الأصحاح الأول

كما يحمل الإنسان ابنه

افتتح السفر بمقدمة عن عظات موسى النبي الوداعية، حيث يستعرض ظروف الكتابة وتاريخها وموقعها. هي أشبه بمقدمة تاريخية يُقدمها ملك الملوك ليعلن معاملاته مع شعبه في الماضي حين كان الشعب في البرية بلا عون بشري. بهذا يحثهم على قبول العهد الإلهي والتجاوب مع الميثاق القائم بين الله وشعبه.

حَوَت العظة الأولى عرضًا تاريخيًا للرحلة من حوريب حتى الوصول إلى أرض موآب (الأصحاحات 1-3).

في هذا الأصحاح يوضح رعاية الله لشعبه في وسط البرية، ومشاركة الشعب في القرارات مع موسى النبي. فإن كان الله قد اختار موسى قائدًا، في وقتٍ كان فيه الشعب عاجزًا عن أخذ قرار مصيري، فإن الله وهبهم قائدًا محبًا للشعب يود أن يشترك الشعب معه. وقد قابل الشعب هذا كله بالعصيان والجحود وعدم الثقة.

1. مقدمة                                      [1-5].

2. الله يحقق وعده لآبائهم                     [6-8].

3. مشاركة الشعب في تدبير أمورهم          [9-18].

4. التشكك وإرسال الجواسيس                 [19-40].

5. إصرار على العصيان                       [41-46].

1. مقدمة:

في هذه المقدمة يظهر دور موسى الرعوي، فمع شيخوخته، إذ بلغ حوالي 120 عامًا، ومع إدراكه أنه قد تمم رسالته، وكان عليه أن يسلم القيادة لتلميذه يشوع قدم ثلاثة أحاديث طويلة مع جميع الشعب. أنه القائد المعلم المخلص، الذي يتحدث بروح الأبوة الحانية الحازمة. لن يكف عن تعليم شعبه حتى اللحظات الأخيرة من عمره.

لم يستعرض موسى النبي إنجازاته خلال الأربعين عامًا من خدمته؛ وقد كان له الكثير ليتحدث عنه، لكنه استعرض عمل الله معهم، مهتمًا بخلاصهم وأبديتهم. إن كل ما يشغله ليس نجاحه في العمل، بل تمتع شعبه بالله، حتى يقبل الشعب الدخول في عهدٍ مع الله لا مع موسى. أظهر موسى النبي أنه يطلب فعلاً ما هو لبنيانهم ونموهم بإخلاص، وليس ما هو لنفسه.

مع أن الشعب كان على أهبة الدخول في سلسلة لا تنقطع من المعارك مع الأمم التي تسكن في أرض الموعد، لكن موسى لم يتحدث عن الشئون العسكرية، ولا عن تنظيمات خاصة بالحياة الجديدة، إنما كل ما كان يشغله علاقتهم بالله كأساس حيّ لنصرتهم ونموهم في كل جوانب الحياة.

"هذا هو الكلام الذي كلّم به موسى جميع إسرائيل في عبر الأردن في البرية في العربة قبالة سوف بين فاران وتوفل ولابان وحضيروت وذي ذهب" [1].

يظهر اسم موسى 99 مرة في العهد الجديد، تلقي كل مرة منها ضوءً على هذا السفر.

"جميع إسرائيل" نجد هنا واحدة من العبارات المميزة لسفر التثنية "شعب الرب". فإن موسى يكلم الشعب كله، جميع إسرائيل، ويدعوهم للسماع. لا يعني هذا أن موسى تحدث مع الشعب كله مباشرة، فإن هذا غير ممكن عمليًا، لكن يرى اليهود أن موسى تحدث مع شيوخ إسرائيل، وهم تحدثوا مع الشعب. فكثيرًا ما جاء تعبيرا "شيوخ إسرائيل"، "والشعب" متعادلان كما في (حز 12: 3، 21؛ لا 9: 1، 5).

تكرار استخدام تعبير "جميع إسرائيل" [1] في هذا السفر إنما لتأكيد معاملات الله معهم كشعب واحد، لا لأنه من نسل يعقوب وإنما لارتباطهم معًا في وحدة في عهد مع الله. هذا العهد هو عهد الجماعة كلها الذي من خلاله يتمتع كل مؤمن بعلاقات شخصية مع الله، وكأن العهد يُقام معه شخصيًا لكن دون انعزالية أو فردية أو أنانية. فالله يقيم كنيسته عروسًا واحدة، ويقيمنا نحن أعضاء في العروس الواحدة المتحدة بعريسها.

في قوله "عبر الأردن" [1، 5] قاصدًا "شرقي الأردن" لا يعنى بالضرورة أن الكاتب موجود في غرب الأردن حتى يعبِّر عن شرق الأردن هكذا، إنما هو اصطلاح كان جاريًا منذ القديم عن تسمية خاصة بـ "شرقي الأردن"، ولا زال هذا الاصطلاح مستخدمًا حتى عصرنا هذا. وإن كان البعض يرى أن مقدمة السفر ونهايته وضعهما يشوع بن نون أو العازار الكاتب بعد تسجيل عظات موسى النبي.

وردت هذه العبارة 18 مرة في التثنية ويشوع للتعبير عن جانب من الأردن أو الجانب الآخر أو كل دائرة الأردن، وهي تعني في 12 مرة منها الجانب الشرقي وفي الست الأخرى الجانب الغربي. وتضاف بعض التوضيحات أحيانًا لتحدد الجانب المقصود.

حدد الكاتب الموقع الذي فيه قدم موسى النبي عظته بالآتي:

أولاً: "في البرية"، ومعناها العبري الحرفي "مكان السوق" أي مرعى واسع، وهي تطلق على أي مكان غير مأهول، سواء أكان خصيبًا أم مجدبًا. فإننا مادمنا في برية هذا العالم نحن في حاجة إلى كلمة الله. الوصية هي رفيق في الغربة، نقول مع المرتل: "غريب أنا على الأرض، فلا تخفِ عني وصاياك" (مز 119: 19).

v     من يُحب الأرضيات وشهواتها لا يفكر في أن يكون مع المسيح بعد انتقاله، ولا يقدر أن يقول: "غريب أنا على الأرض"، إذ هو مهتم بما للأرض. أما من يقول: "لا تخفِ عني وصاياك" فهو قديس... لذلك يطلب النبي من الله أن يكشف له عظائم وصاياه للحياة السماوية[19].

العلامة أوريجانوس

v     بكونه غريبًا على الأرض صلى (المرتل) إلاَّ تُخفى عنه وصايا الله، حيث يتمتع بالحب كأمرٍ فريدٍ أو رئيسيٍ، الآن يُعلن أنه يشتهي أن يكون له الحب من أجل أحكامه. هذه الشهوة تستحق المديح لا الدينونة[20].

القدِّيس أغسطينوس

ثانيًا: "في العربة" كلمة "عربة" اسم عبري معناه "قفر"، يقصد به هنا المنخفض من البحر الأحمر إلى خليج العقبة والأراضي المشابهة له. والعرب اليوم يسمون هذه المنطقة "العربية". وفي حزقيال (47: 8) قصد به من شمال البحر الميت إلى خليج العقبة، وطوله مائة ميل. ذكر في (يش 11: 2؛ 12: 1؛ عا 6: 14). في وسط مرارة القفر يقدم لنا الله كلمته فنردد: "إن كلماتك حلوة في حلقي، أفضل من العسل والشهد في فمي" (مز 129: 102).

