الإصحاح التاسع

 

الآيات (1-6):- "1 يا اله الآباء يا رب الرحمة يا صانع الجميع بكلمتك. 2 وفاطر الإنسان بحكمتك لكي يسود على الخلائق التي كونتها. 3 ويسوس العالم بالقداسة والبر ويجري الحكم باستقامة النفس. 4 هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك. 5 فإني أنا عبدك وابن أمتك إنسان ضعيف قليل البقاء وناقص الفهم في القضاء والشرائع. 6 على انه إن كان في بني البشر أحد كامل فما لم تكن معه الحكمة التي منك لا يحسب شيئا."

حينما أدرك الحكيم أن مصدر الحكمة التي أحبها هو الله، صرخ لله مصلياً أن يهبه هذه الحكمة. والله يعطي الروح القدس، روح الحكمة للذين يسألونه (لو13:11).

يا إله الآباء= أنت الأزلي وأنت الذي أحببت آبائنا وأعطيتهم الوعود ورعيتهم زمان غربتهم. يا رب الرحمة= يا من غفرت لهم ولنا خطايانا. فاطر الإنسان بحكمتك= خالق الإنسان بحكمتك وإذا كان الإبن هو حكمة الله (1كو24:1). فتكون هذه الآية مثل (يو3:1) "به كان كل شئ" والله قدير فهو يسود .. ويسوس ويجري الحكم هو ضابط الكل. وهو يسود على الخلائق لأنه كونها فهو صاحب الكلمة في خليقته. وحين يسوس فبالقداسة والبر (العدل)= هو عادل قدوس بار. وإذا أجرى حكماً فبإستقامة نفس= فهو لا يخاف إنسان فيحكم لصالحه. ولذلك فهو يطلب من إله قدير رحيم وماذا يطلب هب لي الحكمة التي سبق وإكتشف مميزاتها، وهو يطلب حكمة إلهية= الحكمة الجالسة على عرشك. ولكن كون سليمان هنا يصور الحكمة كشخص جالس على عرش، فهو بروح الوحي يتكلم عن الإبن حكمة الله "وأما عن الإبن كرسيك يا الله إلى دهر الدهور" (عب8:1). وهذا ما صار للبشر أن يسكن المسيح فيه فيقول بولس الرسول "لي الحياة هي المسيح" (في21:1) + "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ" (غل20:2) + "ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم" (أف17:3) ولا ترذلني من بين بنيك= من لا يسكن المسيح عنده ويتحد به معطياً إياه حياته فهو ليس بإبن بل ومرذول ولاحظ إنسحاقه أنا عبدك إنسان ضعيف ناقص الفهم فالله لا يسكن سوى عند المنسحق (إش15:57). ويعترف الحكيم أنه بدون حكمة إلهية فما إنسان مهما كان يحسب شيئاً، لذلك قال عن نفسه أنه عبدك وإبن أمتك ولم يقل ملك، فماذا ينفعه الملك إن لم تسكن فيه الحكمة التي تجعله خالداً. أما كونه ملكاً فمهما عاش فحياته ستنتهي= إنسان ضعيف قليل البقاء. ونرى في (1مل5:3-15) أن سليمان طلب من الله الحكمة والله أعطاها له فعلاً بل فرح بسؤاله.

 

الآيات (7-8):- "7 انك قد اخترتني لشعبك ملكا ولبنيك وبناتك قاضيا. 8 وأمرتني أن ابني هيكلا في جبل قدسك ومذبحا في مدينة سكناك على مثال المسكن المقدس الذي هيأته منذ البدء."

حين نظر سليمان لنفسه كملك، وجدها ليست شيئاً للفخر والكبرياء وإنما هي وظيفة كلفه الله بها لخدمة شعبه= إنك إخترتني لشعبك ملكاً ولبنيك وبناتك قاضياً. وأهم عمل قام به في نظره ويفتخر به أن الله أمره ببناء هيكل= أمرتني أن أبني هيكلاً في جبل قدسك. ولإهتمام الله بهذا الهيكل أعطاه مثال المسكن المقدس. وكيف يحكم الشعب بحسب شريعة الله ويبني هذا الهيكل الذي يهتم به الله هكذا بدون حكمة.

 

الآيات (9-10):- "9 إن معك الحكمة العليمة بأعمالك والتي كانت حاضرة إذ صنعت العالم وهي عارفة ما المرضي في عينيك والمستقيم في وصاياك. 10 فأرسلها من السماوات المقدسة وأبعثها من عرش مجدك حتى إذ حضرت تَجِدُّ معي واعلم ما المرضي لديك."

