أولًا: صِدق مبدأ حصاد الإنسان ما يزرعه.
الخطية هي زراعة للشر، وثمرتها مؤذية لصاحبها، قبل أن تؤذي غيره.
فالكَذَّاب يخسر ثقة الناس فيه، والغضوب يثير عليه مَن يكرهه، ويتسبب في أذية نفسه، والحاقد يمتلئ قلبه بالأحقاد والأتعاب النفسية، وهكذا يحصد الشرير نتيجة شره، الذي يزرعه، لأن الشر يؤثر على داخله أولًا، قبل أن يمتد الضرر ليضر بمن حوله.
نتائج الشر.
مَن يزرع للجسد فمن الجسد يحصد، كقول الكتاب"لاَ تَضِلُّوا! اَللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا. لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً. فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ" (غل ٦: ٧-٩).
يوجد أمثلة كثيرة في أسفار الكتاب المقدس تشهد بصدق هذه الحقيقة، ولكن أبونا آدم سيظل أعظم مثال، لما تسببه الخطية من ضرر على حياة الإنسان. لقد تعرض أبونا آدم لنتائج سيئة بسبب خطيئته، يمكن تلخيصها في انفصاله عن الله، وإحساسه بالخزي والعار، وما سببته له الخطية من أحزان وآلام نفسية وندم، وأوجاع لضميره وخوف وقلق.
وقد شهد الكتاب المقدس بذلك على لسانه، بقوله: "سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ" (تك ٣: ١٠).
ثانيًا: الله العادل
أرض المظالم.
إن الأرض تمتلئ بالمظالم، لأن العدل لا يمكن أن يكتمل ما دام الشر موجود في العالم، ولكن الكتاب يُطَمئِنّ البشر، بقوله: "إِنْ رَأَيْتَ ظُلْمَ الْفَقِيرِ وَنَزْعَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ، فَلاَ تَرْتَعْ مِنَ الأَمْرِ، لأَنَّ فَوْقَ الْعَالِي عَالِيًا يُلاَحِظُ، وَالأَعْلَى فَوْقَهُمَا" (جا 5: 8). أما السماء فهي أرض الاستقامة والعدالة، لأن فيها سيُحاسب الله كل إنسان كنحو أعماله، كقوله: "لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا" (2كو 5: 10).
إن الله لا يعاقب البشر في الأرض على سبيل إقامة العدالة الإلهية، ولكنه عندما يعاقب الأشرار على الأرض، فذلك على سبيل التأديب، ولكن دينونة الأشرار العادلة ستأتي عليهم في اليوم الأخير لا محالة.
العقوبة الأرضية ليست هي القاعدة السائدة.
الواقع العملي والكتابي يشهد أنه ليس من الضروري أن يُعَاقبُ الأشرار على الأرض (مع أن شرهم حتمًا يؤذيهم)، كقول الكتاب: "لأَنِّي غِرْتُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ، إِذْ رَأَيْتُ سَلاَمَةَ الأَشْرَارِ. لأَنَّهُ لَيْسَتْ فِي مَوْتِهِمْ شَدَائِدُ، وَجِسْمُهُمْ سَمِينٌ" (مز ٧٣: ٣، ٤).
إن عقاب الله كل إنسان بعقوبة أرضية على كل خطية يقترفها أمر غير منطقي، لأن ضعف البشر عظيم، وخطاياهم كثيرة جدًا، وهذا الافتراض سيجعلهم في كرب شديد، ويُحِيلُ حياتهم إلى جحيم، وقد يتسبب في هلاكهم جميعًا، كقوله: "إِنْ كُنْتَ تُرَاقِبُ الآثَامَ يَا رَبُّ، يَا سَيِّدُ، فَمَنْ يَقِفُ؟ لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ" (مز ١٣٠: ٣، ٤).
عقوبة أم تأديب
إن العقوبة الأرضية في أحيان كثيرة تدفع الإنسان للتوبة، وهي أيضًا تعطي الآخرين عبرة بسبب هلاك الشرير، لعل غيره من الأشرار يتعظون، وخير مثال على ذلك أن نبوخذنصر، بعدما عاقبه الله رجع عن شره، وأعطى المجد لله، قائلًا: "وَعِنْدَ انْتِهَاءِ الأَيَّامِ، أَنَا نَبُوخَذْنَصَّرُ، رَفَعْتُ عَيْنَيَّ إِلَى السَّمَاءِ، فَرَجَعَ إِلَيَّ عَقْلِي، وَبَارَكْتُ الْعَلِيَّ وَسَبَّحْتُ وَحَمَدْتُ الْحَيَّ إِلَى الأَبَدِ، الَّذِي سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ، وَمَلَكُوتُهُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ" (دا 4: 34).