لكلمة الله عذوبة خاصة، أحلى من كل فلسفات العالم ومعرفته وحكمته. شتان بين من يدرس كلمة الله بطريقة عقلانية بشرية جافة، وبين من يأكلها ليغتذي بها، فيجدها طعامًا مشبعًا وحلوًا، أشهى من العسل والشهد. إنها تعطي عذوبة للنفس، فتحول جفاف قلبنا القاسي إلى عذوبة الحب المتسع والمترفق! كأن كلمة الله في عذوبتها تحول المؤمن إلى الحياة العذبة، فيستعذب الآخرون الشركة معه.

v     أحيانًا يكون لعبارات كتابية عذوبة متزايدة في الفم (مز 119: 103) كما قد يكرر المرء عبارة بسيطة (من الكتاب المقدس) في الصلاة عدة مرات دون أن يشبع منها وينتقل منها إلى عبارة أخرى[21].

 مار اسحق أسقف نينوى

v     صارت كلمات الله حلوة لي مثل عسل الشهد، وصرخت من أجل المعرفة، ورفعت صوتي لأجل الحكمة[22].

القدِّيس غريغوريوس النزينزي

ثالثًا: "قبالة سوف". كلمة سوف Cuwp في العبرية معناها "أحمر" فإنها تُشير إلى البحر الأحمر إن ارتبطت بكلمة "يم Yam" أو بحر، كما تعني أيضًا "زوبعة". وإذ لم تُذكر هذه الكلمة هنا، فإنها تعني موضعًا في سهول موآب أو ملاصقًا لها، تُدعى "سوفة". وقد أشار بطليموس إلى شعب يُدعى السوفونيين Sophonites سكن في عربية بترا Arabia Petraea، هذا الشعب غالبًا ما أخذ اسمه عن اسم الموضع "سوف"[23].

أينما رددت كلمة الله تكون قبالة بحر سوف أو قبالة البحر الأحمر، لأن غاية الكلمة هي العبور بنا من أرض العبودية والدخول بنا إلى كنعان السماوية. هذا لن يتحقق بدون مياه المعمودية، حيث نتمتع بالعماد مع السيِّد المسيح، فننال بروحه القدوس روح البنوة لله.

رابعًا: فاران Paran اسم البرية التي على حدود Idumea حيث كان الإسرائيليون معسكرين (عد 10: 12؛ 12: 16) وهي جنوبي الأردن تجاه جبل سيناء. هذه البرية غالبًا ما تكون هي صحراء التيه. وهي عبارة عن مساحة مسطح غير منتظم يمتد من سلسلة جبال التيه من الجنوب إلى حدود الأرض المقدسة، ومن خليج العقبة ووادي العربة في الشرق إلى خليج السويس والبحر المتوسط غربًا.

لبرية فاران ذكريات كثيرة من بينها ارتحل إليها الشعب من حضيروت (عد 12: 16) بعد شفاء مريم أخت هرون من برصها إذ شفع فيها أخوها بالرغم من تذمرها عليه. يرى العلامة أوريجانوس أن كلمة فاران معناها "الفم المنظور" إشارة إلى "التجسد الإلهي". فإنه بشفاء مريم من برص عدم الإيمان انطلق الموكب إلى فاران، أي إلى الإيمان بالتجسد الإلهي كطريق للعبور إلى السماء، والاستماع إلى كلمة الله المتجسد.

خامسًا: توفل Tophel اسم عبري معناه "كلسي" ربما يكون الموضع الذي يُسمى حاليًا طفيلة Tufailah Tafylah، وهي قرية ضخمة تضم حوالي 600 شخصًا بين Bozrah  وkerak  في الجانب الشرقي لجبال آدوم، تبعد حوالي 14 ميلاً جنوب شرقي البحر الميت. يستخدم الكلس لتغطية الأسوار حتى لا يستطيع العدو أن يتسلقها أثناء المعركة. هكذا تهبنا الكلمة قوة، فلا يقدر العدو أن يتسلل إلينا ويصعد على أسوارنا.

سادسًا: لابان Laban: اسم عبري معناه "الأبيض". يقال لها لبنة Libnah، المحطة الثانية التي عسكر فيها الإسرائيليون عند عودتهم من قادش (عد 33: 20-21)[24]. اللون الأبيض يرمز للنقاوة، فإن غاية الكلمة الإلهية هي التمتع بالطهارة.

سابعًا: حضيروت[25] Hazeroth ربما هي عين خضراء التي تبعد حوالي 36 ميلاً شمال شرقي جبل سيناء. هناك تذمرت مريم وأيضًا هرون على موسى حيث صارت برصاء (عد 12). كلمة "حضيروت" معناها "استقرار"، ويرى العلامة أوريجانوس أن معناها "بناء كامل (مستقر)" أو "تطويب". ويرى البعض أن معناها "ديار" أو حظائر. فإن غاية الوصية هو الاستقرار في حضن الآب.

يفترض أنه الموضع المذكور في (عد 11: 35؛ 12: 16) دخل منه الإسرائيليون إلى برية فاران، ولكن لما كانت بقية المواضع هنا على الجانب الشرقي من العربة لذلك يحتمل أن حضيروت هنا غير تلك المذكورة في سفر العدد، التي يلزم أن تكون بعيدة عن سيناء من جهة الجنوب أو الجنوب الغربي من جبل سيناء، يحتمل تكون عند عين خضراء El-Hudherah. غالبًا ما توجد أماكن كثيرة تحمل اسم حضيروت.

ثامنًا: ذو ذهب. غالبًا غير ذهب التي على خليج العقبة، إذ توجد مناطق كثيرة تسمى "ذهب". معناه "من لديه ذهب". الذهب يُشير إلى السماء، فإن غاية الوصية هو انطلاق القلب إلى السماء حتى يتمتع الإنسان بكليته بالحياة السماوية.

"أحد عشر يومًا من حوريب على طريق جبل سعير إلى قادش برنيع" [2].

في اختصار فإن الموقع الذي فيه قدم موسى عظته الوداعية الأولى، أو قدم وصية الله للجيل الجديد تكشف عن عمل كلمة الله في حياة المؤمن:

v     تُشير "البرية" إلى حاجة الإنسان إلى الوصية كرفيق له في غربته على الأرض.

v     و"العربة" تشير إلى عذوبة الوصية في وسط قفر هذا العالم.

v     و"قبالة سوف" توضح حاجتنا إلى التمتع بمياه المعمودية، كمن يعبر بحر سوف مع شعب الله، منطلقين من أرض العبودية، متجهين نحو كنعان السماوية.

v     و"فاران" تذكرنا بتجسد الكلمة، الذي جاء يتحدث معنا بوصيته فمًا لفمٍ.

v     و"توفل" توضح حاجتنا إلى الوصية كسورٍ مغطى بالكلس، فلا يقدر عدو أن يتسلقه.

v     و"لابان" تؤكد غاية الوصية وهو الدخول إلى النقاوة.

v     و"حضيروت" تعلن لنا عن تمتعنا بالاستقرار الداخلي خلال الطاعة للوصية الإلهية.

v     و"ذو ذهب" ترفع قلوبنا إلى السماء، الأمر الذي لن يتحقق إلاَّ بالوصية كطريق ملوكي إلهي سماوي.

