الأصحاح الرابع عشر

شرائع للتقديس

الجنازات والأطعمة والعشور

بعد حديثه الصارم فيما يخص الإغواء إلى العبادة الوثنيَّة عالج بعض العادات الوثنيَّة الخاصة بالجنازات [1-2]، مطالبًا إيَّاهم أن يتذكَّروا أنَّهم "أولاد للرب" و"شعب مقدَّس ومختار وخاص". ثم عرض موضوع الأطعمة الطاهرة والنجسة. فمن أجل ممارسة التقدمات والذبائح بقلوب نقيَّة طاهرة وضع شريعة الحيوانات الطاهرة والنجسة ليميِّزهم عن الكنعانيِّين [3-21]، كما طالبهم بتقديم العشور [22-23] لكي تُستخدم في سد احتياجات خدَّامه المختارين وأيضًا الفقراء [28-29].

1. عادات جنائزيَّة           [1-2].

2. الحيوانات الطاهرة       [3-8].

3. الأسماك الطاهرة        [9-10].

4. الطيور الطاهرة          [11-20].

5. الجثَّة الميِّتة             [21].

6. العشور                  [22-29].

1. عادات جنائزيَّة:

يمارس المؤمن الحياة القدسيَّة خلال عاداته حتى في اللحظات القاسية كالموت، وفي حياته اليوميَّة كالأكل والشرب، وفي عبادته كالعطاء، وفي علاقته بالغير كالاهتمام بالغرباء والمحتاجين.

"أنتم أولاد للرب إلهكم.

لا تخشموا أجسادكم، ولا تجعلوا قرعة بين أعينكم لأجل ميِّت.

لأنَّك شعب مقدَّس للرب إلهك،

وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبًا خاصًا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض" [1-2].

إذ يقدِّم لهم شرائع خاصة بتقديسهم تمس تصرُّفاتهم اليوميَّة وفي مناسبات معيَّنة لا يصدر الله أوامر لكي تُطاع دون مناقشة، وإنَّما كأب يؤكِّد لهم بنوَّتهم له، فما يصدر عن الأب إنَّما هو حب فائق لبنيانهم. ما يطلبه الله من هذه الشرائع ليس مجرَّد تنفيذها بطريقة آليَّة، وإنَّما يطلب تجاوب الأبناء مع محبَّة أبيهم ليصيروا مقدَّسين كما هو قدُّوس.

أما وقد جاء الابن الوحيد الجنس وبروحه القدُّوس وهبنا روح البنوَّة لله الآب، صارت وصيَّة العهد الجديد عذبة ومفرحة. لا نرى في الوصايا أوامر ونواهٍ، بل نراها طريقًا ملوكيًا لائقًا بأبناء الله. كأولاد لله نقبل الوصيَّة، بل ونحتمل شركة الآلام مع المسيح المصلوب لكي نرث ونتمجَّد معه. "فإن كنَّا أولادًا فإنَّنا ورثة أيضًا، ورثة الله، ووارثون مع المسيح، إن كنَّا نتألَّم معه لكي نتمجَّد أيضًا معه" (رو 8: 15). "ثم بما أنَّكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب؛ إذًا لست بعد عبدًا بل ابنًا، وإن كنت ابنًا فوارث لله بالمسيح" (غلا 4: 6-7).

كأولاد لله يلتزمون بحياة خاصة تناسبهم، تختلف في الداخل كما في السلوك الخارجي عن غيرهم. يذكِّرهم دائمًا بمركزهم: "أنتم أولاد الرب إلهكم". فقد دخلوا مع الله في ميثاق، ليس عن استحقاق خاص بهم، لكن خلال غنى مراحم الله الذي اختارهم ليكونوا شعبًا مقدَّسًا ومختارًا وخاصًا به. يليق بشعب الله أن يحمل قدسيَّة خاصة ولا يتمثَّل بالشعوب المحيطة به. أنَّه يرفعهم فوق جميع الشعوب من جهة الحياة المقدَّسة، فلا يليق بهم أن ينزلوا إلى العادات الوثنيَّة مثل تجريح الجسم وجعل رؤوسهم قرعًا للتعبير عن مشاعر الحزن في الجنازات.