يا رب أنت بحكمتك أسست الأرض وصنعتها "به كان كل شئ" (يو3:1) فإعطني حكمتك لأبنى بيتك. والله بحكمته أيضاً يبني كنيسته، هيكل جسده. تَجدُّ= تجتهد. الحكمة العليمة بأعمالك= "الإبن لا يقدر أن يعمل من نفسه شيئاً إلاّ ما ينظر الآب يعمل" (يو19:5). والتي كانت حاضرة إذ صنعت العالم= "والكلمة كان عند الله" (يو1:1). فأرسلها من السموات المقدسة وأبعثها من عرش مجدك= "ليتك تشق السموات وتنزل" (إش1:64) + "خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم" (يو28:16).

 

الآيات (11-12):- "11 فأنها تعلم وتفهم كل شيء فتكون لي في أفعالي مرشدا فطينا وبعزها تحفظني. 12 فتغدوا أعمالي مقبولة واحكم لشعبك بالعدل وأكون أهلا لعرش أبي."

الحكمة هي حكمة الله فهي تعلم وتفهم كل شئ، فلا تستطيع خدعة أن تخدعني، ولا قوة أن تقهرني لذلك هي مرشداً فطيناً وبعزها تحفظني= لأن لها قوة قادرة فهي "قوة الله" "المسيح هو حكمة الله وقوة الله" (1كو24:1). وما إهتم به الحكيم ليس كل هذا، بل أن تكون أعماله مقبولة عند الله ويحكم شعب الله بالعدل.

 

الآيات (13-17):- "13 فأي إنسان يعلم مشورة الله أو يفطن لما يريد الرب. 14 إن أفكار البشر ذات إحجام وبصائرنا غير راسخة. 15 إذ الجسد الفاسد يثقل النفس والمسكن الأرضي يخفض العقل الكثير الهموم. 16 ونحن بالجهد نتمثل ما على الأرض وبالكد ندرك ما بين أيدينا فما في السماوات من اطلع عليه. 17 ومن علم مشورتك لو لم تؤت الحكمة وتبعث روحك القدوس من الأعالي."

حكمة الله غير محدودة وأكبر من أن يتسع لها فكر بشر، لذلك قد تبدو أحكامه في بعض الأحيان مخالفة للحكمة الإنسانية وغريبة عنها وصعبة، فالإنسان محدود وضعيف وأرضي وزمني وخاطئ، تفكيره متعلق بالأرض، أما الله فغير محدود وسماوي ولا حدود لقدرته ولا زمنى وقدوس= فأي إنسان يعلم مشورة الله. إن أفكار البشر ذات إحجام= أفكار البشر لها حدود فضعف الإنسان وخوفه من الآخرين يحد تصرفاته. والإنسان نفسه تتغير أحكامه على الأمور من وقت لآخر، أمّا الله فأحكامه ثابتة وهو غير متغير، هو الأزلي الأبدي. وكلما إقترب الإنسان من الله وأحب الله سيدرك الكثير من أحكامه.

الجسد الفاسد= بسبب شهوات الجسد تثقل النفس فلا تدرك أحكام الله وحكمتها فالشهوات تظلم العقل. وسبب آخر المسكن الأرضي أي الجسد يخفض العقل الكثير الهموم= الإنسان الذي يحيا في هم وإضطراب لا يدرك حكمة الله، إذ هو غير واثق في الله. فالواثق في الله لا يحمل هماً. السبب الثالث محدودية الإنسان= نحن بالجهد نتمثل (نتصور ونتفهم) ما على الأرض. فكيف نفهم أحكام الله العالية علو السماء= فما في السماوات من إطلع عليه. وكيف نعلم؟ فقط بالروح القدس الذي يفحص كل شئ حتى أعماق الله (1كو10:2) = من علم مشورتك لو لم تؤت الحكمة وتبعث روحك القدوس.

عموماً "الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد وهذان يقاوم أحدهما الآخر" (غل17:5) فمن يتجاوب مع شهوات الجسد ينجذب للأرضيات ويبتعد عن السماويات فلا يدرك أحكام الله. وقوله يثقل النفس= النفس هنا تشمل الروح والعقل.

 

الآيات (18-19):- "18 فانه كذلك قومت سبل الذين على الأرض وتعلم الناس مرضاتك. 19 والحكمة هي التي خلصت كل من أرضاك يا رب منذ البدء."

إبليس يحاول أن يجذب أولاد الله للعالم وشهواته، لكن حكمة الله تردهم للطريق الصحيح= فإنه كذلك قومت (أصلحت) سبل الذين على الأرض. وتعلم الناس مرضاتك. الحكمة هي التي خلصت كل من أرضاك يا رب منذ البدء= فكل من يرضى الله ولو بقدر بسيط تتدخل الحكمة لتخلصه فهو "قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ" (إش3:42) ولنثق أن الله أقوى بما لا يقاس من عدو الخير، لكن تظهر قوة الله معنا وحكمته إذا أردنا وإذا تجاوبنا معه ولم نقاومه.