يرى المفسرون اليهود أن البلاد المذكورة هنا تشير إلى المناطق التي أخطأ فيها الشعب بصورة واضحة[26]. وكما سبق فقلنا أن اليهود يتطلعون إلى سفر التثنية كسفر التوبيخ. "The book of reproofs". كأن موسى النبي يعلن عن ضرورة تجديد العهد مع الله في وسط مواقع الخطية، حيث يستطيع الله وحده أن ينتشلنا ويحملنا بذراعيه إلى أرض الموعد، واهبًا إيَّانا وعوده الغنية المشبعة.

إلى يومنا هذا أحيانًا تُحسب المسافات في منطقة الشرق الأوسط حسب الساعات أو الأيام التي يقضيها المسافرون. فرحلة اليوم الواحد على القدمين تبلغ حوالي 20 ميلاً، وعلى الجمال (في الصحراء) 3 أميال في الساعة أو 30 ميلاً في اليوم. وفي القوافل حوالي 25 ميلاً. غير أن الإسرائيليين إذ كانوا ينتقلون بأطفالهم وقطعانهم، ويحملون معهم الكثير من ممتلكاتهم لذلك كانت الرحلة بطيئة عن المعدل العادي. يرى البعض إنها لم تكن تبلغ عشر أميال، بل أحيانًا خمسة.

"حوريب" ومعناها الحرفي "خراب" (قارن إرميا 44: 2)، وهو اسم يطلق على المنطقة حول جبل سيناء حيث ظهر الله لموسى أولاً (خر 3: 1). يميز موسى النبي في رحلة البرية بين حقبتين رئيسيتين: الحقبة الأولى: هي حقبة الجيل القديم المتذمر غير الشاكر وغير المؤمن، امتدت قرابة أربعين عامًا، كانوا في تيه. والحقبة الثانية: هي رحلة الإحدى عشر يومًا.

قادش برنيع: "قادش" معناها "مقدس"، وهناك أماكن كثيرة بهذا الاسم. تقع قادش برنيع في أقصى جنوب اليهودية، وكانت أول محطة لإسرائيل في الرحلة من سيناء، ومن هناك أرسل الجواسيس وإليها عادوا (عد 12: 16، 13: 26) وهي على مسيرة 11 يومًا من جبل موسى (165 ميلاً).

يشير موسى النبي إلى رحلة الإحدى عشر يومًا من جبل سيناء، أو حوريب (6: 19؛ 4: 10، 15) إلى قادش برنيع حيث صار الشعب في مدخل أرض الموعد. لقد قاموا برحلة قرابة أربعين عامًا لم تكن إلاَّ تيهًا بسبب عدم الإيمان، بينما رحلة إحدى عشر يومًا دخلت بهم إلى أبواب أرض الموعد. رحلة الإحدى عشر يومًا مع الإيمان عوّضت فترة قرابة أربعين عامًا من التيه بسبب عدم الإيمان. هكذا يعمل الإيمان في حياتنا ليعوض السنوات التي أكلها الجراد.

الخطية، خاصة عدم الإيمان، تدخل بالإنسان إلى حالة تيه، فلا يعرف الإنسان إلى أين يذهب. إنها تحول الطرق القصيرة إلى تيه لمدة طويلة. أما رحلة الإيمان فتحمل النفس في فترة وجيزة إلى أبواب السماء أو كنعان العليا المفتوحة.

"ففي السنة الأربعين في الشهر الحادي عشر في الأول من الشهر كلّم موسى بني إسرائيل حسب كل ما أوصاه الرب إليهم" [2-3].

كان الحديث في اليوم الأول من الشهر الحادي عشر من السنة الأربعين، وقد ماتت مريم في الشهر الأول من نفس السنة (33: 38)، وها هو موسى يموت في نفس السنة. وكأن دخول أرض الموعد احتاج إلى قيادات جديدة عِوض مريم وهرون وموسى، إذ كان لابد للتهيئة لاستلام يشوع القيادة، ليتمتع الجيل الجديد بالأرض الجديدة.

ما قد فعله موسى في البرية لم يكن إلاَّ عمل الله معه وبه وفيه، وهكذا قبيل نياحته، ما ينطق به إنما هو كلمات الله التي في فيّه، إذ يقول: "حسب كل ما أوصاه الرب إليهم" [3].

"بعدما ضرب سيحون ملك الأموريين الساكن في حشبون، وعوجٍ ملك باشان الساكن في عشتاروث في أذرعي" [4].

في دراستنا لسفر العدد الأصحاح 21 رأينا أن العلامة أوريجانوس يرى أن كلمة "سيحون" معناها "متشامخ" أو "شجرة عقيمة"، فهو يشير إلى الشيطان المتشامخ الذي بلا ثمر[27]. وإن كلمة "حشبون" معناها "التفكير"، وإن كان البعض يرى أن معناها "حساب". يقول العلامة أوريجانوس: [لماذا تُدعى عاصمة ملك سيحون حشبون؟ لأن حشبون تعني التفكير، وهو الجزء الأكثر أهمية في مملكة الشيطان، هو أساس قدرته[28]].

كانت حشبون عاصمة موآب، استولى عليها سيحون وجعلها عاصمة مملكته. أما باشان فهي على الحدود الشرقية من بحيرة الجليل.

عشتاروت، هي عاصمة عوج تبعد أكثر قليلاً من عشرين ميلاً شرقي بحيرة الجليل. أما أذرعي Edrei فكانت تبعد أقل من 20 ميلاً جنوب شرقي عشتاروت.

كان سيحون يسيطر على الجانب الجنوبي من عبر الأردن، بينما كان عوج يسيطر على الجانب الشمالي منه.

"في عبر الأردن في أرض موآب ابتدأ موسى يشرح هذه الشريعة قائلاً:" [5]

"يشرح هذه الشريعة" يعني أنه لا يود تكرار الشرائع القديمة، إنما يقوم بتفسيرها بما يبني الجيل الجديد الداخل أرض كنعان. وصية الله لا تتغير لكنها تُقدم لكل جيل حسبما يشبعه، حسب احتياجاته وظروفه.

جاءت كلمة "يشرح" في العبرية تعني حرفيًا "يحفر" أو "يدخل إلى أعماقها". وكأن موسى النبي يرى في الشريعة الإلهية منجمًا من الغنى، يحتاج المؤمن أن يحفر المنجم ويدخل إلى الأعماق ليكتشف الغنى ويحمله معه، ليتمتع هو به كما يتمتع به إخوته. يوجد فارق بين إنسان يسمع عن كلمة الله، وإنسان يدخل إلى أعماقها ويقتنيها لنفسه ككنز حقيقي لا يُقدر.

ترد كلمة "الشريعة" في صيغة المفرد وهذا يعني أن ما بالسفر يمثل وحدة كاملة لا تتجزأ قط. وصارت الكلمة اسمًا لكل الأسفار الخمسة (عزرا 7: 6، مت 12: 5)، ثم أُطلقت على كل العهد القديم (يو 10: 34، 15: 25). ورد ذكرها 35 مرة في المزمور 119.

2. الله يُحقق وعده لآبائهم:

إذ حدد تاريخ الحديث والموقع بدأ بالعظة الأولى حيث يفتتحها بالكشف عن شوق الله نحو تحقيق وعده لشعبه.

"الرب إلهنا كلمنا في حوريب قائلاً:

كفاكم قعود في هذا الجبل.

تحوّلوا وارتحلوا وادخلوا جبل الأموريين وكل ما يليه من العربة والجبل والسهل والجنوب

وساحل البحر أرض الكنعاني ولبنان إلى النهر الكبير نهر الفرات.

انظر قد جعلت أمامكم الأرض.