أوصاهم الله بالامتناع عن العادات الوثنيَّة لكي ينفتح أمامهم الطريق للتعاليم الجديدة والإيمان الحيّ العملي. فقد كان من عادات الوثنيِّين تقطيع الشعر أو حلقه، وتجريح الوجه والضرب على الصدر، ووضع أصباغ قاتمة على الوجه، أمور يعبِّرون بها عن شدَّة حزنهم على الميِّت. فكان لزامًا على شعب الله ألاَّ يُشارك الوثنيِّين عاداتهم هذه علامة تمتُّعهم بحياة جديدة تختلف عمَّا للوثنيِّين.

الامتناع عن هذه العادات تعتبر شهادة عن مفاهيم جديدة للمؤمنين أولاد الله بخصوص الموت، إذ يرون في الأموات المقدَّسين في الرب راحلين إلى حياة أفضل. لم تنتهِ حياتهم بموتهم، بل لا زالوا أحياء مع إبراهيم واسحق ويعقوب، ينتظرون المجد الأبدي.

لقد حمل شعب الله في أجسادهم "الختان" علامة الرب، فلا يليق بهم أن يحملوا علامات الآلهة الغريبة، ألا وهي تجريح أجسامهم. فقد كان من عادة الوثنيِّين تجريح أجسادهم ليس فقط في الجنازات، وإنَّما أثناء ممارسة العبادة للآلهة كما كان يفعل كهنة البعل (1 مل 18: 28).

الله خالق الجسد لن يُسر بمن يُشوِّه جسده، بل بمن يهتم به ويعوله ويكرمه بما يليق كعطيَّة مقدَّسة من الرب. كل خليقة الله صالحة (1 تي 4: 4). الجسم هو عطيَّة إلهيَّة جميلة، ليس من حق الإنسان أن يشوِّهه بالتجريح مهما كان السبب. تجريح الأجساد في الجنازات يجعلهم كالأطفال الذين يشوِّهون أجسادهم متى لعبوا بسكِّينٍ ما، هكذا الله في أبوَّته يود أن يسحب السكِّين من أيديهم كي لا يضرُّوا أنفسهم.

التجريح والقرع يشيران إلى ما يحل بأقرباء المنتقل من يأس والمبالغة في الحزن، بينما يأمرنا الرسول بولس: "ثم لا أريد أن تجهلوا أيُّها الاخوة من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم" (1 تس 4: 13). امتناعهم عن هذا الحزن المفرط يشهد لإيمانهم بالقيامة من الأموات، ونصرتهم على الموت، وعدم خوفهم من العبور في وادي ظلال الموت.

تمييزهم عن غيرهم من الشعوب الوثنيَّة في الجنازات يُعلن إيمانهم بالحضرة الإلهيَّة في كل حين، حتى أمام الموتى، فإن الله هو إله الأحياء والأموات، يضم الكل معًا ليعيشوا معه إلى الأبد.

إن كنَّا لا ننكر أن المؤمن يحزن من أجل آلام الفراق، لكن في حدود، وإلي حين، فإن كثير من الوثنيِّين قبلوا الإيمان بالسيِّد المسيح عندما رأوا كيف واجه المسيحيُّون الموت بشجاعة وبشاشة. وقد سجَّل لنا الشهيد يوستين تأثُّره بهذا قبل قبوله الإيمان[135].

حتى في فترات السلام كان أحد العوامل التي جذبت الوثنيِّين نحو الإيمان طقوس جنازات المسيحيِّين وما حملوه من أحاسيس السلام والرجاء في الأبديَّة[136].

الإنسان الذي يسمِّر عينيه علي أعماقه الداخليَّة فيرى مسيحه في داخله، يتطلَّع أيضًا إلي موت الجسد فيراه عطيَّة إلهيَّة، قنطرة عبور إلي الخلود، وتحرُّر حقيقي من الحياة الزمنيَّة بكل أمراضها الروحيَّة والجسديَّة.

v     إن موت الأبرار صار رقادًا، بل صار هو الحياة.