العدالة في أتمِّ صورها.
العقوبة الأرضية على الخطية ليست هي القصاص العادل للخطية، لأن قصاص الله العادل لن يكون كاملًا إلا في السماء، وذلك بالهلاك الأبدي للأشرار، لأن أجرة الخطية ليست موت جسدي فقط، لكنها موت، وهلاك أبدي، كقول الكتاب: "الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ" (2تس 1: 9). وقد وصف الوحي الإلهي شدة الانتقام الأبدي في السماء، بأنه انتقام سبعة أضعاف، لأن رقم 7 يشير إلى كمال الأمر، كقوله: "... لِذلِكَ كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَايِينَ فَسَبْعَةَ أَضْعَافٍ يُنْتَقَمُ مِنْهُ. وَجَعَلَ الرَّبُّ لِقَايِينَ عَلاَمَةً لِكَيْ لاَ يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ" (تك ٤: ١٥).

ثالثًا: الله الصالح
الله يرفق، ويتأنى لأنه صالح.
يتعامل الله مع البشر بحسب صلاحه وغناه وكرمه، ولا يعطي الناس حسب استحقاقهم، فهو مستعد لغفران خطايا التائب منهم، وهو يتأنى عليهم، فلا يحرم الخطاة من عطاياه، كقوله: "لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ" (مت ٥: ٤٥).
وقوله عن اهتمامه بيونان النبي، رغم تذمره على الله: "فَأَعَدَّ الرَّبُّ الإِلهُ يَقْطِينَةً فَارْتَفَعَتْ فَوْقَ يُونَانَ لِتَكُونَ ظِلاُ عَلَى رَأْسِهِ، لِكَيْ يُخَلِّصَهُ مِنْ غَمِّهِ. فَفَرِحَ يُونَانُ مِنْ أَجْلِ الْيَقْطِينَةِ فَرَحًا عَظِيمًا" (يون ٤: ٦).
إن وقوع العقوبة الأرضية على الإنسان عند كل خطية أمر يتنافي مع لطف الله وحنانه، وغفرانه، كقوله: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ" (رو ٢: ٤، ٥).
أمر غير منطقي
ليس من المنطقي أن يحيل الله حياة الإنسان جحيم، بعدم إعطائه فرصة للتوبة عن خطاياه، لأن مكافأة التوبة هي المسامحة والغفران. فهل يجازي الله في الأرض عن كل خطية؟! ولا يسامح أبدًا؟! فيحرم الإنسان من المسامحة والغفران؟! ولكن في تلك الحالة يجوز لمعترض أن يقول لماذا إذًا خلق الله الإنسان الضعيف هل ليهلكه؟! لأن الله يعلم مسبقًا بضعفه، ولكن حاشا لله أن يفعل ذلك، لأنه رقيق القلب وحنون، كقوله: "لأَنَّهُ لاَ يُذِلُّ مِنْ قَلْبِهِ، وَلاَ يُحْزِنُ بَنِي الإِنْسَانِ" (مرا ٣: ٣٣).
الله لا يوافقه مبدأ العصا المرفوعة.
مبدأ العقاب الإلهي على كل خطية يلغي مبدأ الرحمة، ويجعل الناس في خوف دائم، وفي انتظار حلول المصائب من عند الله، وبذلك لن يكون الله صانع خيرات، وكيف يستطيع 

08 07

الإنسان أن يحب الله في تلك الحالة؟! والله يأمرهُ بأن يحبه، بقوله: "وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى" (مر12: 30). وهل يمكن للإنسان أن يحب مَن يهدده على الدوام بالعقاب والمصائب؟!
الله القدوة والمثال.
طالب معلمنا بولس الرسول شعب كورنثوس بالتمثل بالرب يسوع المسيح، قائلًا: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ" (١كو١١: ١) ولهذا نحن نحب الآخرين، ونغفر لهم، ونطيل أناتنا عليهم، ونرحمهم، فمن يدعي أن الله يعاقب، ولا يتأنى، ولا يرحم، يناقض ما جاء في الكتاب المقدس عن ضرورة التمثل بالله الكثير الرأفات.. وكيف نفسر هذه الآيات الكثيرة التي تتحدث عن حب الله، وكثرة مراحمه، كقوله: "نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلًا" (١يو ٤: ١٩).
