العهد، وقد أمر موسى هارون الكاهن بتتميم أمر الرب قائلًا: "… خُذْ قِسْطًا وَاحِدًا وَاجْعَلْ فِيهِ مِلْءَ الْعُمِرِ مَنًّا، وَضَعْهُ أَمَامَ الرَّبِّ لِلْحِفْظِ فِي أَجْيَالِكُمْ" خر١٦: ٣٣). لقد ظل المن في القسط الذهبي (الإناء) المحتوي المن كذكرى حية للمن نفسه، وتذكارًا لعناية الله بهم في البرية، وعلى نفس المثال يذكرنا الخبز المتحول إلى جسد حقيقي للرب يسوع المسيح والخمر المتحول إلى دم حقيقي للرب والموضوعان على المذبح بآلام وفداء وحب وغفران الرب يسوع المسيح المصلوب عنا على خشبة الصليب.

ثانيًا: ذكرى تمثيل الأحداث (المحاكاة) في الأعياد والاجتماعات (المحافل الدينية):

  • العهد القديم:

أمر الرب شعبه بتخصيص أيام معينة يجتمعون فيها معًا لتذكُّر أموره الإلهية، فتكون لهم أعيادًا لعبادة الله وتذكارًا لعظم صنيعه معهم. وقد كان عيد الفصح اليهودي أشهر هذه المحافل المقدسة. ويشتمل طقس هذا العيد (نظام وترتيب) على ذبح خروف الفصح، وشيه على سيخين متعامدين، وأكله على أعشاب مرة. كان هذا الطقس يشير لصلب الرب يسوع وفدائه، وقد أمرهم الرب بضرورة تتميمه بدقة كقول الوحي الإلهي: "وَقَالَ مُوسَى لِلشَّعْبِ: "اذْكُرُوا هذَا الْيَوْمَ الَّذِي فِيهِ خَرَجْتُمْ مِنْ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ، فَإِنَّهُ بِيَدٍ قَوِيَّةٍ أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَا. وَلاَ يُؤْكَلُ خَمِيرٌ" (خر١٣: ٣). وأيضًا قوله: "فَتَذْبَحُ الْفِصْحَ لِلرَّبِّ إِلهِكَ غَنَمًا وَبَقَرًا فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ لِيُحِلَّ اسْمَهُ فِيهِ. لاَ تَأْكُلْ عَلَيْهِ خَمِيرًا. سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَأْكُلُ عَلَيْهِ فَطِيرًا، خُبْزَ الْمَشَقَّةِ، لأَنَّكَ بِعَجَلَةٍ خَرَجْتَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، لِكَيْ تَذْكُرَ يَوْمَ خُرُوجِكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِك" (تث١٦: ٢- ٣)

 

  • العهد الجديد:

إن ذكرى آلام وصلب وموت الرب يسوع المسيح، وفدائه هي أهم ذكرى في حياة كل المسيحيين على الإطلاق. لقد أمرهم الرب بالاهتمام بذكراه إلى أن يجيء مرة ثانية على السحاب كقوله: " وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: "هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي" (لو٢٢: ١٩). وقد اهتم المسيحيون الأوائل في العهد الجديد بإقامة هذه الذكرى (القداسات) ليس فقط في يوم الخميس الكبير (خميس العهد)، ولكنهم خصصوا اليوم الأول من كل أسبوع (الأحد) لصنع ذكرى فداء الرب وقيامته (القداس)، وما يؤكد هذا ما ذكره سفر الأعمال عن انتظار الرسول بولس سبعة أيام في ترواس (مع أنه كان يريد السفر لأورشليم سريعًا) حتى يتمكن من الاشتراك مع أهلها في كسر الخبز (القداس)، وذلك بحسب قول الوحي الإلهي: "وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ إِذْ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِيَكْسِرُوا خُبْزًا، خَاطَبَهُمْ بُولُسُ وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمْضِيَ فِي الْغَدِ، وَأَطَالَ الْكَلاَمَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْل" (أع٢٠: ٧).

