الأصحاح الخامس

بنوّتنا لآدم الواحد

إذ يعالج الرسول بولس موضوع انتساب اليهود لأبينا إبراهيم حسب الجسد أبرز أن إبراهيم قد تبرّر وهو في الغُرْلة كما وهو في الخِتان خلال إيمانه، ليحمل أبوة صادقة روحية لكل مؤمنٍ حقيقيٍ. والآن يودّ الرسول بطريقة غير جارحة أن يظهر رجل الإيمان الأعظم إبراهيم، أنه ابن آدم، أحد هؤلاء الذين سقطوا تحت مملكة الموت بسبب عصيان آدم، فكان محتاجًا إلى من يبرّره. بمعنى آخر خلال الظلام والرموز تبرّر إبراهيم نفسه ببرّ المسيح، إذ بدون إيمان لم يكن ممكنًا أن يتبرّر، وكما قال القدّيس جيروم: [قبل مجيء المسيح كان إبراهيم في المواضع السفلية بينما بعد مجيئه صار اللص في الفردوس[112].]

كأن الرسول يودّ أن يوجّه أنظار الكل، اليهود والأمم، إلى برّ المسيح الذي اشتهاه إبراهيم نفسه (يو 8: 56) عِوض الافتخار بالانتساب لإبراهيم حسب الجسد.

بدأ الأصحاح بالكشف عن ثمر برّ المسيح، ليحدّثنا عن حالنا كأبناء لآدم، من بيننا إبراهيم نفسه، ثم عن حالنا خلال آدم الثاني أو الجديد.

1. ثمار برّ المسيح1-11.

2. آدم وبنوه تحت الموت12-14.

3. آدم الثاني والنعمة15-21.

1. ثمار برّ المسيح

كعادة الرسول بولس قبل أن يبرز الجانب السلبي وهو خضوع آدم وبنيه تحت حكم الموت بسبب العصيان، بما فيهم رجل الإيمان إبراهيم، أبرز في إيجابيّة ثمار برّ المسيح التي يتمتّع بها كل أبناء إبراهيم الروحيين، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أ. التمتّع بالسلام مع الله[1].

ب. نعمة حاضرة ورجاء لمجد أبدي[2].

ج. ارتفاع فوق الضيقات[3-4].

د. عطيّة الروح القدس واهب الحب[5].

ه. اختبار محبّة الله بالصليب[6-11].

ويلاحظ في هذه الثمار الفائقة الآتي:

أ. ننعم بلقاء الثالوث القدوس، ونختبر حُبّه وعمله فينا: (سلام مع الله الآب، انسكاب الحب بالروح القدس الساكن فينا، اختبار للحب الإلهي بصليب ربنا يسوع المسيح).

ب. ثمار على مستوي أبدي، إذ ننعم بمصالحة أبدية ومجد أبدي. لكنّنا ننال العربون حاضرًا الآن في حياتنا: "هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون" [2].

الآن في أكثر تفصيل نتحدث عن هذه الثمار:

أولاً: التمتّع بالسلام مع الله

"فإذا قد تبرّرنا بالإيمان، لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح " [1].

يبدو لي أن "السلام مع الله" هنا يحمل معنى غير السلام من الله (رو 1: 7) أو "سلام الله الذي يفوق كل عقل" (في 4: 7)، فإن السلام الإلهي الذي ننعم به إنما هو "سلامنا الداخلي" الذي يهبه الله كعطيّة روحية، يعطي للإنسان انسجامًا في الغاية والسلوك، فيعمل الإنسان بنفسه كما بجسده بسلام الله لحساب الملكوت، كما يهبه سلامًا مع الآخرين مشتاقًا أن يبذل كل حياته لحسابهم في المسيح يسوع؛ أمّا "السلام مع الله" فيعني تغيير شامل لمركزنا من حالة العداوة التي كنّا فيها إلى حالة بنوّة وحب وصداقة. أو تعني انطلاقنا من حالة الانحدار التي بلغناها بسبب خطايانا وعصياننا، لندخل خلال الدم إلى حالة مصالحة مع الآب، فنُحسب بالمسيح يسوع الابن الوحيد أبناء له، موضع سروره ورضاه. هذا هو أول ثمر "برّ المسيح"، إننا نختفي فيه لنُحسب أبرارًا فيه، ومصالحين، نحيا كأبناء في سلام حقيقي مع الآب. بذات الفكر يقول معلمنا بطرس الرسول: "فإن المسيح أيضًا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البارّ من أجل الآثمة، لكي يقرّبنا إلى الله" (1 بط 3: 18).

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني "لنا سلام"؟ يقول البعض: ألا نكون على خلاف بارتكاب معاصي ضد الناموس، أمّا بالنسبة لي، فأظن أن ما جاء هنا يخص مناقشتنا، لأنه بعدما تحدّث كثيرًا عن موضوع الإيمان، وقد وضعه قبل البرّ بالأعمال، فلئلا يظن أحد أن ما قاله يُحسب أساسًا للتهاون، لذلك قال: "ليكن لنا سلام"، بمعنى "ليتنا لا نخطيء بعد"، "ليتنا لا نعود مرة أخري إلى حالنا القديم"، إذ يسبّب هذا حربًا مع الله. كيف يمكن تحقيق هذا؟ إن كنّا ونحن نحتمل خطايا كثيرة هكذا نتحرر منها جميعًا بالمسيح، فإننا بالأكثر نستطيع أن نبقى على هذا الحال بالمسيح. فإن ثمة فارق بين تقبلنا السلام حيث لم يكن موجودًا، وبين احتفاظنا به حين يكون لدينا، لأن نواله أصعب من الاحتفاظ به بالتأكيد، ومع هذا فإن ما هو أصعب صار ميسورًا وتحقق. لذلك يلزمنا أن نسعى وراء ما هو أسهل بالتصاقنا بالمسيح الذي وهبنا ما هو أصعب... إن كان قد صالحنا في الوقت الذي كنّا فيه في حرب مع الله، فمن المعقول أن نبقى في حالة المصالحة[113]...]

بمعنى آخر نحن الذين كنّا في حالة عداوة مع الآب صرنا في سلام معه بربنا يسوع، فكم بالأكثر وقد تصالحنا معه أن نبقى هكذا، لكن ليس بجهادنا الذاتي وإنما بربنا يسوع نفسه. لنبقى في "سلام" كعطيّة إلهية، وفي نفس الوقت دخول في علاقة قربى معه! يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان قد أحضرنا إليه لنكون قريبين منه عندما كنّا بعيدين، كم بالأكثر يحفظنا الآن ونحن قريبون[114]؟]

ثانيًا: نعمة حاضرة ورجاء لمجد أبدي

"الذي به أيضًا قد صار لنا الدخول بالإيمان

إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون،

ونفتخر على رجاء مجد الله" [2].