نخلص مما سبق أن العقوبة الأرضية لا تتم عن كل خطية، لكن الله قد يعقاب أحيانًا في الأرض، ولكن ذلك على سبيل التأديب، أو لأي غرض آخر حسب حكمة الله العالية، كما سنشرح فيما يلي:
رابعًا: التأديبات الإلهية
يُولد الإنسان في عدم معرفة، ويحتاج لتربية وتأديب من والديه، وكلما اهتم به ذويه، كلما نما في المعرفة وفي الحكمة وفي الفضيلة، كما قيل عن موسى النبي: "فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ" (أع 7: 22). ولكن ما ناله النبي على يد المصريين من حكمة وأدبٍ سَامٍ لم يكن كافيًا، فقد أراد النبي أن يخلص شعبه من عبودية فرعون، بالاتكال على ذراعه، فأخطأ ووقع في خطية قتل، ولما انكشف أمره هرب إلى أرض مديان. لقد أحاط الله موسى النبي (كابن له) بالرعاية، وهَذَّبهُ في البرية مدة أربعين عامًا أخرى في عيشة شاقة، أهلته لقيادة شعب الله في البرية.
إن الله كأب حنون يتعهد الإنسان، فيؤدبه بطرق كثيرة، ويسمح له بالتعرض لبعض الضيقات والشدائد بسبب أخطائه.
يتذمر البعض من تلك التأديبات، ولكن الله كأب حنون يهمه خلاص أولاده، فهو يود أن يصقل شخصيتهم، ليسلكوا في الطريق المستقيم، كقوله: "لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ. إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟... وَلكِنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ فِي الْحَاضِرِ لاَ يُرَى أَنَّهُ لِلْفَرَحِ بَلْ لِلْحَزَنِ. وَأَمَّا أَخِيرًا فَيُعْطِي الَّذِينَ يَتَدَرَّبُونَ بِهِ ثَمَرَ بِرّ لِلسَّلاَمِ" (عب ١٢: ٦، ٧، ١١).
مَن لا أمل في خلاصه لا يُؤَدَب
إن إهمال وترك الإنسان بدون تأديب أمر صعب، لأن هذا يعني هلاكه! وهذا لا يحدث إلا في حالة العناد والإصرار على الخطية (حالة التجديف على الروح القدس).
لقد أوضح الله أن من لا رجاء فيه مطلقًا لا يؤدب، ويترك لعناد قلبه فيهلك! كقوله عن بنات إسرائيل المُصرات على اقتراف الشر: "يَذْبَحُونَ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ، وَيُبَخِّرُونَ عَلَى التِّلاَلِ تَحْتَ الْبَلُّوطِ وَاللُّبْنَى وَالْبُطْمِ لأَنَّ ظِلَّهَا حَسَنٌ! لِذلِكَ تَزْنِي بَنَاتُكُمْ وَتَفْسِقُ كَنَّاتُكُمْ. لاَ أُعَاقِبُ بَنَاتِكُمْ لأَنَّهُنَّ يَزْنِينَ، وَلاَ كَنَّاتِكُمْ لأَنَّهُنَّ يَفْسِقْنَ. لأَنَّهُمْ يَعْتَزِلُونَ مَعَ الزَّانِيَاتِ وَيَذْبَحُونَ مَعَ النَّاذِرَاتِ الزِّنَى. وَشَعْبٌ لاَ يَعْقِلُ يُصْرَعُ" (هو٤: ١٣، ١٤) .
خامسًا: أهداف العقوبة الأرضية
لقد حدد المرنم خطة الله في التعامل مع الخاطئ، موضحًا أنه يتأنى في العقاب، ليقود الخاطئ إلى التوبة والرجوع، فإن لم يرجع عن شره يعاقبه، لعله يفيق من شروره، كقوله: "اَللهُ قَاضٍ عَادِلٌ، وَإِلهٌ يَسْخَطُ فِي كُلِّ يَوْمٍ. إِنْ لَمْ يَرْجعْ يُحَدِّدْ سَيْفَهُ. مَدَّ قَوْسَهُ وَهَيَّأَهَا" (مز ٧: ١١، ١٢).