ادخلوا وتملّكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم إبراهيم واسحق ويعقوب أن

يعطيها لهم ولنسلهم من بعدهم" [6-8].

يُنسب موسى النبي الله لشعبه، إذ قيل: "الرب إلهنا" [6]، "الرب إلهكم" [10]، "الرب إله آبائكم" [11]. فالله إله الكنيسة (5: 6)، وهي كنيسة الله وشعبه الخاص به. العلاقات بين العريس السماوي وعروسه شخصية!

إن كان الشعب يشتاق إلى دخول أرض الموعد والتمتع بخيراتها، فإن الله يشتاق بالأكثر أن يحقق وعوده معنا. أنه يحثنا للتحرك لكي ننطلق في طريقه لندخل أبواب السماء المفتوحة، ونفتح أفواهنا فيملأها، ونبسط أيدينا لنتسلم بركاته.

الأموريون والكنعانيون: كانت فلسطين معروفة منذ زمن قديم باسم أرض كنعان وسكانها بالكنعانيين (تك 10: 19، 12: 6). أما الأموريون فقد ورد ذكرهم في الآثار التي ترجع إلى 30 قرنًا ق.م، وقد تسللوا إلى كنعان. وقد استخدم اسم "الأموريين" للإشارة إلى كل سكان كنعان وذلك بكونهم أقوى دولة كانت هناك.

حقًا لم يدخل موسى النبي أرض الموعد، ومع هذا فقد قدم حدودًا لها لشعبه، وهي:

·        العربة هي وادي نهر الأردن من بحيرة الجليل إلى منطقة جنوب البحر الميت.

·        جبل الأموريين في الجنوب تجاه البحر الميت. الجنوب (نجب) Negev، وهي منطقة شمال سيناء، وجنوب جبل الأموريين.

·        أرض الكنعانيين، أي فينيقية، حيث مدينة صيدا وساحل البحر الأبيض المتوسط تجاه الغرب.

·        لبنان من الشمال.

·        النهر الكبير أو نهر الفرات تجاه الشرق.

تحقق ذلك حرفيًا في أيام سليمان الملك (1 مل 4: 21)، فتم وعد الله لإبراهيم واسحق ويعقوب وبنيه وارثي الوعد (تك 12: 7؛ 15: 18؛ 26: 3-4، 13: 15). وثبت هذا الوعد لموسى النبي عند العليقة الملتهبة (خر 3: 8، 17).

"كفاكم قعود في هذا الجبل" [6]

لقد سبق فوهبهم الشريعة، ورعاهم في كل طريق البرية، وقادهم بنفسه نهارًا وليلاً، والآن يصدر أمرًا بالتحرك للاستعداد للدخول إلى أرض الموعد. إنه يُطالبنا الله أن نتحرك في الوقت المناسب، فهو يعرف متى يجب أن نستريح ومتى يلزمنا أن نتحرك. إنه يدعونا للخروج لكي ننطلق نحو جبال الأبدية، فنجد لنا موضعًا في أحضانه.

لقد عاش إسرائيل قرابة 40 عامًا في تيه وسط البرية، لكن علة التأخير هو الإنسان المتباطئ والعاصي غير المستعد للدخول، أما من جانب الله فهو من البداية يكاد يمسك بأيدينا ويسحبنا لننطلق معه نحو أرض الموعد، إذ يحثنا قائلاً: "كفاكم قعود في هذا الجبل؛ تحوّلوا وارتحلوا... ادخلوا وتملكوا الأرض" [7، 9]. أنه يود أن يسرع بنا فيحملنا كالابن في حضن أبيه لينطلق بنا (1: 31)، لكي نملك (1: 21، رؤ  3(.

"جعلت الأرض أمامكم" [8]

بينما كان الله يهيئ الشعب للدخول إلى أرض الموعد لمدة قرابة أربعين عامًا في البرية، كان يعد لهم الأرض لتي يرثوها لتصير أمامهم سهلة وواضحة. هكذا يعد الله قلوبنا في رحلة هذا العالم لتكون كنعان السماوية أمام عيوننا. هذه التي قال عنها: "أنا أمضي لأعد لكم مكانًا" (يو 14: 1).

"اقسم الرب لآبائكم": تكرّرت الإشارة إلى الوعد الذي تثبت للآباء بقسم (تك 22: 16). يذكّر موسى دائمًا الشعب بأن محبة الله لم تُقدّم لهم لاستحقاق فيهم (7: 7، 9: 4)، بل بناء على نعمة الله الخالصة ووعوده الأولى. أما عناصر هذا الوعد التي هي كثرة النسل وامتلاك الأرض المقدسة ونوال البركة الشاملة فتتكرر كلها هنا.

3. مشاركة الشعب في تدبير أمورهم:

عجيبة هي شخصية موسى النبي، فقد بدأ عظته أولاً بالكشف عن حنو الله نحو شعبه، وتلى ذلك الحديث عن ضعفه الشخصي، حيث لم يحتمل أن يحمل أثقال الشعب.

"وكلّمتكم في ذلك الوقت قائلاً:

لا أقدر وحدي أن أحملكم.

الرب إلهكم قد كثّركم.

وهوذا اليوم كنجوم السماء في الكثرة

الرب إله آبائكم يزيد عليكم مثلكم ألف مرة ويبارككم كما كلمكم.

كيف أحمل وحدي ثقلكم وحملكم وخصومتكم؟

هاتوا من أسباطكم رجالاً حكماء وعقلاء ومعروفين فأجعلهم رؤوسكم" [9-13].

لم يشر موسى النبي إلى أن هذا الأمر كان من اقتراح حميه يثرون (خر 18: 13-26)، إنما ذكر أنه طلب تعيين 70 شيخًا لمساندته في حمل أثقال الشعب. صاروا فيما بعد مجمع السنهدرين الذي عِوض أن يحمل مع موسى أثقال الشعب ويدخل بهم إلى المسيا المخلص حكموا على السيِّد المسيح بالموت، وقاوموا ناموس موسى في روحه تحت ستار الدفاع عنه والمحافظة على حَرفِه.

غاية موسى كممثل للناموس أن يقود المؤمنين إلى المسيح، لكي يختبر الكل عذوبة الحياة الإنجيلية ويتمتعوا بعربون السماء، وكان يليق بمجمع السنهدرين أن يحمل ذات الروح. هكذا غاية كل كاهن هي الكرازة بكلمة الله، والدخول بكل نفسٍ إلى خبرة الحياة الجديدة المُقامة. ويليق بالشمامسة – الذين يمثلون مجمع السنهدرين بالنسبة لموسى– أن يحملوا ذات الخط وهم يخدمون الموائد، كما فعل السبعة شمامسة المختارون في أيام الرسل (أع 6)، وكما وضَحْ من خطاب رئيس الشمامسة إستفانوس (أع 7).

سجّل لنا موسى النبي اختيار السبعين شيخًا كمُعِينين له ربما كأحد أخطائه، إذ شعر بعجزه عن حمل الثقل غير مدرك أن الله هو الحامل لهذا الثقل. ويرى البعض أنه قد سجّل ذلك لكي يكشف لشعبه أنه لم يكن يرغب في الانفراد بالقيادة، بل طلب له شركاء في العمل، وأعطى الشعب حق اختيار القادة [13].