لم يعد الزمن يمثل رعبًا بالنسبة لنا، فالماضي بالنسبة للكثيرين مفقود والحاضر مؤلم والمستقبل مجهول، أمّا وقد دخلنا بالإيمان إلى "برّ المسيح"، صار الماضي بركة لنا، إذ نرى أحداث الفداء التي عبرت كتاريخٍ لا تزال حيّة وفعُالة في أعماقنا وتصرّفاتنا، وصار الحاضر بالنسبة لنا مفرحًا إذ نسلك "بالنعمة الإلهية" متمتّعين بالسلام مع الله، أمّا المستقبل فمكشوف إذ نعيش على "رجاء مجد الله". هكذا لم يعد الزمن بالنسبة لنا مرعبًا ولا مفقودًا، الماضي حاضر بالنسبة لنا، والحاضر عربون المستقبل، والمستقبل حال خلال عربون الحاضر.

الإيمان بالمصلوب فتح لنا بالـ "النعمة التي نحن فيها مقيمون"، نعمة البنوّة التي نلناها في مياه المعموديّة بالروح (يو 3: 5)، خلالها نختبر أحداث الصلب والقيامة كحياة واقعية حاضرة ونعتزّ بالتمتّع بمجد الله الأبدي، بكوننا "ورثة الله، ووارثون مع المسيح" (رو 8: 17).

يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة الرسولية قائلاً:

[اسمحوا لي أن أسألكم أن تتأمّلوا كيف يؤكّد الرسول في كل موضع نقطتين: جانب الله وجانبنا، فمن جانب الله، كيفما كان، توجد أمور كثيرة، عديدة ومتنوّعة، إذ مات من أجلنا وصالحنا وجبَلنا إليه ووهبَنا نعمة لا ينطق بها. أمّا نحن فمن جانبنا نقدم إيمانًا (حيًا) فقط، لذلك يقول: "بالإيمان إلى هذه النعمة". اخبرني: أيّة نعمة هذه؟ أنك حُسبتَ أهلاً لمعرفة الله، وانتزعت عن الخطأ وتعرفّتَ على الحق ونلتَ كل بركات المعموديّة؟ لأن غاية إحضارنا إليه هو تقبُّل هذه العطايا. فإننا لم ننل غفران الخطايا فحسب لنكون مُصالحين، وإنما لننال بركات لا حصر لها.

لم يقف عند هذا الحد إنما وعدنا ببركات أخرى، بركات لا يُنطق بها، تفوق الإدراك واللغة، لهذا لم يحدّثنا عنها. فبإشارته للنعمة أوضح ما نلناه حاليًا، وبقوله: "ونفتخر (نبتهج) على رجاء مجد الله" [2]. يكشف عن كل الأمور العتيدة.

حسنًا قال: "التي نحن فيها مقيمون" [2]، لأن هذه هي طبيعة نعمة الله، أنها بلا نهاية ولا تعرف الحدود، بل على الدوام ننعم بأمور أعظم، على خلاف ما يُحدّث في الأمور البشريّة. أعطيك مثلاً لما أقصده: إن نال إنسان سيادة ومجدًا وسلطانًا لا يقيم في هذه الأمور على الدوام، إنما سرعان ما تُسحب منه. فإن لم يسحبها منه إنسان آخر يأتيه الموت الذي يسحبها منه بالتأكيد. أمّا عطايا الله فليست من هذا النوع إذ لا يستطيع إنسان ولا ظروف ولا كوارث ولا حتى الشيطان أو الموت أن يسلبها، بل بالعكس عندما يحلّ الموت تتأكد بالأكثر ملكيتنا لها وثبوتنا فيها ويزداد تمتّعنا بها أكثر فأكثر... لهذا يقول: "نبتهج على رجاء مجد الله"، لكي تتعلم ما هي النفس التي يليق بالمؤمن أن تكون له. ليس فقط نعرف ما هي العطايا التي تقدّم وإنما لمن تقدّم، فنمتلئ ثقة أنها قُدِّمت فعلاً، إذ يبتهج الإنسان بكونه قد نالها فعلاً... وقد دعاها "مجدًا"؛ إذ هي شركة في مجد الله[115].]

هكذا يركّز القدّيس يوحنا الذهبي الفم على تعبير "مقيمون فيها" علامة استمرارية عمل نعمة الله في حياتنا متى خضعنا لها وقبلّناها متجاوبين معها، ولا يقف الأمر عن الاستمرارية، وإنما تزداد قوّة فينا وبهاءً مع الزمن حتى متى بلغنا الخروج من هذا العالم ننعم بالشركة في المجد الإلهي.


ثالثًا: الارتفاع فوق الضيقات

ربّما يتساءل البعض: إن كان الإيمان بالمسيح يدخل بنا إليه لنحمل برّه فينا فننعم بالسلام مع الله، وإذ نقيم في هذه النعمة ينفتح قلبنا على رجاء المجد الإلهي، فما هو عمل هذا البرّ في حياتنا وسط الضيقات التي لا تنقطع؟

يجيب الرسول على هذا التساؤل معلنًا أن السيد المسيح ببرّه الذي يهبه لنا لا ينزع عنّا الضيقات، بل يرفعنا فوق الضيقات، فنجتازها أو تعبر هي بنا، ونحن في اعتزاز نراها سرّ تزكيتنا أكثر فأكثر، فلا يتحطم رجاؤها باليأس، بل بالعكس يلتهب رجاؤنا في المجد، خلاص صبرنا في الضيقات، إذ يقول: "وليس ذلك فقط بل نفتخر (نتمجد) أيضًا في الضيقات، عالمين أن الضيق ينشىء صبرًا، والصبر تزكية، والتزكية رجاء" [4].

كأن عمل المسيح لا يمس المجد الأبدي فحسب وإنما يمس حياتنا اليومية لا بتغيير الظروف المحيطة بنا لننعم بسلامٍ زمنيٍ، وإنما بتغيير القلب الداخلي والفكر، فنسمو فوق الآلام، إذ نراها طريق الشرّكة مع المسيح المتألم، وسبيل التمتّع بالتزكية خلال الصبر. وكما يقول القدّيس بطرس: "لكي تكون تزكية إيمانكم وهي أثمن من الذهب الفاني مع أنه يُمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد" (1بط 1: 7)، ومعلمنا يعقوب: "طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكي ينال إكليل الحياة" (يع 1: 12).

يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:

[فإنه حتى في الضيقات الحاضرة تعطينا (نعمة الله) القدرة على تلألؤ ملامحنا، وتجعلنا بالأكثر مستحقّين لمكافأتنا...

الآن، لنتأمل عظمة الأمور المقبلة، فإنه حتى بالنسبة للأمور المسبّبة الحزن نفرح. عظيمة هي عطيّة الله، ليس فيها شيء كريه، لأنه في الخيرات الخارجية يسبّب الجهاد من أجلها تعبًا وألمًا وضيقًا كمرافق لها، لكن الأكاليل والمكافآت تردّ البهجة معها. أمّا هنا فالحال مختلف، لأن نكهة الضيقات فيها بالنسبة لنا لا تقل عن نكهة المكافآت. ففي هذه الأيام توجد تجارب ثانوية، لكن يوجد رجاء في الملكوت؛ يحل الرعب الآن لكن يوجد توقع للخيرات... أنه يعطي جزاء هنا قبل نوال الأكاليل بالقول أنه يجب أن "نتمجد (نفتخر) بالضيقات"... مقدمًا نفسه مثلاً لهم لتشجيعهم... يتمجّدون فيها ليس فقط من أجل الأمور المقبلة، وإنما أيضًا من أجل الحاضر، فإن الضيقات صالحة في ذاتها، كيف هذا؟ لأن الضيقات تعطينا مسحة "الصبر"، لذلك بعد قوله أننا نتمجّد بالضيقات قدّم السبب هكذا: "عالمين أن الضيق ينشئ صبرًا"...

"والصبر تزكية، والتزكية رجاء". فالضيقات التي هي (بالطبيعة) بعيدة عن الرجاء تصير تزكية للرجاء ومؤكدة له. فإنه قبل نوال الأمور المقبلة ينشئ الضيق ثمرًا عظيمًا جدًا هو "الصبر"، فيجعل من الإنسان المُجرٌب صاحب خبرة؛ وفي نفس الوقت يساهم إلى درجة ما في الأمور المقبلة، إذ يهب رجاءً ملتهبًا فينا، فإنه ليس شيء يجعل الإنسان يميل إلى الرجاء في البركات مثل الضمير الصالح... نعم يهب رجاءً، لكنه ليس رجاءً بشريًا غالبًا ما يزول، ويُخزى من يتوقعه... لا، فإن نصيبنا ليس هكذا، إنما رجاؤنا أكيد وثابت، لأن مقدم الوعد حيّ إلى الأبد، ونحن الذين نتمتع به، وإن كنّا نموت لكنّنا سنقوم ثانيًا، فلا يخزى رجاؤنا[116].]

يشعر القدّيسون ببركة الضيق في هذا العالم، إذ يمجّدهم داخليًا في عيني الله، لكي يتجلّى هذا المجد بالأكثر في الحياة العتيدة، لذلك يقول القدّيس جيروم: [لا يطلب القدّيس الراحة بل الضيق[117].]

إن رجعنا إلى كلمات القدّيس يوحنا الذهبي الفم نلاحظ نظرته الإنجيليّة العجيبة لتعبير "الصبر"، فإنه لا يتطلّع إليه كجهادٍ بشريٍ مجرّد أو قُدرة إنسانية على احتمال الضيق، وإنما يراه "مكافأة"... كيف يكون هذا؟ لأن "الصبر" هو سمة تمس حياة السيد المسيح، الذي قيل عنه: "احتمل الصليب مستهينًا بالخزي... فتفكّروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه، لئلاّ تكلّوا وتخوروا في نفوسكم" (عب 12: 2-3). مرة أخرى يقول الرسول: "الرب يهدي قلوبكم إلى محبّة الله وإلي صبر المسيح" (2 تس 3: 5). إذًا فالصبر هو عطيّة إلهية، أو هو شركة في "صبر المسيح" تعطي عذوبة للنفس وسط الآلام، أو قل مجدًا خفيًا وسط الضيقات. هذا ما أكّده القدّيس يوحنا الحبيب بقوله: "شريككم في الضيقة وفي ملكوت يسوع المسيح وصبره" (رؤ 1: 9).

إذن الضيق ينشىء صبرًا، هو شركة في صبر المسيح!

رابعًا: عطيّة الروح واهب الحب

إن كان السيد المسيح يُعلن برّه فينا برفعنا داخليًا فوق الآلام وجعلها مصدر مجد حتى في هذا الزمان الحاضر، لنحتمل الضيقات بصبر المسيح على رجاء المجد الأبدي، فإنه من جانب آخر يهبنا بروحه القدوس "محبة الله" منسكبة في قلوبنا لكي تسندنا فلا يخزى رجاؤنا. بمعنى آخر صبرنا في التجارب واحتمالنا للألم لا يقف عند قوّة عزيمتنا أو إمكانيّاتنا البشريّة، إنما على عمل الله فينا، إذ يسكب حُبّه بفيض على المجاهدين روحيًا لأجل اسمه وبقوّة نعمته.

يقول الرسول: "والرجاء لا يخزى لأن محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا"   [5]. سرّ القوّة في الضيق، وانفتاح الرجاء في قلوبنا عطيّة الروح القدس الساكن فينا، إذ يهبنا محبّة الله غير المتغيّرة بفيض، قائلاً: "انسكبت" وكأنها تُعطى بلا حساب كمن تنسكب من السماء لتملأ القلب.

v     لم يقل الرسول "قد أعطيت" بل قال: "انسكبت في قلوبنا" ليظهر فيضها.

هذه العطيّة هي العظمى، فإنه لم يهبنا السماء ولا الأرض ولا البحر، إنما ما هو أثمن من هذه كله، جعلنا نحن البشر ملائكة، نعم بل أبناء الله وإخوة المسيح. لكن ما هي هذه العطية؟ الروح القدس!

لو لم يكن يريد أن يقدّم لنا أكاليل عظيمة على جهادنا لما وهبنا مثل هذه العطايا القادرة أن تسندنا في جهادنا. هنا يُعلن دفء محبته التي يكرمنا بها لا تدريجيًا ولا شيئًا فشيئًا، وإنما يسكبها بفيض بكونها ينبوع بركاته، وذلك قبل صراعنا.

