الإصحاح السادس عشر

 

آية (1):- "1فَقَالَ الرَّبُّ لِصَمُوئِيلَ: «حَتَّى مَتَى تَنُوحُ عَلَى شَاوُلَ، وَأَنَا قَدْ رَفَضْتُهُ عَنْ أَنْ يَمْلِكَ عَلَى إِسْرَائِيلَ؟ اِمْلأْ قَرْنَكَ دُهْنًا وَتَعَالَ أُرْسِلْكَ إِلَى يَسَّى الْبَيْتَلَحْمِيِّ، لأَنِّي قَدْ رَأَيْتُ لِي فِي بَنِيهِ مَلِكًا»."

بلا شك فأن صموئيل صلّى كثيراً لأجل شاول أما شاول فلم ينتفع بهذه الصلوات لأنه لم يُرِدْ أن يتوب. ولكن بأمر إلهى يتوقف صموئيل عن النوح ويملأ الله قلبه بالتعزية فها هو الله سيحول الشر إلى خير ويختار داود بدلاً من شاول المرفوض. وحين تسود الظلمة العالم فى أعين الناس يعطى الله رجاء فى نور جديد، وفى الهزيع الأخير من الليل يتجلى الله وسط تلاميذه واهباً لهم ما لم يكن فى حسبانهم. لأَنِّي قَدْ رَأَيْتُ لِي فِي بَنِيهِ مَلِكًا: رأى الله ما لم يراه الناس. وهكذا يرى الله أشخاصاً يختارهم بنفسه للعمل لحساب ملكوته ربما لا يرى الناس فيهم هذا. كان مايكل أنجلو حين يرى قطعة رخام يقول ما أجملها فهو يعرف أنه قادر أن يحولها وأن يبدع منها عملاً فنياً رائعاً. والله إختار داود وحتى أبيه لم يكن يرى فيه ما يستحق. ومسحه ليحل عليه روح الرب فيعده ويهيأهُ. اِمْلأْ قَرْنَكَ دُهْنًا: القرن كان يستخدم كوعاء للشرب وقارن مع شاول الذى مسحه من قنينة الدهن ولم يستعمل معهُ لفظ إملأ. فداود رمز للمسيح الذى حلّ عليه ملء الروح. والقرن يشير للقوة. الله رأى فى داود الأمين رعايته للغنم الشخص الصالح لرعاية شعبه "كنت أميناً فى القليل أقيمك على الكثير" وهكذا يهيئ الله لنا أعمالاً صغيرة إن كنّا أمناء فيها يعطينا أعمالاً أكبر. وداود مُسح وعمره 20 سنة.

 

آية (2):- "2فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «كَيْفَ أَذْهَبُ؟ إِنْ سَمِعَ شَاوُلُ يَقْتُلْنِي». فَقَالَ الرَّبُّ: «خُذْ بِيَدِكَ عِجْلَةً مِنَ الْبَقَرِ وَقُلْ: قَدْ جِئْتُ لأَذْبَحَ لِلرَّبِّ. "

شَاوُلُ يَقْتُلْنِي: هذا يُظهر ما وصل إليه شاول من قسوة وظلم ومقاومة للرب. وقول صموئيل هذا ليس خوفاً أو إقتناعاً بل لطلب المشورة أى كيف يتصرف حتى يقاومهُ شاول.

 

آية (3):- "3وَادْعُ يَسَّى إِلَى الذَّبِيحَةِ، وَأَنَا أُعَلِّمُكَ مَاذَا تَصْنَعُ. وَامْسَحْ لِيَ الَّذِي أَقُولُ لَكَ عَنْهُ»."

لا داعى لأن يعلم شاول فالله لن يُمَلّك داود قبل أن يموت شاول. وكل شئ يجب أن يبقى سراً حتى لا يقتل شاول كلاً من صموئيل وداود. ونحن غير ملزمين بإعلان كل أمور حياتنا لكل إنسان.