كقائدٍ حقيقيٍ تطلع موسى النبي إلى الحكم أو العظمة كثقل يلتزم أن يحمله على كتفيه، وبنظرة ثاقبة طلب العون، وسأل عن أشخاصٍ أكفّاءٍ قادرين على مشاركته في احتمال هذا الثقل. لم يكن موسى النبي كقائدٍ للشعب يطمع في ممارسة حكم الفرد، مع أنه كان يستحق هذه الكرامة، وقام بأعمال لا يستطيع آخر أن يقوم بها، لكنه طلب من يسنده في الحكم، ويشاركه المسئولية والكرامة.

في سفر الخروج نرى موسى العظيم في الأنبياء لا يحتقر مشورة إنسان وثني، إذ "سمع موسى لصوت حميه وفعل كل ما قال" (خر 18: 24). موسى الذي من أجل حبه لله ولشعبه ازدرى بالبلاط الملكي بكل إمكانياته (عب 11: 24، 26)، ينصت بروح التواضع لصوت يثرون ويسمع له. يعلق على ذلك القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان موسى قد تعلم من حميه أمورًا لائقة لم يكن يدركها، فكم بالأكثر يحدث هذا داخل الكنيسة (أي نستفيد من الآخرين)؟... كيف حدث هذا أن غير المؤمن أدرك أمورًا لم يدركها الشخص الروحي؟[29]].

"كنجوم السماء في الكثرة" [10].

لقد تحقق وعد الله لإبراهيم (تك 15: 5-6). ربما يتساءل البعض أن الكواكب التي ترى بالتلسكوب يبلغ عددها أكثر من 75 مليونًا، فهل كان الشعب الداخل إلى أرض كنعان يُعادل هذا الرقم؟ للإجابة على ذلك نقول إن الله حين وعد إبراهيم بذلك طلب منه أن يخرج ليرى السماء بعينيه لا بتلسكوب، والعين غالبًا ما ترى حوالي 3000 كوكبًا. ونحن نرى في التعداد الثاني 603000 رجل حرب إسرائيلي، لذا تحقق الوعد بأكثر مما كان يتخيل إبراهيم نفسه.

يقول: "أنتم اليوم كنجوم السماء في الكثرة" [10] ولم يقل: "كرمل البحر"، فإنه يراهم ككواكب بهية تتمتع بالمجد السماوي، لذا حسبهم كنجوم السماء.

في رعايته يبارك شعبه ويبقى يزيدهم بركة بلا انقطاع (1: 10-11). في مصر تزايد الشعب جدًا خلال حوالي 250 عامًا، فكان ذلك موضع حسد فرعون وخوفه (خر 1: 9). الآن تزايد العدد جدًا خلال حوالي 40 عامًا، وكان ذلك موضع سرور موسى طالبًا لهم البركة ألف مرة.

"هاتوا من أسباطكم رجالاً حكماء وعقلاء ومعروفين فأجعلهم رؤوسكم.

فأجبتموني وقلتم حسن الأمر الذي تكلمت به أن يُعمل.

فأخذت رؤوس أسباطكم رجالاً حكماء ومعروفين وجعلتهم رؤوسًا عليكم رؤساء

ألوف ورؤساء مئات ورؤساء خماسين ورؤساء عشرات وعرفاء لأسباطكم" [13-15].

العرفاء: العرفاء هم الأشخاص الذين يقومون بالإشراف على التنفيذ العملي لما يصدره الرؤساء أو القضاة أو غيرهم من القادة. قبل الخروج مباشرة كان هؤلاء العرفاء مدبرين يعملون تحت المسخّرين المصريين لحساب عدّ الطوب (خر 5: 6)، وأما الآن فيعملون رؤساء ألوف ومئات وعشرات، لا تحت العبودية بل للعدالة والنصرة (16: 18، 20: 5، 5: 8-9 ، 29: 10، 20: 28).

سألهم أن يختاروا من بينهم من يقوم بدور القيادة وتحمل المسئولية، وقد اشترط فيهم:

أ. أن يكونوا حكماءchalsaamiym ، يقصد بهم الذين نالوا قسطًا وافرًا من المعرفة خلال الاجتهاد والدراسة.

ب. عقلاء Uwnboniym، يُقصد بهم الذين لهم روح التمييز، ويمكن أن يمارسوا القضاء بعدلٍ.

ج. معروفون wiydu’ium، يقصد بهم الذين لهم خبرة عملية واثبتوا أنهم قادرون على القيام بأعمال عظيمة.

لم يشترط موسى النبي في القادة أن يكونوا ذوي كرامة زمنية أو غنى، بل حكماء وعقلاء ومختبرين. بنفس الروح طلب الرب من الشعب أن يختاروا خدامًا (شمامسة) أكفّاء، حكماء ومملوءين من الروح لخدمة الفقراء (أع 6: 3-6).

"وأمرت قضاتكم في ذلك الوقت قائلاً:

اسمعوا بين إخوتكم واقضوا بالحق بين الإنسان وأخيه ونزيله" [16].

في نظام إسرائيل القبلي كان عندهم أربع طبقات من الناس:

"نسل الآباء" ومنهم الشيوخ والرؤساء.

"النزلاء" وهم الذين قبلوهم من الأمم الأخرى للسكن معهم.

"المستوطنون" (لا 25: 35) وهم من الشعوب المهزومة.

"العبيد" وهم الذين اشتروهم بالمال أو ولدوا في البيت.

وكان هناك أيضًا "الأجنبي" الذي يسكن بينهم مؤقتًا للتجارة أو لأغراض أخرى (17: 15).

كان ينبغي معاملة النزيل كأخ، كما يجب أن يلقى نفس المعاملة أي شخص يمكن أن يتعرض لاضطهاد. وهذه من خصائص سفر التثنية التي لا نجدها في شرائع مصر وبابل وقتئذ (شرح 10: 18-19).

"لا تنظروا إلى الوجوه في القضاء.

للصغير كالكبير تسمعون.

لا تهابوا وجه إنسان، لأن القضاء لله.

والأمر الذي يعسر عليكم تقدمونه إليّ لأسمعه.

وأمرتكم في ذلك الوقت بكل الأمور التي تعملونها" [17-18].

إن كان الله في حبه للإنسان يحثه على قبول وعوده له كي يتمتع بها، فإن موسى النبي كخادم لله يحترم إرادة الشعب. في محبته لهم كان يود أن يحمل بنفسه ولوحده كل أثقالهم، لكن أمام تزايد عددهم شعر بالعجز الشديد. أنه يفرح لتزايد عددهم مشتاقًا أن يتزايدوا ألف مرة، ليس فقط من جهة العدد، وإنما أن ينموا في المجد، لذا دعاهم "كنجوم السماء" [10].

قدم موسى النبي للرجال المختارين دستورًا للعمل يتلخص في الآتي:

أ. أن يكونوا محبين للاستماع [16]، فلا يحكموا بتسرعٍ دون الإنصات إلى كل الأطراف، بل ينصتوا بكل طول أناة وبدقة. يقول إشعياء النبي: "السيِّد الرب فتح لي أذنًا وأنا لم أُعاند" (إش 50: 5)

ب. أن يكونوا عادلين في القضاء، لا يحابوا الوجوه [17]، يحكموا بين بني جنسهم والغرباء بالعدل.

ج. لا يهابوا إنسانًا، كقضاة الله يحكموا في شجاعة، فإن الله يحميهم وينقذهم، وإلاَّ فإنه سيحكم هو عليهم ويدينهم.

د. لا يخجلوا من الاعتراف بالعجز متى كان الأمر متعسرًا عليهم، فإنه يجب عليهم تقديمه لموسى النبي شخصيًا [18].