 

 

  • كنيستنا القبطية الأرثوذكسية:

تدرك كنيستنا القبطية الأرثوذكسية قوة هذه الذكرى في حياة أبنائها فلا تنقطع فيها هذه الذكرى المقدسة (القداسات) لصلب الرب وفدائه وقيامته، أيضًا طيلة أيام الأسبوع، وفي كل المناسبات على اختلافها. إن القداس الإلهي هو سر قوة الكنيسة. إنها تصر على ألا يفارق الرب المصلوب حياة شعبها كقول معلمنا بولس الرسول: "لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا" (١كو٢: ٢). وقد رتبت كنيستنا طقسًا دقيقًا يجعل المؤمنين يتذوقون من خلال القداس الإلهي عظمة حياة الرب يسوع، وآلامه، وقبره، وصعوده، حيث تختلط الصلوات في هذا الطقس مع الحركات الطقسية المعبرة عن أحداث حياة الرب يسوع، والتي تجعل ذكرى فداء وخلاص الرب حية.

ثالثًا: الخبز والخمر المتحولين إلى جسد، ودم الرب يسوع هما سر عظمة التذكار:

إن عظمة ذكرى صلب وفداء الرب هي في حضوره فعليًا بجسده الحقيقي المصلوب عنا ودمه الحقيقي المسفوك عنا على المذبح، وهذا بالطبع أعظم صورة للذكرى، لأنها تتطابق مع الحقيقة. لكن أكل الخبز العادي، وشرب خمر عادي لا يحمل ذكرى موت الرب، وفدائه لأن الرمز (الخبز والخمر) لا صلة لهما من قريب، أو بعيد بتذكر موت الرب، ذلك لأنه لابد أن يوجد علاقة، أو صلة بين الرمز، والحقيقة لتتحقق الذكرى. إننا نتساءل ما هو الذي يُذّكر من يأكل خبزًا، ويشرب خمرًا بموت الرب وقيامته؟! فيما يلي نذكر شهادة الكتاب المقدس، التي تؤكد تحول الخبز، والخمر أثناء صلوات القداس الإلهي إلى جسد، ودم حقيقيين للرب يسوع المسيح:

  • شهادة الرب يسوع نفسه:

لقد أكد الرب حقيقة تقديم جسده بغرض أكله مؤكدًا أنه سيهبه للمؤمنين في صورة طعام يُؤكل قائلًا: "لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق، وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق" (يو٦: ٥٥). وهل يُعقل أن الرب الصادق والأمين والمنزه عن الكذب يقول عن الخبز الذي باركه وقدسه: "وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ:"خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي" (مت٢٦: ٢٦). وهو ليس جسدًا حقيقيًا، لأنه قدمه لنا في صورة طعام؟! لقد نطق الرب، وهو يشير للخبز قائلًا عنه: "هذا جسدي" فمن الذي يتجرأ ويشكك في قوله هذا؟ وما يقال عن تحول الخبز لجسد ينطبق أيضًا على تحول الخمر إلى دمه الكريم.

  • خطورة عدم الاستعداد (التهاون) قبل التناول من الأسرار الإلهية:11

أكد معلمنا بولس الرسول أن الجسد والدم اللذيْن نتناولهما في سر الإفخارستيا حقيقيان، وبرهن على ذلك بعقاب الله للمستهترين قائلًا: "إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ. وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ. لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ" (١كو١١: ٢٧- ٢٩).

إنه لمن الاستحالة أن يدَّعي مؤمن أن الله يعطينا خبزًا وخمرًا ساذجًا (للأكل والشرب)، ثم يعاقب من يستهين بهما بالموت والمرض، لأن هذا يتنافى مع صلاح الله وعدالته، ويستحيل أن نقبله ذلك على الله كلي الصلاح.

  • إصرار الرب على وجوب الأكل، والشرب من جسده، ودمه الحقيقيين:

كتب القديس يوحنا في إنجيله: "فَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، إِذْ سَمِعُوا: "إِنَّ هذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟» فَعَلِمَ يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ تَلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هذَا، فَقَالَ لَهُمْ: "أَهذَا يُعْثِرُكُمْ؟" (يو٦: ٦٠- ٦١). لقد تعثَّر الكثيرون ورجعوا من وراء الرب بسبب قوله: "لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق، وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق" (يو٦: ٥٥)، ولكن الرب أصر على عدم التنازل عما نوى من تقديم جسده في صورة خبز يؤكل ودمه كشراب، حتى لو فارقه أخص تلاميذه الاثني عشر قائلًا: "فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا"؟ (يو٦: ٦٧). إن إصرار الرب يؤكد إيمان الكنيسة القويم بتحول الخبز والخمر إلى جسد ودم حقيقيين للرب، وإلا ما معنى إصراره على أكل جسده وشرب دمه الحقيقيين؟.