 

آية (4):- "4فَفَعَلَ صَمُوئِيلُ كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ وَجَاءَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ. فَارْتَعَدَ شُيُوخُ الْمَدِينَةِ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ وَقَالُوا: «أَسَلاَمٌ مَجِيئُكَ؟»."

إرتعاد شيوخ المدينة كان خوفاً من أن يكون صموئيل قد أتى بخبر مفزع لخطأ منهم.

 

آية (5):- "5فَقَالَ: «سَلاَمٌ. قَدْ جِئْتُ لأَذْبَحَ لِلرَّبِّ. تَقَدَّسُوا وَتَعَالَوْا مَعِي إِلَى الذَّبِيحَةِ». وَقَدَّسَ يَسَّى وَبَنِيهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الذَّبِيحَةِ. "

تظهر أن صموئيل نزل ضيفاً عند بيت يسى بالذات.

 

الآيات (6-7):- "6وَكَانَ لَمَّا جَاءُوا أَنَّهُ رَأَى أَلِيآبَ، فَقَالَ: «إِنَّ أَمَامَ الرَّبِّ مَسِيحَهُ». 7فَقَالَ الرَّبُّ لِصَمُوئِيلَ: «لاَ تَنْظُرْ إِلَى مَنْظَرِهِ وَطُولِ قَامَتِهِ لأَنِّي قَدْ رَفَضْتُهُ. لأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ الإِنْسَانُ. لأَنَّ الإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ»."

بعد الذبيحة جاء صموئيل للوليمة فى بيت يسى فعادة تقام الولائم بعد تقديم الذبيحة. والذبيحة قدمت فى بيت لحم علانية بينما مُسِحَ داود سراً وسط إخوته فلماذا؟

‌أ-       بهذا لا يكذب صموئيل عندما يُسأل عن سبب مجيئه إلى بيت لحم، إنما يخفى جزءاً من الحقيقة.

‌ب-  حتى لا يبطش شاول الملك بصموئيل النبى وبداود أيضاً.

‌ج-   الوقت لم يكن قد حان لإعلان مُلك داود فهو لم يستلم العرش إلاّ بعد وفاة شاول إنما أعطيت المسحة كنعمة إلهية تعده وتسنده للعمل حتى يتولى الملك. وهذا يشبه حالنا الآن تماماً. فنحن نلنا المسحة المقدسة ولكن لم يأتى بعد الوقت لأن يستعلن المجد العتيد فينا (رو18:8) فهذا لن نأخذه إلاّ بعد آلام هذا الزمان الحاضر بل ونهاية هذا العالم (موت شاول) أمّا هذا الزمان فالمجد الذى فيه (قوة وغنى وجبروت) يشبه مجد شاول بعد نزع الروح منهُ.

‌د-  الذبيحة تشير للصليب وهذا تم علانية. بينما الملك وإن كان قد بدأ بالصليب إلاّ أنه لم يكمل إلاّ بعد القيامة والصعود وهذان الأمران لم يعرفهما ويشاهدهما إلاّ الخاصة. وكل من يقبل أن يتألم مع المسيح كل يوم علانية سيتمجد معهُ سراً.

 