هـ. أن يراعوا النظام بدقة، فإن القضاء يتم بالترتيب التالي:

·        الله، هو الملك، والقاضي الأعظم.

·        موسى هو رجل الله، ووكيله.

·        الكهنة، يستشيرون الله بواسطة الأوريم والتميم.

·        رؤساء القبائل أو الأمراء.

·        رؤساء ألوف Chiliarchs .

·        رؤساء مئات Centurions .

·        رؤساء خمسين Tribunes .

·        رؤساء عشرات Decurions .

·        عرفاء  Officers، وهم الأشخاص الذين يعينون للتنفيذ فقط.

هكذا يخضع الكل لله أولاً الذي منه أخذ الكل سلطانهم، وأمامه يدانون، ويخضع كل واحدٍ لمن هو في رتبة أعلى منه.

من جانب موسى النبي نفسه فقد أعلن عجزه عن أن يحمل أثقال شعب الله وحده، لذا أقام منهم قادة للحرب ولتدبير شئون الأسباط وللقضاء (1: 9-17)، دون أن ينسحب من مسئوليته، خاصة في الأمور العسيرة (1: 17). أما من جانب الشعب نفسه فقد قابل محبة الله واهتمام موسى بالتشكك والتذمر.

4. التشكك وإرسال الجواسيس:

يرى البعض أن موسى أخطأ إذ طلب لجنة شيوخ تسنده في العمل القيادي، لأنه شعر بثقل الحِمل؛ وأخطأ الشعب إذ طلب لنفسه لجنة جواسيس تتكشف الأرض التي أمرهم الرب أن يدخلوها ويتملكوها[30].

خطأ الشعب يختلف عن خطأ موسى، إذ كان تصرف الشعب يحمل عدم إيمان، لذلك عاد عشرة جواسيس يتحدثون عن العمالقة الجبابرة الذين يسكنون كنعان، بينما عاد يشوع وكالب يقدمون من خيرات الأرض. العشرة ركزوا أنظارهم على العمالقة المقاومين، والاثنان ركَّزا نظرهما ووضعا قلبيهما في صدق مواعيده الإلهية.

ضعف الإيمان أو عدم الإيمان يسحب أعماقنا إلى الخوف والاضطراب من الشيطان والخطية والعالم، أما الإيمان فيسحب قلب الإنسان وكل طاقاته الداخلية نحو مواعيد الله، واثقًا في إمكانية تحقيقها، حاسبًا كل مقاومة تزيده إيمانًا ومجدًا.

يلوم النبي الشعب لأنهم طلبوا إرسال جواسيس قبل دخول أرض كنعان، الأمر الذي لم يُذكر في سفر العدد. لم يثقوا في وعد الله، بل طلبوا تقرير البشر، وعوض أن تتقدمهم الشمس لتضيء لهم طلبوا إيقاد شموع الجواسيس.

"ثم ارتحلنا من حوريب،

وسكنّا كل ذلك القفر العظيم المخوف الذي رأيتم في طريق جبل الأموريين كما أمرنا الرب إلهنا.

وجئنا إلى قادش برنيع" [19].

أوضح النبي كيف كانت الرحلة خطيرة: "وسلكنا كل ذلك القفر العظيم المخوف" [19]. فإن تذكرنا للمخاطر التي كانت تُحيط بنا تدفعنا إلى تقديم الشكر لله الذي قادنا وسط الخطر.

يدخل بنا الله إلى القفر العظيم المخوف، فهو ليس فقط قفرًا لكنه أيضًا عظيم ومخوف. ندخل فيه فنتعلم الحرب الروحية ونتمتع بالقداسة (قادش). أنه طريق الصليب الضيق الذي به نعبر من القفر إلى جنة الرب المملوءة ثمارًا.

في هذا القفر ندخل في حرب ليس ضد لحم ودم بل ضد الرئاسات والقوات وولاة ظلمة هذا العالم (أف 6). نُحارب مع الرسول بولس وحوشًا في أفسس، قائلين مع السيِّد المسيح إنها ساعة قوات الظلمة. لن نكف عن الحرب سبعة أيام في الأسبوع.

"فقلت لكم قد جئتم إلى جبل الأموريين الذي أعطانا الرب إلهنا.

انظر. قد جعل الرب إلهك الأرض أمامك.

اصعد تملك كما كلّمك الرب إله آبائك.

لا تخف ولا ترتعب" [20-21].

والكلمة العبرية "يرث" المترجمة "تملّك" تعني الدخول لامتلاك الأرض مكان ساكن آخر إما بالفتح أو بالوراثة. وترد أكثر من 52 مرة في التثنية حتى في الجزء الخاص بالفرائض (مثلاً 19: 2، 14؛ 23: 20). وقد ترجمت نفس الكلمة الأصلية "يرث" بكلمة "يمتلك" (في 2: 31، 26: 20).

"اصعد تملك كما كلمك الرب إله آبائك، لا تخف ولا ترتعب" [21].

·        يطالب الله كل نفس أن تمارس حقوقها في ثلاثة أمور رئيسية وهي: الصعود، والتملك، وعدم الخوف. إننا مدعوون للصعود الدائم، فمن لا يصعد ينحدر ويسقط. بمعنى آخر ما لم يصعد الإنسان مع مسيحه إلى سمواته متمتعًا بروح النصرة، ينحدر مع إبليس في جحيمه.

·        "تملك": من يصعد على الدوام يتمتع بمركز "الملوكية"، فيحسبه ملك الملوك "ملكًا" صاحب سلطان.

·        "لا تخف ولا ترتعب": المسيحي ملك وقائد، إن اِنهار بالخوف والرعدة يفقد مركزه كابن لله. ليس من سمة المؤمن الخوف، بل الثقة واليقين في الآب السماوي.

بينما دعاهم الله للصعود والملوكية وعدم الخوف كان موقفهم مختلفًا تمامًا، إذ طلبوا أن يتحسسوا الأرض التي وُعد بها آباؤهم. عوض الصعود ليصيروا ملوكًا أرادوا أن يكونوا جواسيس، وعِوض الاعتزاز بالسلطان الملوكي الموهوب لهم، وعِوض الثقة واليقين في الله خافوا وارتعبوا. يا له من موقف مؤلم كثيرًا ما نسقط فيه!

"فتقدَّمتم إليَّ جميعكم وقلتم:

دعنا نرسل رجالاً قدامنا ليتجسَّسوا لنا الأرض ويردُّوا إلينا خبرًا

عن الطريق التي نصعد فيها والمدن التي نأتي إليها.

فحسن الكلام لديّ فأخذت منكم إثنى عشر رجلاً.

رجلاً واحدًا من كل سبط.

 فانصرفوا وصعدوا إلى الجبل وأتوا إلى وادي أشكول وتجسَّسوه.

وأخذوا في أيديهم من أثمار الأرض ونزلوا به إلينا وردّوا لنا خبرًا وقالوا:

جيدة هي الأرض التي أعطانا الرب إلهنا.

لكنكم لم تشاءوا أن تصعدوا وعصيتم قول الرب إلهكم" [22-26].

يطلب منهم أن يتمتعوا بالكمال ما قد نالوا عربونه خلال الجاسوسين. فقد جاء الجاسوسان كشاهدين عيان لما تتمتع به الأرض من خيرات، لكنهم لم يبالوا بكلمات كالب وتجاهلوا شهادة يشوع. جاء كالب ويشوع يقدمان لهم مما رأيا وذاقا واختبرا.