رابعًا: ذكرى الرب مرتبطة بالأكل والشرب من المقدسات:

إن عظمة تذكار خلاص الرب وفدائه في كنيستنا القبطية لا تنتهي عند استحضار صورة ذهنية تأملية لآلام الرب يسوع على الصليب فقط، بل هناك ضرورة للأكل، والشرب من المقدسات الإلهية، لما لها من مفعول في حياتنا كما سنشرح ذلك فيما يلي:

  • ضرورة أكل جسد الرب المصلوب، أو المكسور عنا:

ربط الكتاب أمر الذكرى بأكل جسد الرب الذي صُلب عنا كقوله: "وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: "خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي" (١كو١١: ٢٤). إن الأكل من جسد الرب هو اتحاد به كقوله: "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو٦: ٥٦). إنها ذكرى ناتجة عن اتحاد، وثبات في الرب نتيجة لأكل جسده كما يحدث عندما يصير ما نأكله جزءًا من أجسادنا.

  • قوة دم المسيح في التطهير للحياة الجديدة:

أُسس العهد الجديد على قوة غفران دم المسيح كقول الوحي: "كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلاً: "هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي" (١كو١١: ٢٥). إن ذكرى الخلاص لا معنى لها بغير التمتع بغفران الخطايا. لقد علمنا الكتاب أن الحياة في الدم كقوله: "لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ" (لا١٧: ١١). إن ذكرى الخلاص الحقيقية لا تتم دون أن ننعم بحياة الرب فينا من خلال دمه، الذي وهب لأجلنا، والذي يكفر عن خطايانا. حينما يشرب كل منا دم الرب الحقيقي يتأكد له بصفة شخصية غفران خطاياه، ويفرح بما وهبه الله له من حياة أبدية بسبب حياة المسيح، التي صارت تسري في أعضائه.

الاستنتاج:

  • هي ذكرى الفداء العظيم وليست ذكرى عشاء فقط:

"فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ" (١كو١١: ٢٦). قول الرب السابق يحدد غرض صنع هذا العشاء السري العظيم، وهو تَذكُّر صلبه وموته وقيامته... وأهمية ذلك لخلاصنا. أما من ينادون بعدم تحول الخبز إلى جسد حقيقي، والخمر إلى دم حقيقي يعدمون الذكرى مفعولها ومعناها، لأن الخبز والخمر في هذه الحالة يذكران فقط بأن الرب قد شارك تلاميذه الأكل من خبزة واحدة، وشرب معهم من كأس واحدة ليلة العشاء الأخير. فهل هناك منصف يقبل بهذا التفسير السقيم لقول الرب؟!

  • اصنعوا هذا لذكري في أصلها اليوناني:

كلمة الذكرى في هذه العبارة في لغتها الأصلية (اليونانية) هي أنامنيسيس، وهي لا تعني التذكر الذهني لأمر وقع في الماضي، ولم يبق منه سوى ذكرى ذهنية، بل تعني عكس ذلك أي: استحضار حدث أمام الله كان قد وقع في الماضي، ولكن تأثيره ممتدًا في الزمن الحاضر. إن ما يخص الله من أفعال وصفات لا يخضع للزمن، ولا يمكن أن يحتويه الزمن، بل هو مازال ممتدًا وفعالاً. لقد أراد الرب بوجود جسده ودمه الموضوعين على المذبح تحقيق حضوره السري الدائم في كنيسته.

أخيرًا:

إن من يشاء إدراك عظمة ذكرى الخلاص في كنيستنا عليه أن ينصت لقول الشماس في القداس الإلهي يقول: "ارفعوا أعينكم إلى ناحية المشرق، لتنظروا المذبح، وجسد ودم عمانوئيل إلهنا موضوعين عليه.. الملائكة ورؤساء الملائكة قيام. السِّيرافيم ذوو الستة أجنحة، والشاروبيم الممتلئون أعيناً يسترون وجوههم من بهاء عظمة مجده غير المنظور، ولا ينطق به… يسبحون بصوت واحد صارخين قائلين: "قدوس قدوس قدوس رب الصاباؤوت. السماء والأرض مملوءتان من مجدك الأقدس."(القداس الإلهى).