الآيات (8-13):- "8فَدَعَا يَسَّى أَبِينَادَابَ وَعَبَّرَهُ أَمَامَ صَمُوئِيلَ، فَقَالَ: «وَهذَا أَيْضًا لَمْ يَخْتَرْهُ الرَّبُّ». 9وَعَبَّرَ يَسَّى شَمَّةَ، فَقَالَ: «وَهذَا أَيْضًا لَمْ يَخْتَرْهُ الرَّبُّ». 10وَعَبَّرَ يَسَّى بَنِيهِ السَّبْعَةَ أَمَامَ صَمُوئِيلَ، فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِيَسَّى: «الرَّبُّ لَمْ يَخْتَرْ هؤُلاَءِ». 11وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِيَسَّى: «هَلْ كَمُلُوا الْغِلْمَانُ؟» فَقَالَ: «بَقِيَ بَعْدُ الصَّغِيرُ وَهُوَذَا يَرْعَى الْغَنَمَ». فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِيَسَّى: «أَرْسِلْ وَأْتِ بِهِ، لأَنَّنَا لاَ نَجْلِسُ حَتَّى يَأْتِيَ إِلَى ههُنَا». 12فَأَرْسَلَ وَأَتَى بِهِ. وَكَانَ أَشْقَرَ مَعَ حَلاَوَةِ الْعَيْنَيْنِ وَحَسَنَ الْمَنْظَرِ. فَقَالَ الرَّبُّ: «قُمِ امْسَحْهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ». 13فَأَخَذَ صَمُوئِيلُ قَرْنَ الدُّهْنِ وَمَسَحَهُ فِي وَسَطِ إِخْوَتِهِ. وَحَلَّ رُوحُ الرَّبِّ عَلَى دَاوُدَ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ فَصَاعِدًا. ثُمَّ قَامَ صَمُوئِيلُ وَذَهَبَ إِلَى الرَّامَةِ. "

ربما لم يفهم داود عند مسحه إلاّ أنها بركة من صموئيل وربما لم يفهم إخوته أنه سيملك عليهم والله إختاره لنقاوته الداخلية وليس من أجل منظره. لقد سبق وأعطاهم ملكاً حسب

قلبهم والآن يختار ملكاً حسب قلبه هو. ولكن كان الله سيعده لمسئوليته كيف؟

‌أ-       هو راعى تعلّم أن يحب كل خروف فسيحب شعبه ويفتديهم من الدب والأسد لينقذهم.

‌ب-   خلال رعاية الغنم تعلّم الموسيقى والعزف على القيثارة فإستخدم الله هذه الوزنة للدخول إلى الملك شاول.

‌ج-  غالباً بعد حلول الروح عليه مع محبته للموسيقى رتّل المزامير وتعلّم التسبيح فيسبح بمزامير روحية يُسبح فيها على خليقته وعلى الطبيعة التى يراها أمامه (وغالباً كان شاول يهدأ بهذه المزامير).

‌د-      كراعٍ تعلم الضرب بالمقلاع الذى هزم به جليات.

وكان داود هو الثامن بين إخوته والثامن يرمز للحياة الأبدية (رقم 7 يشير للزمن أى سبعة أيام الأسبوع ورقم 8 لما بعد هذا الزمن أى الحياة الأبدية) لذلك فهو يرمز للمسيح الملك السماوى والذى صار الأخير إذ أفنى ذاته لأجلنا ليضمنا ويرفعنا للسماويات فيه وكلمة داود غالباً مشتقة من DOD وتعنى حباً أو محبوباً. وبدون الحب لن ننعم بالحياة الأبدية ( رقم اسم يسوع باليونانية = 888).

 

آية (14):- "14وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ. "

بينما حلّ روح الرب على داود ليعده كملك (تك2:1) ليخلق من الأرض الخاوية عالماً جميلاً. فارق رُوحُ الرَّبِّ شَاوُلَ لأنه رافض قبول روح الله. وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ: المكان لا يمكن أن يستمر مكنوساً ومزيناً فلابد أن يمتلئ فإما أن يمتلئ من روح الرب أو إذا فارق روح الرب الإنسان يملأه أرواح شريرة. فالقلب لا يبقى خالياً. الروح الردئ ليس مصدره الرب بل هو بسماح من الرب. الروح أخذ سلطان على شاول بسماح من الله. شاول برفضه روح الله لكبريائه، ولأنه قاوم روح الرب كثيراً هيأ نفسه كمسكن مستعد لقبول هذا الروح الردئ، الله تركه لذاته (رو1: 24-28).