احتاج رجال العهد القديم إلى جواسيس لكي يذوقوا عربون خيرات أرض الموعد، أما رجال العهد الجديد فتمتعوا بكلمة الله المتجسد الذي يحملهم فيه، أعضاء جسده، فينالوا عربون السماء. بهذا دخل بالمؤمنين إلى الحياة السماوية كي يقدموا حياتهم شهادة حية عملية إذ ذاقوا فيه عذوبة الخيرات العتيدة، هم تعليم متجسم لما يكرزوا به. حياتهم تتكلم، وسلوكهم يشهد لما يخبروا به.

سمع الشعب عن أرض الموعد إنها تفيض لبنًا وعسلاً، لكنهم كانوا في حاجة إلى قادة يتمتعون لا بالمعرفة النظرية المجردة، بل المعرفة المؤيدة بالرؤية والخبرة. ذهب الاثنا عشر جاسوسًا إلى أرض الموعد، وأصبحت المعلومات كاملة بين أيديهم عن خصوبة الأرض وإمكانياتها وحصون المدن وضخامة العدو من جهة العدد والجسم والخبرة العسكرية، لكنهم انقسموا إلى فريقين. فريق رأى المعلومات data بمنظار بشري بحت، فتحطمت نفوسهم وحطموا نفوس الشعب، وفريق رأى المعلومات بمنظار إيماني إلهي فالتهب قلب الفريق بالشوق نحو العبور. وإلى اليوم تحتاج الكنيسة إلى قادة يحولون المعرفة إلى خبرة عملية، ويرونها بمنظار إلهي حق، حتى يستطيعوا أن يعبروا مع المخدومين إلى الوعود الإلهية السماوية.

"وتمرمرتم في خيامكم

وقلتم الرب بسبب بغضته لنا قد أخرجنا من أرض مصر ليدفعنا إلى أيدي الأموريين لكي يهلكنا.

إلى أين نحن صاعدون؟

قد أذاب إخوتنا قلوبنا قائلين: شعب أعظم وأطول منّا.

مدن عظيمة محصّنة إلى السماء وأيضًا قد رأينا بني عناق هناك" [27-28].

الدفاع الأول لأية مدينة قديمة هي أسوارها، فإن اخترق العدو السور تسقط المدينة بسهولة في يديه. (2 مل 25: 4).

عرفت أسوار أريحا بقوتها، لذا قيل عنها إنها ترتفع إلى السماء [28]. جاء في الحفريات أن أسوارها مزدوجة تحيط بالمدينة من كل جانب. يبلغ ارتفاع السور أكثر من 40 قدمًا وعرضه حوالي 66 قدمًا. من أسفل السور من الحجارة ومن أعلى من الطوب، مغطاة بكلسٍ ناعمٍ جدًا حتى يستحيل تسلقه أثناء الهجوم. يرى البعض أن انهيار الأسوار كان بتدبير إلهي عن طريق هزة أرضية قوية حطمته.

"فقلت لكم لا ترهبوا ولا تخافوا منهم.

الرب إلهكم السائر أمامكم هو يُحارب عنكم حسب كل ما فعل معكم في مصر أمام أعينكم.

وفي البرية حيث رأيت كيف حملك الرب إلهك كما يحمل الإنسان ابنه في كل الطريق

التي سلكتموها حتى جئتم إلى هذا المكان" [29-31].

رغم تقرير الجواسيس عن خصوبة الأرض [25] التي يُقدمها الرب لهم، إذا بهم في رعب وخوف [26-29]، لا يثقون في الرب المحارب عنهم. الطريق صعب، هو طريق حرب مستمرة (ضد عدو الخير)، لكنها هي حرب الرب نفسه، يسير أمامنا ليواجه المعركة ويحارب عنا (1: 30). نحن لسنا طرفًا في الحرب الروحية ضد الشر. لقد أكد لهم أن الله ساكن في وسطهم، يتقدمهم في الطريق كقائد لهم ومرشدٍ، وهو الذي يقضي ويحكم، وأيضًا هو الذي يُحارب عنهم.

جاءت كلمة "الرب" في ترجوم Onkelos "كلمة الرب... تحارب عنكم" [30]، هي نفس الكلمة التي استخدمها القدِّيس يوحنا عن السيِّد المسيح بكونه "اللوغوس"[31]. (تث 1: 30)

أظهر لهم عمل الله معهم، فوهبهم النصرة بذراع قوية عند خروجهم من مصر، وقدم لهم كل حنو حقيقي في البرية. فإنه لا يوجد أي مجال للشك في حنو الله الذي حملهم على ذراعيه كما يحمل الأب ابنه. لقد سبق فاشتكى موسى بأن الله قد عهد إليه أن يحمل هذا الشعب كأب يحمل رضيعًا (عد 11: 12).

وفي البرية حيث رأيت كيف حملك الرب إلهك كما يحمل

الإنسان ابنه في كل الطريق التي سلكتموها حتى جئتم

إلى هذا المكان" [31].

في أكثر من موقف يعلن الله أبوته الحانية وعنايته الفائقة للإنسان، فقد حمل شعبه كما على جناحي نسر، لا لينطلق بهم إلى أرض الموعد، بل إليه، ليجدوا في الله نفسه أرض موعد فريدة.

وهنا يعلن ذاته كأب يترفق بابنه فيحمله على ذراعيه، لا إلى حين، بل "في كل الطريق". فيشعر المؤمن أنه محمول على الأذرع الأبدية.

لاحظ الاتهامات التي وجهها النبي ضدهم:

1. العصيان والتمرد ضد شريعة الله [26]، وهو تمرد على سلطة الله.

2. أساءوا إلى صلاح الله، فحسبوا خروجهم من أرض العبودية للتمتع بأرض الموعد علامة بغضة الله لهم.

3. يحملون قلبًا غير مؤمن، إذ لم يؤمنوا أن الرب هو إلههم [32]. وهذا هو مركز الشر. فالعصيان على شريعة الله، وعدم الثقة في قوته وصلاحه ينبع عن عدم الإيمان بكلمته.

"ولكن في هذا الأمر لستم واثقين بالرب إلهكم.

السائر أمامكم في الطريق ليلتمس لكم مكانًا لنزولكم في نارٍ

ليلاً ليريكم الطريق التي تسيرون فيها وفي سحاب نهارًا" [32-33].     

ما الذي حرم آباءهم من دخول أرض الموعد؟ عدم الإيمان. كل خطية يسهل تقديم العلاج لها، لكن الذي يفقد الإنسان أبديته هو عدم الإيمان! في الطريق لن يعوزنا شيء، يصير كنار تُضيء بالليل حتى لا نتعثر، وكسحاب في النهار كي لا نتوقف (1: 33).

"وسمع الرب صوت كلامكم فسخط وأقسم قائلاً:

 لن يرى إنسان من هؤلاء الناس من هذا الجيل الشرير الأرض الجيدة التي أقسمت

أن أعطيها لآبائكم.

ما عدا كالب بن يفنة هو يراها،

وله أعطى الأرض التي وطئها ولبنيه،

لأنه قد اتبع الرب تمامًا.

وعليَّ أيضًا غضب الرب بسببكم قائلاً:

وأنت أيضًا لا تدخل إلى هناك.

يشوع بن نون الواقف أمامك هو يدخل إلى هناك.

شدده لأنه هو يقسمها لإسرائيل.