هكذا وإن كنت لست مستحقًا بالمرة، لكنه لم يزدرِ بكَ، بل وهبكَ حب ديّانك كمعين قدير يسندك، لهذا يقول الرسول: "والرجاء لا يخزي"، ناسبًا كل شيء لمحبّة الله وليس لأعمالنا الذاتية الصالحة.

بعدما أشار إلى عطيّة الروح القدس عاد ليتحدّث ثانية عن الصليب[118].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

v     كأنه يقول أن محبّة الله قد انسكب في قلوبنا بالروح القدس الساكن فينا...

سامية هي فضيلة الحب المبجّلة، إذ يُعلن الرسول الطوباوي يوحنا أنها ليست فقط تُنسب لله بل هي الله: "الله محبّة، ومن يثبت في المحبّة يثبت في الله والله فيه" (1يو 4: 16) [119].

الأب يوسف

v     بهذا (القول الرسولي) نفهم أن الروح القدس ليس عملاً وإنما هو المدبر وينبوع الحب الإلهي الفائض[120].

القدّيس أمبروسيوس

v     كما أن جسدك إن صار بلا روح، أي بدون نفسك يكون ميتًا، هكذا نفسك بدون الروح القدس، أي بدون المحبّة، تُحسب ميّتة.

v     إن كان حب الله المنسكب في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا يجعل النفوس الكثيرة نفسًا واحدة، والقلوب الكثيرة قلبًا واحدًا، فكم بالأحرى يكون الآب والابن والروح القدس الله الواحد، النور الواحد، والبدء الواحد؟

v     إذ نكون أعضاء تربطنا الوحدة معًا؛ ما الذي يقيم هذه الوحدة إلا الحب الذي يربطنا معا؟

v     ليكن لك حب فيكون لك الكل؛ وبدونه كل ما يمكن أن يكون لك لا ينفعك شيئًا. إنما ما يجب أن تعرفه هو أن الحب الذي نتكلم عنه يُشير إلى الروح القدس. اسمع ما يقوله الرسول: "محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا"[121].

القدّيس أغسطينوس

v     [عن عمل الروح القدس في قلوب الشهداء بسكب حب الله فيهم.]

لقد جعلهم شهداءه بالروح القدس الفعُال فيهم، إذ يجعلهم يحتملون أتعاب الاضطهادات من كل نوع، ويصيرون متلألئين بالنار الإلهية، فلا يفقدون دفء محبتهم للكرازة[122].

القدّيس أغسطينوس

v     إنه يقول: "محبّة الله المنسكبة في قلوبكم"؛ ولكي لا يظن أحد أن محبّة الله هي من عندياته يضيف: "بالروح القدس المُعطى لنا". لذلك لكي تحب الله دعْ الله يسكن فيك، فيكون "الحب" ذاته فيك، بمعنى أن محبته تحركك وتلهبك وتنيرك.

v     لا تتقبل الملائكة ولا البشر الحكمة إلا بالشركة في هذه الحكمة التي نتّحد بها بالروح القدس الذي يسكب الحب في قلوبنا[123].

القدّيس أغسطينوس

v     [الحب الإلهي المنسكب في قلوبنا بالروح القدس يهبنا لا قدرة على تحقيق الوصايا الناموسية فحسب وإنما لذّة في تحقيق الوصايا الإنجيليّة التي تبدو صعبة ومستحيلة:]

"لأن محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس" (رو 5: 5).

بهذا يُنزع عنّا كل اهتمام بأي أمر آخر، ولا يرغب (المؤمن) في صنع ما هو ممنوع منه، أو يهمل فيما قد أُمر به. لكن إذ يكمل كل هدفه وكل اشتياقه في الحب الإلهي على الدوام، لا يقع في التلذذ بالأمور التافهة، بل ولا يطلب حتى الأمور المسموح له بها.

فتحت الناموس يسمح بالزوجات الشرّعيات، وهذا فيه قمع للذّة والخلاعة مكتفيًا الإنسان بامرأة واحدة، لكنه لا يبطل بهذا وخزات الشهوة الجسدانيّة، ويصعب إطفاء النار المتقدة والتي تُمون بوقود دائم، حتى لا تخرج إلى الخارج... أمّا الذين تضرمهم نعمة المخلص بحب الطهارة المقدس، فإنهم يهلكون كل أشواك الشهوات الجسديّة بنار الحب الإلهي...

كذلك من يقنع عند حد دفع العشور والبكور... بالتأكيد يخطئ في طريقة التوزيع أو كميته... أمّا الذين لم يزدروا بنصيحة الرب بل تركوا كل ممتلكاتهم للفقراء، وحملوا صليبهم، وتبعوا مانح النعمة لا يكون للخطية سلطان عليهم، إذ لا يساورهم القلق من جهة طعامهم اليومي... فالشخص الذي يدفع العشور والبكور... يستحيل عليه أن يتخلص من سلطان الخطية، وأما الذي تبع نعمة المخلص، فإنه يتخلص من حب الامتلاك[124].

الأب ثيوناس

خامسًا: اختيار محبة الله بالصليب

إذ يتحدث الرسول عن "برّ المسيح" يربط عمل الأقنوم الثاني أي كلمة الله المتجسد (السيد المسيح) بعمل الأقنومين الأول والثالث، فخلال برّ المسيح يعمل الأب إذ يهبنا روحه القدوس (الأقنوم الثالث) ساكنًا فينا، يسكب الحب الإلهي في أعماقنا. بمعنى آخر "الإنسان" هو موضوع لذّة الله الواحد المثلّث الأقانيم، يعمل فيه بلا انقطاع ليبلغ به إلى أمجاده كابن وحبيب وصديق نحيا معه أبديًا.

هكذا يعمل الثالوث القدوس فينا فيسكب حب الله في قلوبنا، الذي تجلّى في كمال أعماقه خلال عمل المسيح الخلاصي، إذ يقول الرسول:

"لأن المسيح إذ كنّا بعد ضعفاء مات في الوقت المعيّن لأجل الفُجّار.

فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار،

ربّما لأجل الصالح يجسر أحد أيضًا أن يموت،

فبالأولى كثيرًا ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب.

لأنه إن كنّا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه،

فبالأولي كثيرًا ونحن مصالحون نخلص بحياته.

وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضًا بالله بربنا يسوع المسيح

الذي نلنا به المصالحة" [6-11].