إن الله يتأنى كثيرًا على الخاطئ لعله يرجع، ولا يعاقب الإنسان كحسب شروره، لكنه يؤدبه لما فيه منفعته. فيما يلي نبين مقاصد وأهداف الله من العقوبة والتأديب...

مقاصد الله صالحة من نحو البشر.
أوضح الوحي الإلهي في سفر أيوب أن الله يتأنى في العقاب، وأن هدف العقوبة الإلهية هو الخلاص من الهلاك الأبدي، قائلًا: "لكِنَّ اللهَ يَتَكَلَّمُ مَرَّةً، وَبِاثْنَتَيْنِ لاَ يُلاَحِظُ الإِنْسَانُ. فِي حُلْمٍ فِي رُؤْيَا اللَّيْلِ، عِنْدَ سُقُوطِ سَبَاتٍ عَلَى النَّاسِ، فِي النُّعَاسِ عَلَى الْمَضْجَعِ. حِينَئِذٍ يَكْشِفُ آذَانَ النَّاسِ وَيَخْتِمُ عَلَى تَأْدِيبِهِمْ، لِيُحَوِّلَ الإِنْسَانَ عَنْ عَمَلِهِ، وَيَكْتُمَ الْكِبْرِيَاءَ عَنِ الرَّجُلِ، لِيَمْنَعَ نَفْسَهُ عَنِ الْحُفْرَةِ وَحَيَاتَهُ مِنَ الزَّوَالِ بِحَرْبَةِ الْمَوْتِ. أَيْضًا يُؤَدَّبُ بِالْوَجَعِ عَلَى مَضْجَعِهِ، وَمُخَاصَمَةُ عِظَامِهِ دَائِمَةٌ" (أي٣٣: ١٤-١٩).
العِبرَة
قد يعاقب الله الأشرار، الذين لا رجاء فيهم بضربات قاسية تُنهِي حياتهم، لكي يكونوا عِبرَة لغيرهم، ممن لم يفجروا بعد، وليبين أيضًا شدة غضبه، وعدم تهاونه مع الشر، أو عدم رضاه على الأشرار، كقوله: "وَإِذْ رَمَّدَ مَدِينَتَيْ سَدُومَ وَعَمُورَةَ، حَكَمَ عَلَيْهِمَا بِالانْقِلاَبِ، وَاضِعًا عِبْرَةً لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يَفْجُرُوا" (٢بط ٢: ٦).

سادسًا: التوبة
إن التوبة تجلب على الإنسان المراحم والخيرات، كوعد الله للتائبين عن خطاياهم، فإذا افترضنا ضرورة وقوع العقاب الأرضي على كل خطأ يقترفه الإنسان، فهذا سيجعل التائب في قلق وخوف نفسي شديد.
إن الوحي الإلهي يعد التائب بخيرات وبركات كثيرة، كقوله: "وَأُعَوِّضُ لَكُمْ عَنِ السِّنِينَ الَّتِي أَكَلَهَا الْجَرَادُ، الْغَوْغَاءُ وَالطَّيَّارُ وَالْقَمَصُ، جَيْشِي الْعَظِيمُ الَّذِي أَرْسَلْتُهُ عَلَيْكُمْ" (يوئ ٢: ٢٥). فكيف يتفق ذلك مع توقعه الضربات الآتية عليه بسبب أخطائه، التي تاب عنها.
بركات التوبة تتعارض مع مبدأ العقاب الأرضي على كل خطية.
يطالب الله البشر بالتوبة، ويعد التائب بالغفران إذا رجع عن ضلال طريقه، ولكن إن عاقبه الله على الفور، فلن يمهله فرصة للتوبة، وبذلك يكون حديث الأسفار الإلهية عن التوبة كلام لا معنى له، وغير قابل للتنفيذ، ولن تتم المصالحة مع الله، الذي أرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح، ليبرر الخطاة والفجار، كقوله: "أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ" (2كو 5: 19).
الله يعود ويرحم
يعود الله ويرحم التائب، ويباركه بالحياة الأبدية، كقوله: "أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ" (تث٣٠: ١٩).
إن الله يتنازل أيضًا عن حقه في الدينونة في حياة الدهر الآتي، وينعم على التائب بالحياة الأبدية، كقوله: "إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ" (رو ٨: ١).. فإن كان الله يتنازل عن الأمور الأبدية، فهل يصر الله على إتمام العقوبة الأرضية، لمن تاب عن خطيئته؟!