 

الآيات (15-23):- "15فَقَالَ عَبِيدُ شَاوُلَ لَهُ: «هُوَذَا رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ يَبْغَتُكَ. 16فَلْيَأْمُرْ سَيِّدُنَا عَبِيدَهُ قُدَّامَهُ أَنْ يُفَتِّشُوا عَلَى رَجُل يُحْسِنُ الضَّرْبَ بِالْعُودِ. وَيَكُونُ إِذَا كَانَ عَلَيْكَ الرُّوحُ الرَّدِيءُ مِنْ قِبَلِ اللهِ، أَنَّهُ يَضْرِبُ بِيَدِهِ فَتَطِيبُ». 17فَقَالَ شَاوُلُ لِعَبِيدِهِ: «انْظُرُوا لِي رَجُلاً يُحْسِنُ الضَّرْبَ وَأْتُوا بِهِ إِلَيَّ». 18فَأَجَابَ وَاحِدٌ مِنَ الْغِلْمَانِ وَقَالَ: «هُوَذَا قَدْ رَأَيْتُ ابْنًا لِيَسَّى الْبَيْتَلَحْمِيِّ يُحْسِنُ الضَّرْبَ، وَهُوَ جَبَّارُ بَأْسٍ وَرَجُلُ حَرْبٍ، وَفَصِيحٌ وَرَجُلٌ جَمِيلٌ، وَالرَّبُّ مَعَهُ». 19فَأَرْسَلَ شَاوُلُ رُسُلاً إِلَى يَسَّى يَقُولُ: «أَرْسِلْ إِلَيَّ دَاوُدَ ابْنَكَ الَّذِي مَعَ الْغَنَمِ». 20فَأَخَذَ يَسَّى حِمَارًا حَامِلاً خُبْزًا وَزِقَّ خَمْرٍ وَجَدْيَ مِعْزًى، وَأَرْسَلَهَا بِيَدِ دَاوُدَ ابْنِهِ إِلَى شَاوُلَ. 21فَجَاءَ دَاوُدُ إِلَى شَاوُلَ وَوَقَفَ أَمَامَهُ، فَأَحَبَّهُ جِدًّا وَكَانَ لَهُ حَامِلَ سِلاَحٍ. 22فَأَرْسَلَ شَاوُلُ إِلَى يَسَّى يَقُولُ: «لِيَقِفْ دَاوُدُ أَمَامِي لأَنَّهُ وَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيَّ». 23وَكَانَ عِنْدَمَا جَاءَ الرُّوحُ مِنْ قِبَلِ اللهِ عَلَى شَاوُلَ أَنَّ دَاوُدَ أَخَذَ الْعُودَ وَضَرَبَ بِيَدِهِ، فَكَانَ يَرْتَاحُ شَاوُلُ وَيَطِيبُ وَيَذْهَبُ عَنْهُ الرُّوحُ الرَّدِيءُ. "

سر قوة داود الرَّبُّ مَعَهُ (19). الله بتدبيره يصل الآن داود إلى القصر ويالتواضع داود فهو ذهب يعزف لشاول وهو يعرف أنه مسيح الرب. ويالقوة مزامير داود التى تطرد الشياطين وتهدئ النفوس. وكنوع من إكرام الملك يأخذون لهُ هدايا. فنجد يسى يرسل إبنه للملك ومعهُ هدايا. وَكَانَ لَهُ حَامِلَ سِلاَحٍ: ربما حدث هذا بعد مدة وتكون هذه الآية مقدمة لقصة طويلة مثل "وخلق الله السماوات والأرض" ثم بدأ الشرح التفصيلى. وربما فى أثناء ما كان داود يعزف لشاول كان داود يحمل سلاح الرجل المريض المصروع بالمرض الردئ. وقد يكون شاول عينه كحامل سلاح فترة قصيرة لكنه لم يستمر أو يستلم الوظيفة وعاد لبيته حتى جاءت قصة جلياط. هذه عدة إحتمالات لتفسير أن شاول لم يعرف داود حين قتل جليات. ولنلاحظ أنهم كانوا يأتون بداود إلى شاول وهو مصروع لا يدرى شيئاً ممّا حولهُ فمن المنطقى أن لا يتعرف على داود. فداود أحد خدامه ليس إلاّ. وهناك من يقول أن شاول إدّعى ذلك لأنه حسد داود.