هذا هو ما يعلنه الروح القدس فينا: محبّة الله الفائقة لمصالحتنا خلال الصليب؛ ويلاحظ في هذا الإعلان الآتي:

أ. يسمى الرسول هذا الإعلان "سكب محبّة الله في قلوبنا". يوجد فارق بين المعرفة الفكرية للصليب التي يمكن أن نتمتّع بها خلال دراسة الكتاب المقدس، خاصة خلال شهادة الناموس والنبوّات التي مهدت أفكارنا لإدراك سرّ الفداء، أو سرّ محبّة الله بالصليب، وبين معرفة الخبرة التي يهبها الروح لأعماقنا في الداخل، حيث ينطلق بالنفس إلى الصليب لتلتقي بعريسها المصلوب، وتدرك حُبّه لها شخصيًا، فتلتهب بنيران المحبّة الحقيقية، وتشتهي أن ترد الحب بالحب.

ب. هذه المحبّة التي يسكبها الروح فينا ليست بجديدة بالنسبة لله، فهي في تدبيره الأزلي، لكنه حقّقها في الوقت المناسب لخلاصنا، أو "في الوقت المعيّن"، أو في "ملء الزمان"، إذ قيل: "ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبنّي" (غل 4: 4-5).

ج. قدّم الله هذا الحب من أجلنا، وقد دعانا "ضعفاء"، "الفُجّار"، فمن جهة كنّا ضعفاء مغلوبين بالخطيّة ساقطين تحت سلطان عبوديّتها. وفي نفس الوقت دعانا "فُجّارا" إذ لم نستسلم لها عن ضعف فحسب وإنما التهبت فينا، فصرنا نمارسها بعنف بكمال حريتنا، عن معرفة أيضًا وفي تهوّر.

كخطاة نشعر أننا ضعفاء في حاجة إلى طبيب يعالج ضعفنا، واهبًا إيّانا القوّة عِوض الضعف؛ وفُجّار نحتاج إلى القدوس يهبنا الاتحاد معه لينزع فسادنا وتجبُّرنا ممارسين قداسته فينا.

د. أراد إظهار عظمة محبّة الله لنا، إذ قدّم السيد المسيح حياته لنا ونحن ضعفاء وفُجّار، فبحسب المنطق البشري بالجهد أو بالكاد يمكن لأحد أن يموت عن بار، وربما يجسر أحد ويخاطر بحياته من أجل صالح، أما أن يموت أحد عن فاجرٍ شريرٍ، فهذا يبدو مستحيلاً!

ما الفارق بين البارّ والصالح؟ جاء في كتب ربانيي اليهود أن البارّ هو من يقول لجاره كل ما هو لي فهو لي وكل ما هو لك فهو لك، وأن الصالح يقول لجاره كل ما هو لك فهو لك وكل ما هو لي فهو لك[125]. بمعنى آخر البارّ يسلك بالعدل، فيعطي كل إنسان حقّه، متمسكًا بحقّه هو أيضًا، أمّا الصالح فيسلك بالحب يودّ أن يعطي ماله للآخرين. أمّا في مفهومنا المسيحي فالبار هو من يحمل برّ المسيح فيه، والصالح هو من يحمل صلاح المسيح فيه؛ وكأن البرّ والصلاح في حياتنا هما تجلّي سمتا المسيح في حياتنا.

لم يمت السيد المسيح من أجل صالحين وأبرار، وإنما من أجل الخطاة المقاومين له، الذي حملوا له العداوة.

v     إن كان من أجل إنسانٍ فاضلٍ لا يسرع أحد بالموت عنه، فتأمل محبّة سيّدك إذ صُلب لا من أجل أناس فضلاء، بل من أجل خطاة وأعداء[126].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم

v     أحبّنا ونحن نمارس العداوة ضده، ونرتكب الإثم، ومع ذلك فبحق كامل قيل: "يا رب أبغضت جميع فاعلي الإثم" (مز 5: 5). بهذا فإنه لأمر عجيب وإلهي أنه حتى حيث يبغضنا يحبنا، إذ هو يبغض فينا ما لم يخلقنا عليه... يبغض ما لم يصنعه فينا، ويحب ما خلقه فينا (يبغض الشرّ ويحب النفس مشتاقًا إلى خلاصها[127]).

القدّيس أغسطينوس

ه. إذ يحدثنا الرسول عن " برّ المسيح " الذي تُعلن مكافأته بكمالها في الحياة العتيدة الأبدية، يرى القديس يوحنا الذهبي الفم [128] أن الرسول أراد في هذا الأصحاح تأكيد التمتع بالوعود الإلهية الخاصة بالمجد الأبدي، وذلك بالبراهين التالية:

v     الإيمان بالله الذي وعد، أنه قادر أن يحقق وعده  [1].

v     النعمة التي وهبت لنا ونحن مقيمون فيها فعلاً  [2].

v     الضيقات التي تقدم لنا رجاء [3- 4].

v     عطية الروح القدس الذي نلناه، يسكب حبًا في قلوبنا [5].

v     أخيرًا موت المسيح بطريقة مملوءة حُبا، فقد مات، ومات من أجل الخطاة لا الأبرار، مات ليصالحنا ويخلصنا ويبررنا فيجعلنا خالدين وأبناء وورثة، دون حاجة إلي أن يموت مرة أخري.

هكذا ينتقل بنا الرسول من برهان إلي آخر، تارة خلال إيماننا بالله الذي وهبنا سلامًا معه فصرنا قريبين إليه، وأخري خلال نعمته العملية التي نقيم فيها فتفتح بصيرتنا للرجاء في السماويات، وثالثة خلال عمله معنا وسط الضيق، فيحوله إلي مجد نتذوق عربونه، ورابعًا خلال روحه القدوس الساكن فينا يعلن حب الله بلا حدود، وأخيرًا خلال التأمل في جراحات الرب وصلبه! هذه البراهين كلها تدفعنا نحو الثقة الكاملة في مواعيده الإلهية للتمتع بشركة أمجاده.

و. لا يقف الأمر عند اليقين بنوال الأمجاد الأبدية، إنما يقول الرسول:  وليس ذلك فقط بل نفتخر (نفرح) أيضًا بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة" [11]، ماذا يعنى هذا؟

يري القديس يوحنا الذهبي الفم أننا ليس فقط ننعم ببركات الخلاص هنا ونترجى الأمجاد الأبدية إنما يصير الله نفسه مجدنا وفخرنا وفرحنا. تعامل معنا كصديق مع أصدقائه، وحبيب مع محبوبيه، فنفرح به أكثر من الملكوت (لو أن الملكوت أمر غير الله)، نريد شخص الله ذاته. بمعنى آخر نلنا المصالحة لا لننعم بشيء إنما ما هو أعظم أننا صرنا أحباء الله، ليس فقط نقف بجوار مجده كالقوات السمائية المُحبة له، إنما نحمله ساكنًا فينا جالسًا علي العرش!