سابعًا: الواقع العملي يشهد
أولاد الله لم يفعلوا هذا
لم يطلب يوسف الصديق مجازاة إخوته بسبب آذيتهم له، بل سامحهم، وأكرمهم، واعتنى بهم وبأولادهم، كقوله: "وَأَتَى إِخْوَتُهُ أَيْضًا وَوَقَعُوا أَمَامَهُ وَقَالُوا: «هَا نَحْنُ عَبِيدُكَ». فَقَالَ لَهُمْ يُوسُفُ: «لاَ تَخَافُوا. لأَنَّهُ هَلْ أَنَا مَكَانَ اللهِ؟ أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا، لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ، لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا. فَالآنَ لاَ تَخَافُوا. أَنَا أَعُولُكُمْ وَأَوْلاَدَكُمْ» فَعَزَّاهُمْ وَطَيَّبَ قُلُوبَهُمْ" (تك ٥٠: ١٨-٢١). وبالطبع الله الذي عَلَّمَ يوسف التسامح والغفران، لا يصر على مجازاة مَن يتوب، بل يشجعه ويسنده!
أوامر الله في أسفار العهد القديم تشجع على الغفران.
أوصى الوحي الإلهي في سفر الجامعة بعدم تصيد البشر أخطاء غيرهم، وأيضًا بالتساهل في محاسبة المخطئين، لأن ذلك أمر إلهي يتفق مع الرحمة والرأفة، التي هي طبيعة الله، كقوله: "أَيْضًا لاَ تَضَعْ قَلْبَكَ عَلَى كُلِّ الْكَلاَمِ الَّذِي يُقَالُ، لِئَلاَّ تَسْمَعَ عَبْدَكَ يَسِبُّكَ. لأَنَّ قَلْبَكَ أَيْضًا يَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ كَذلِكَ مِرَارًا كَثِيرَةً سَبَبْتَ آخَرِينَ" (جا٧: ٢١، ٢٢).
صاحب السلطان له حق الرحمة.
الله صاحب سلطان، وله كامل الحرية في الغفران، أو التنازل عن حقه في محاسبة المخطئ. لقد أعطى الوحي الإلهي مثالاً عن داود النبي، الذي تنازل عن قتل ابن وحيد لأمه، كان قد قتل أخيه، ولكن أمه طلبت من الملك عدم معاقبة الابن الحي القاتل بقتله، لئلا تفقد ابنها الباقي، كما فقدت المقتول، فتكون قد فقدت الجميع، لقد أجابها الملك لطلبها، عندما قالت له: "اذْكُرْ أَيُّهَا الْمَلِكُ الرَّبَّ إِلهَكَ حَتَّى لاَ يُكَثِّرَ وَلِيُّ الدَّمِ الْقَتْلَ، لِئَلاَّ يُهْلِكُوا ابْنِي. فَقَالَ: «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ، إِنَّهُ لاَ تَسْقُطُ شَعْرَةٌ مِنْ شَعْرِ ابْنِكِ إِلَى الأَرْضِ»" (2صم ١٤: ١١).
ثامنًا: مَن يأخذ بالسيف بالسيف يهلك.
إن قول الرب يسوع لبطرس الرسول: "... رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!" (مت ٢٦: ٥٢) هو شريعة إلهية سماوية، وردت في سفر الخروج، كقوله: "وَإِذَا بَغَى إِنْسَانٌ عَلَى صَاحِبِهِ لِيَقْتُلَهُ بِغَدْرٍ فَمِنْ عِنْدِ مَذْبَحِي تَأْخُذُهُ لِلْمَوْتِ" (خر21: 14).
لقد قصد ربُّ المجدِ أن يُذَّكر معلمنا بطرس الرسول بالشريعة، التي يجب أن لا يتعدى عليها، بل يحفظها، لأن أحكام شريعة الله كانت تأمر بمعاقبة القاتل، ولا يمكن للقضاء مخالفتها، أما الله فهو واضع الشريعة فمن حقه القصاص أو الغفران، حسب مراحمه وعدله.
الاستنتاج
العقاب الأرضي عن كل خطية أمر يتنافى مع حب الله ولطفه، ولكن الله قد يستخدمه، أو يسمح به لحكمةٍ ما أحيانًا من أجل خير الإنسان.