أما أطفالكم الذين قلتم يكونون غنيمة وبنوكم الذين لم يعرفوا اليوم

الخير والشر فهم يدخلون إلى هناك،

ولهم أعطيها وهم يملكونها.

وأما أنتم فتحولوا وارتحلوا إلى البرية على طريق بحر سوف" [34-40].

عدم إيمانهم أساء إلى موسى نفسه، فحُرِم معهم من دخول أرض الموعد. هنا يلزمنا أن نشير إلى ما حدث عند ماء مارة (قادش) حيث قال الرب أن موسى وهرون لم يكرماه (عد 20: 12)، لكن صلاح الله حوّل حتى هذا الغضب الإلهي للخير، فعِوض حرمان موسى من الدخول بالشعب إلى أرض الموعد يقوم يشوع بذلك. وما عجز عنه الناموس يقدمه يسوع "يشوعنا" الذي يدخل بنا إلى كنعان السماوية. لقد أغلق الباب على الجيل القديم لكن نعمة الله فتحته للجيل الجديد.

نحتاج أن نستعرض حياتنا في الماضي القريب وأيضًا البعيد فنكتشف حب الله الفائق لنا ونعمته الفياضة ورعايته الفريدة واهتمامه الخاص بنا. هذا كله يسندنا ويدفعنا إلى الثقة في وعود الله، وقبول الدخول إلى كنعان السماوية وممارسة عربون الأبدية بقيادة يسوع المسيح.

الله يؤدب المتذمرين فاقدي الثقة بحرمانهم من أرض الموعد، لكنه لا يحرم أولادهم (1: 39).

5. إصرار على العصيان:

"فأجبتم وقلتم لي قد أخطأنا إلى الرب،

نحن نصعد ونحارب حسب كل ما أمرنا الرب إلهنا،

وتنطقتم كل واحد بعدة حربه،

واستخففتم الصعود إلى الجبل.

فقال الرب لي:

 قل لهم لا تصعدوا ولا تحاربوا لأني لست في وسطكم لئلاَّ تنكسروا أمام أعدائكم.

فكلمتكم ولم تسمعوا بل عصيتم قول الرب وطغيتم وصعدتم إلى الجبل.

فخرج الأموريون الساكنون في ذلك الجبل للقائكم وطردوكم كما يفعل النحل،

وكسروكم في سعير إلى حرمة.

رجعتم وبكيتم أمام الرب ولم يسمع الرب لصوتكم ولا أصغي إليكم.

وقعدتم في قادش أيامًا كثيرة كالأيام التي قعدتم فيها" [41-46].

حين طلب الله منهم الصعود للحرب خافوا ورفضوا، وعندما أعلن غضبه عليهم وطلب إلاَّ يصعدوا لم يسمعوا وصعدوا. لم يكن الإيمان هو قائدهم، بل إرادتهم الخاصة، لذا في انسحابهم من الصعود كما في صعودهم للحرب كشفوا عن عصيانهم.

الخطية تجعل الإنسان عنيدًا مع الله محبوبه، حين طلب الله منهم أن يصعدوا ليحاربوا ويملكوا رفضوا (تث 1: 26)، وحين طلب منهم ألاَّ يصعدوا ولا يحاربوا فإنه لم يعد في وسطهم [42] مؤكدًا لهم إنهم سينهزمون. لم يسمعوا له بل صعدوا في تهوّرٍ وغباوة وعجرفة.

والعجيب أنه حتى حين أدبهم بسبب عصيانهم إذ لم يعد في وسطهم [42] لم يرد لهم أن ينكسروا أمام أعدائهم، فطلب ألاَّ يصعدوا ويحاربوا حتى يقدموا توبة فيعود ويسكن في وسطهم ويهبهم النصرة.

لم يحزنوا لأنهم عصوا الرب، ولا لكي يعودوا فيخضعوا لإرادته، وإنما لما حلّ بهم من هزيمة. لقد بكى الشعب أمام الرب، لكنها كانت دموع التماسيح التي قُدمت لا للتوبة الصادقة والرجوع إلى الله ليسلكوا بروح الإيمان، وإنما عادوا إليه لأجل ما حلّ بهم من خسارةٍ وعارٍ. لم تكن تشغلهم علاقتهم بالله، بل ما يصيبهم. بكوا، لكن لا بدموع التوبة والرغبة في الرجوع إلى الله باتضاع، وإنما دموع تحمل الكبرياء والتشامخ كيف ينظر الكل إليهم كفاشلين.

يقول الرسول بولس عن الحزن الحقيقي: "لأنكم حزنتم للتوبة، لأنكم حزنتم بحسب مشيئة الله". كم أنشأ فيكم من الاجتهاد" (2 كو 7: 10-11).

ذكر هنا أن الأموريين هم الذين طردوهم [44] بينما جاء في سفر العدد: "فنزل العمالقة والكنعانيون الساكنون في ذلك الجبل وضربوهم وكسروهم إلى حرمة" (عد 14: 45)، فقد استعار هنا اسم "الأموريين" بكونهم أعظم دولة قوية في كنعان في ذلك الحين ليُشير بهم إلى كل الكنعانيين بصفة عامة، وذلك كما جاء في (تث 1: 7)[32].

 

 

من وحي تثنية 1

قدنا في رحلة غربتنا

v     في حوريب قلت لشعبك:

كفاكم قعود في هذا الجبل.

لتقل كلمة فتنطلق نفوسنا نحو كنعان السماوية.

ولا نسير حول جبال العالم في تيه.

v     لم تجعل الأرض أمامنا كما فعلت مع بني إسرائيل،

بل فتحت أبواب السماء لندخل فيها،

وقدمت لنا حضن الآب لنستقر فيه!

ليحملنا روحك القدوس فتستقر نفوسنا!

v     لم يقدر موسى أن يحتمل وحده أثقال الشعب.

أنت حملت خطاياي وشروري.

انطلقت بي من القفر العظيم المخوف،

ودخلت بي إلى المقادس السماوية (قادش).

v     أمرتني: اصعد – اُملك – لا تخف!

بك اِصعد إذ صيرتني سماويًا.

بك أملك فإني ملك.

لا أخف لأني ابنك!

v     رفض الشعب القديم شمس مشورتك،

وبعثوا بشموع الجواسيس.

استهانوا بوعدك وحكمتك.

عصوك ورفضوا بقلوبهم أرض الموعد.

هب لي روح الطاعة يا أيها الابن العجيب في طاعته.

v     أتطلع إلى الماضي فأراك تحمل آبائي على ذراعيك،

أَشبعتهم من دسم حبك،

وقدمت لهم وعودك الصادقة.

v     أخطأوا إليك،

ولم يصدقوا وعودك الأمينة.

وبحبك حملتهم كما يحمل الأب ابنه.

لتحملني ولترفع عني روح العصيان.

[19] راجع  للمؤلف المزمور 119: غِنى كلمة الله ولذتها.

[20] راجع  للمؤلف المزمور 119: غنى كلمة الله ولذتها.

[21] Discourse 22.

[22] In Defence of His Flight to Pontus, 77.

[23] Adam Clarke, Deuteronomy, 1.

[24] راجع سفر  العدد، 1995م، أرض مصر 226.

[25] للمؤلف: سفر العدد، 1995م، ص225.

[26] Barnes’ Notes.

[27] Origen: In Num.

[28] In N um. Hom. 13.

[29] In 1 Cor. hom. 1:4.

[30] J. Vernon McGee: Deutronomy, p. 15,16.

[31] Adam Clarke, Deuteronomy, 1.

[32] Barnes’ Notes.