ز. إذ يتأمل القديس كبريانوس في محبة الله هذه كما وردت في هذه العبارات الرسولية، يقول: [إذ نتأمل محبته ورحمته يليق بنا ألا نكون قساة ولا عنيفين ولا صارمين في تبكيت الأخوة بل نحزن مع الحزانى، ونبكي مع الباكين، ونرفعهم قدر ما نستطيع خلال عون وتعزية حبنا لهم، فلا نكون قساة جدًا ومتشبسين معهم نصدهم في توبتهم كما لا نكون متراخين جدًا ومتساهلين بتهور في قبول الشركة[129].]

2. آدم وبنوه تحت الموت

حديث الرسول بولس عن البنوة الجسدية لإبراهيم نقلنا إلي حاجة إبراهيم نفسه إلي برّ المسيح خلال الإيمان، موضحًا ثمر برّ المسيح في حياة المؤمن. والآن يوضح الرسول خضوع كل بنى آدم، بما فيهم إبراهيم طبعًا، للموت، لكي يعلن حاجة الكل إلي نعمة المسيح وبره، إذ يقول:

"من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلي العالم،

وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلي جميع الناس

إذ أخطأ الجميع.

فإنه حتى الناموس كانت الخطية في العالم،

على أن الخطية لا تحسب، إذ لم يكن ناموس.

لكن قد ملك الموت من آدم إلي موسى،

وذلك علي الذين لم يخطئوا علي شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي " [12-14].

في هذا الحديث أوضح الرسول الآتي:

أولاً: فضح علة دخول الموت إلي البشرية وسلطانه عليها لكي يبرز بعد ذلك قوة تبريرنا بالسيد المسيح غالب الموت. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما يبذل أفضل الأطباء كل الجهد لاكتشاف مصدر الأمراض ويبلغون أصل الداء عينه هكذا فعل الطوباوي بولس أيضًا، فعندما قال أننا قد تبررنا، مؤكدًا ذلك خلال البطريرك (إبراهيم)، والروح (القدس)، وموت المسيح (لأنه ما كان ليموت إلا ليبرر)، أخذ بعد ذلك يؤكد ما سبق أن أوضحه بإسهاب خلال مصادر أخرى، محققًا هدفه ببرهان آخر مضاد، أي الموت والخطية[130].]

كأن الرسول يسأل: متى دخل الموت؟ وكيف غلب؟، فيجيب: "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلي العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلي جميع الناس، إذ أخطأ الجميع" [12]. لقد أظهر أن الخطية بدأت بالإنسان الأول، وتملّك الموت غالبًا إياه، وقد صار الكل مخطئين وإن لم يسقطوا في ذات المعصية. صارت الخطية منتشرة في الطبيعة البشرية لكنها غير مُكتشفة حتى جاء الناموس، فظهرت بعصيان الإنسان لوصايا معينة: "فإنه حتى الناموس كانت الخطية في العالم على أن الخطية لا تُحسب إن لم يكن ناموس" [13].

دبت بذار الموت مع الخطية منذ آدم، لكن الموت لم يكن ثمرة عصيان للناموس بل ثمرة عصيان أبينا آدم. ملك الموت علي الذين لم يخطئوا بعصيان الناموس إنما خلال شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي [14].

v     في آدم سقطت أنا، وفيه طُردت من الفردوس، وفيه مت، فكيف يردني الرب إلا بأن يجدني في آدم مذنباً، إذ كنت هكذا، أما الآن ففي المسيح أتبرر أنا[131].

القديس أمبروسيوس

v     لذلك يقول: " افرحوا، أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33).

هذا قاله كمصارع لائق ليس بكونه الله فحسب، وإنما بإظهار جسدنا (الذي التحف به) كغالبٍ للألم والموت والفساد.

لقد دخلت الخطية إلي العالم بالجسد، وملك الموت بالخطية علي جميع الناس، لكن دينت الخطية بذات الجسد في شبه (شبه جسد الخطية)، فقد غُلبت الخطية، وطرد الموت من سلطانه، ونُزع الفساد بدفن الجسد وظهور بكر القيامة، وبدأ أساس البرّ في العالم بالإيمان، والكرازة بملكوت المسوات بين البشر، وقيام الصداقة بين الله والناس[132].

القديس غريغوريوس صانع العجائب

v     حتى الأطفال الذين لا يخطئون في حياتهم الشخصية إنما حسب الجنس البشري العالم يكسرون عهد الله، إذ أخطأ الكل في واحد[133].

القديس أغسطينوس

ثانيا: يري القديس إيريناؤس[134] أنه بالخطية "ملك الموت من آدم إلي موسى" [14]، أما وقد جاء الناموس في العصر الموسوي، انفضحت الخطية، وظهرت أنها خاطئة، وأُعلن أن الموت ليس ملكًا حقيقيًا إنما هو مُغتصب ومجرم يمثل ثقلاً علي الإنسان.

ثالثا: ماذا يقصد بعبارة "آدم الذي هو مثال الآتي" [14]؟ يجيب القديس يوحنا الذهبي الفم أنه كما بواحدٍ صار الحكم علي الكل بواحدٍ أيضًا صار البرّ لكل المؤمنين. كما سقط الكل تحت الموت مع أنهم لم يأكلوا مع آدم من الشجرة، هكذا قُدم الخلاص للعالم دون فضل من جانبهم، إنما يرجع الفضل لبرّ المسيح الذي يهبه خلال شجرة الصليب.

يؤكد القديس الذهبي الفم أنه لا يفهم من هذا أن الخطية والنعمة متساويان، ولا الموت والحياة عديلان، لأن الشيطان والله ليسا متساويين.

رابعا: إن كان الموت قد ملك علي البشرية بسبب آدم، فقد جاء كلمة الله متجسدًا كآدم الثاني لينزع عن الإنسان هذا السلطان القاتل:

v     من آدم إلي موسى ملك الموت، لكن حضور الكلمة حطّم الموت (2 تي 1: 10). لم يعد بعد في آدم يموت جميعنا (1كو 15: 22)، إنما صرنا في المسيح نحيا جميعنا[135].

القديس البابا أثناسيوس

v     منذ القديم: "تسلط الموت من آدم إلي موسى"، أما الآن فالصوت الإلهي يقول: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 43). إذ يشعر القديس بهذه النعمة يقول: "لولا ان الرب كان معي لهلكت نفسي في الهاوية"(مز 94: 17) [136].

القديس البابا أثناسيوس

v     إذ أخطأ الإنسان وسقط صار كل شيء في ارتباك بسقوطه، وتسلط الموت من آدم إلي موسى، ولعنت الأرض، وانفتح الجحيم، وأُغلق الفردوس، وتكدرت السماء، وأخيرًا فسد الإنسان وتوّحش (مز 49: 12) بينما تعظم الشيطان ضدنا. لذلك فإن الله في حبه الحاني لم يرد للإنسان الذي خُلق علي صورته أن يُهلك، فقال: "من أرسل؟ ومن يذهب من أجلنا؟" (إش 6: 8). وإذ صمت الكل قال الابن: "هأنذا أرسلنى"، عندئذ قيل له: "اذهب" وسُلم إليه الإنسان، حتى إذ صار الكلمة جسدًا، فبأخذه الجسد أصلح الإنسان بكليته. لقد أُسلم إليه الإنسان كما إلي طبيب ليشفيه من لدغة الحية، فيهبه الحياة، ويقيمه من الموت، ويضئ عليه، وينير الظلمة. إذ صار جسدًا جدّد الطبيعة العاقلة وردّ كل الأشياء إلي الصلاح والكمال[137].

القديس البابا أثناسيوس

3. آدم الثاني والنعمة

إذ عرض لآثار الخطية الأولى التي ارتكبها آدم الأول، فملك الموت علي الكل، حتى على الذين هم بلا ناموس مكتوب حيث لا يوجد عصيان ضد وصية معينة معلنة، يعود فيعرض لآثار النعمة الإلهية التي يقدمها آدم الثاني ليخلص العالم من موت الخطية ويهب المؤمنين الحياة الأبدية، مظهرًا الفارق بين فاعلية الخطية وفاعلية النعمة.

"ولكن ليس كالخطية هكذا أيضًا الهبة،

لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون،

فبالأولي كثيرًا نعمة الله،

والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح

قد ازدادت للكثيرين" [15].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما يقوله هو هكذا: إن كان للخطية آثارها البعيدة المدى هكذا وهي خطية إنسان واحد، فكم بالأولى تكون النعمة، نعمة الله، التي هي نعمة الآب والابن أيضًا يكون لها فيض؟ ربما معاقبة إنسان من أجل خطأ ارتكبه آخر يبدو غير مقبول، لكن ما هو أكثر قبولاً ومنطقيًا أن يخلص إنسان بسبب آخر[138].]

"وليس كما بواحد قد أخطأ هكذا العطية،

لأن الحكم من واحد للدينونة،

وأما الهبة فمن جري خطايا للتبرير" [16].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:

[للخطية قوتها إذ تجلب الموت والدينونة، وأما النعمة فلا تبرر خطية واحدة فحسب إنما الخطايا التي تبعتها أيضًا. ولئلا يُفهم من الكلمتين "كما"، "هكذا" تساوى البركات مع الشرور، ولئلا عند سماعك "آدم" تظن أن الخطية التي ارتكبها آدم هي وحدها التي تُغفر، لذلك يقول: من جري خطايا كثيرة للتبرير فقد تحقق التبرير بعد ارتكاب خطايا بلا حصر بعد الخطية التي أُرتكبت في الفردوس.

حيث يوجد البّر تتبعه بالضرورة الحياة بكل وسيلة، ويرافقه بركات بلا حصر، وذلك كما أنه حيث توجد الخطية يحدث الموت. البرّ هو أكثر من الحياة، وهو أصل الحياة

سبق فقال أنه إن كان بخطية واحد مات الكل فبالأولي نعمة الواحد لها سلطان أن تخلص عاد فأوضح أن النعمة ليست فقط تنزع الخطايا وإنما تهب البرّ. فالمسيح لم يقدم خيرًا بقدر ما جلب آدم من أضرار، وإنما أكثر جدًا بما لا يُقاس[139].]

إن كنا قد ورثنا عن آدم عصيانه، إنما حملنا هذه الطبيعة فينا، لذا جاء السيد المسيح بنعمته يقدم لنا "طاعته" لنحياها، فنحمل طاعة المسيح فينا، لا كفضيلة خارجية وإنما كطبيعة تمس كياننا، إذ يقول الرسول: "لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة هكذا أيضا بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبرارًا"   [19]. هذه الطبيعة المتبررة الجديدة، طبيعة الطاعة للآب بابنه، تحمل انعكاسا علي كل تصرفاتنا فنشتهي الطاعة لو أمكن للجميع، وكما يقول القديس إمبروسيوس: [إذ كان هو مطيعًا، ليتهم يقبلون تدبير الطاعة، الأمر الذي نلتصق به، قائلين للذين يثيرون الشر ضدنا من جهة الإمبراطور: "نحن نعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". نقدم الجزية لقيصر ولا ننكرها، وننتمي للكنيسة التي لا تخص قيصر، فإن هيكل الله لا يمكن أن يكون من حق قيصر[140].]

عاد ليؤكد مرة أخري أنه لا وجه للمقارنة بين الضرر الذي أصابنا من الخطية مهما بلغ بالنسبة للخير الذي ننعم به خلال برّ المسيح ونعمته، إذ يقول: "لأنه إن كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد، فبالأولي كثيرًا الذين ينالون فيض النعمة، وعطية البرّ سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح" [17].

يشرح القديس يوحنا الذهبي الفم هذه العبارة موضحًا أن الرسول لم يقل هنا "النعمة" بل "فيض النعمة"، لأننا لم ننل بنعمته زوال الخطية فحسب وإنما نلنا ما هو أكثر:

أ . نلنا التحرر من العقاب.

ب . التحرر من الشر.

ج . الميلاد الجديد من فوق (يو 3: 3).

د. القيامة أو الحياة المقامة.

وهبنا الخلاص والتبني والتقديس، فصرنا إخوة للابن الوحيد الجنس، وشركاءه في الميراث، وحُسبنا جسدًا له وهو الرأس، وهكذا اتحدنا به.

هذا كله دعي الرسول بولس أن يقول: " فيض النعمة" مظهرًا إن ما نلناه ليس مجرد دواء لتضميد الجراحات وإنما للتمتع بالصحة والسلامة والكمال والكرامة والمجد، الأمور التي تفوق طبيعتنا. كل عطية من هذه كفيلة أن تنزع عنا الموت، أما كونه يهبنا هذا كله، فهذا يعنى أنه لم يعد للموت أدنى أثر أو ظل.

يقول القديس الذهبي الفم أننا في هذا نشبه إنسانًا مدينًا بعشر وزنات وإذ لم يكن له ما يوفي الدين سجن هو وزوجته وأولاده، فجاء آخر لا ليسدد الدين فحسب، وإنما ليهبه عشرة آلاف وزنة ذهبية، ويقوده من السجن إلي العرش، ويهبه سلطانًا عظيمًا، ويجعله شريكًا معه في الأمجاد العلوية وكل عظمة، حتى لم يعد بعد يذكر موضوع الدين. هكذا يدفع لنا السيد أكثر مما علينا، نعم قدر ما يتسع محيط بلا حدود مُقارنًا بحفرة صغيرة.

لقد غطت هبات الله علي موضوع الخطية والموت، فصار يشغلنا عظم فيض نعمته الخاصة بالحياة الأبدية.

يحدثنا القديس جيروم علي بركات فيض نعمة المسيح أو عمل إنجيله الذي يهدم موت الخطية، قائلاً: [أما تحت المسيح ـ أي تحت إنجيله ـ ففُتح لنا باب الفردوس وصار الموت مصحوبًا بالفرح لا بالغم[141].]

قدم لنا الرسول مقارنة بين أثر الخطية وأثر النعمة الإلهية لنجد أنفسنا وقد قدم لنا السيد المسيح فيض نعمته فلا نعود نخاف الخطية، ولا نرهب الموت كأثرٍ لها، بل ننشغل بالأمجاد التي أعدتها لنا نعمته الفائقة. عاد ليقارن بين الناموس والنعمة، قائلاً: "وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية، ولكن حيث كثرت الخطية إزدادت النعمة جدًا، حتى كما ملكت الخطية في الموت هكذا تملك النعمة بالبر للحياة الأبدية بيسوع المسيح ربنا" [20- 21].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأن الناموس قد أُعطى بحق لكي ينقص العصيان ويتدمر لكن النتيجة جاءت عكسية، لا بسبب طبيعة الناموس وإنما بسبب إهمال الذين قبلوه. جاء يكشف المعصية ويدين العصاة متهمًا إياهم بالأكثر. لكننا لا نخاف، لأن الناموس لم يُوضع لكي تزداد عقوبتنا، وإنما لكي نتقبل النعمة التي ازدادت جدًا، إذ لم تقدم لنا إعفاءً من العقاب فحسب وإنما وهبتنا الحياة. صرنا أشبه بإنسان كان محمومًا فلم يُشف من مرضه فحسب، وإنما نال جمالاً وقوة وكرامة، كما نشبه إنسانًا جائعًا لم ينل غذاء ليقوته فحسب، وإنما تمتع بغنى عظيم وسلطان.

ربما يتساءل البعض: كيف كثرت الخطية بالناموس؟ لأنه قدم وصايا كثيرة بلا حصر وقد عُصيت، فازداد العصيان.

كشف الناموس أيضا أصل الموت والحياة، إذ أظهر أن الخطية تسلحت بالموت لتبيد البرّ، لكن النعمة حطمت سلاح الموت، ووهبتنا البرّ علي مستوي الحياة الأبدية الخالدة.

يقدم لنا القديس أغسطينوس تفسيرًا لازدياد الخطية بالناموس، إذ يقول:

[جاء الناموس لكي تكثر المعصية، لأن المنع جعل الشهوة تزداد، وصيرها عنيفة (رو 7: 7). وهكذا صارت المعصية التي لم تكن بدون الناموس رغم وجود الخطية (حتى قبل الناموس) "إذ حيث ليس ناموس ليس أيضا تعدٍ" (رو 5: 20). وهكذا زادت قوة الخطية، وذلك بالناموس، مع عدم مساعدة النعمة، والمنع من الخطية، لذلك يقول الرسول "وقوة الخطية هي الناموس" (1 كو 15: 56).

إذن لا عجب إن كان ضعف الإنسان يجعل من الناموس الصالح ما يزيد من الشر، مع أنه قد عهد إليه به لينفذ الناموس.

حقا إذ هم جاهلون ببرّ الله (رو 10: 3) الذي يهبه للضعفاء، ويريدون أن يقيموا برّهم الذاتي، الأمر الذي يتجنبه الضعفاء، صاروا غير خاضعين لبرّ الله وفاسدين ومتكبرين. لكن الناموس كمعلمٍ يقود الذين صاروا مجرمين إلي النعمة، طالبين "الطبيب" لأن بهم جراحات خطيرة، فيعطيهم الرب عذوبة في عمل الخير عوض لذة الشهوة المهلكة، حتى تكون لهم بالعفة بهجة أعظم، وتعطى أرضهم ثمرها (مز 135: 12) الذي منه يقتات الجندي (الروح) الذي يهزم الخطية بمساعدة الرب[142].]

[112] Ep. 60: 3.

 

[113] In Rom. hom 9.

[114] In Rom. hom 9.

[115] In Rom. hom 9.

[116] In Rom. hom 9.

[117] On Ps. hom 39.

[118] In Rom. hom 9.

 

[119] Cassian: Conf 16: 13.

[120] Of the Holy Spirit 1: 8(94).

[121] In Ioan. Tr 9: 8; 39: 5; 27: 9; 32: 8.

[122] Ibid 94: 2.

[123] Ser. On N.T. lessons 78: 4; Harm. Of the Gospel 1: 34.

 

[124] Cassian: Conf 21: 33.

[125]  الكنز الجليل فى تفسير الإنجيل- رسالة رومية، ص 72.    

[126] In Rom. hom 9.

[127] In Ioan. Tr. 110: 6.

[128] In Rom. hom 9.

[129] Ep. 51: 19.

[130] In Rom. hom 10.

[131] On Belief of Resur. 2: 6.

[132] 12 Topics of Faith 12.

[133] City of God 16: 27.

[134] Adv Haer 3: 18: 7.

[135] Against Arians, Dise 1: 59.

[136] Pasch. Ep. 5: 3.

[137] On luke 10: 22.

[138] In Rom. hom 10.

[139] In Rom. hom 10.

[140] Ser. Against Auxentius 36.

[141] Ep. 39: 4.

[142] On Continence.