القدِّيس باسيليوس الكبير

تطلَّع القدِّيس غريغوريوس النزينزي إلى أخته الأكبر منه القدِّيسة جورجونيا كنموذجٍ حيٍّ للمسيحي، وقد تأثَّر بها جدًا إذ كان مغرمًا بتقواها وورعها. وأوضح كيف استعدَّت للموت بلا خوف:

v     موطن جورجونيا كان أورشليم العليا (عب 12: 22-23)... التي يقطنها المسيح، ويشاركه المجمع وكنيسة الأبكار المكتوبين في السماء.

v     كل ما استطاعت أن تنتزعه من رئيس هذا العالم أودعته في أماكن أمينة. لم تترك شيئًا وراءها سوي جسدها. لقد فارقت كل شيء من أجل الرجاء العلوي. الثروة الوحيدة التي تركتها لأبنائها هي الاقتداء بمثالها، وأن يتمتَّعوا بما استحقَّته.

v     هنا أتكلَّم عن موتها وما تميَّزت به وقتئذٍ لأوفيها حقَّها... اشتاقت كثيرًا لوقت انحلالها، لأنَّها علمت بمن دعاها وفضَّلت أن تكون مع المسيح أكثر من أي شيء آخر على الأرض (في 1: 23).

تاقت هذه القدِّيسة إلى التحرُّر من قيود الجسد والهروب من وحل هذا العالم الذي نعيش فيه. والأمر الفائق بالأكثر أنَّها تذوَّقت جمال حبيبها المسيح إذ كانت دائمة التأمُّل فيه.

بقوله "اختارك الرب" [2] لا يعني السلبيَّة من جهة الإنسان، إنَّما يلزمه السلوك بما يليق بهذا الاختيار ليُحسب عضوًا حقيقيًا في الشعب المقدَّس.

v     لماذا اختارنا؟ "لنكون قدِّيسين وبلا لوم قدامه" (أف 1: 4). ذلك لكي عندما تسمع "اختارنا" لا تظن أن الإيمان وحده يكفي، بل يضيف الحياة والسلوك.

يقول إنَّه اختارنا بهذا الهدف، "لنكون قدِّيسين وبلا لوم"...

إن كان البشر في اختيارهم يختارون ما هو أفضل، بالأكثر يفعل الله ذلك.

بالحقيقة إن الاختيار هو عطيَّة الله المحب الرحيم، وهو أيضًا سلوك صالح.

لقد جعلنا قدِّيسين، ويليق بنا أن نستمر في القداسة. الإنسان القدِّيس هو من يشترك في الإيمان، الإنسان الذي بلا لوم هو الذي له حياة غير ملومة[137].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

2. الحيوانات الطاهرة:

قلنا إن المؤمن الحقيقي يشعر بالحضرة الإلهيَّة حتى عند وقوفه أمام ميِّت عزيزٍ جدًا لديه، فيسلك بما يليق بهذه الحضرة، وما يناسب إيمانه. الآن يُعلن المؤمن إدراكه للحضرة الإلهيَّة حتى عند مائدة الطعام، فقد كشف له الله عن الأطعمة المحلَّلة وتلك الدنسة. السؤال الذي يطرحه كثيرون: هل يهم الله نوع الأطعمة التي يأكلها مؤمنوه؟

أولاً: لكي يشعر المؤمن – في العهد القديم – بأنَّه ملتزم بقانون يحكمه في كل تصرُّفاته، لا ليحد حرِّيته، وإنَّما ليسنده، فيسلك بما يليق كابن لله. يشعر الإنسان المسيحي بالالتزام في كل سلوكه حتى في أكله وشربه ليس من أجل ضميره فقط، ولكن من أجل اخوته الضعفاء في الإيمان حتى لا يضع لهم معثرة (رو 14: 13). لقد وضع الرسول بولس مبدأ إيمانيًا حيًّا يقود سلوكنا وهو: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شيء لمجد الله. كونوا بلا عثرة لليهود ولليونانيِّين ولكنيسة الله، كما أنا أيضًا أُرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا" (1 كو 10: 31-33).

ثانيًا: لكي يشعر بأنَّه مكرَّس للرب، ينتسب إلى شعب مختار، ومملكة روحيَّة متميِّزة. إذ كان الله يود أن يعزل شعبه إلى حين حتى لا يشتركوا مع الأمم في رجاساتهم، أمر بعزلهم عن الاشتراك معهم في مائدة واحدة. فمن لا يشترك مع الغير على ذات المائدة لا يشترك في الأمور الأخرى. في كثير من البلاد حاليًا من يرفض الاشتراك مع إنسان في مائدة واحدة يُحسب كمن يرفض الدخول معه في أيَّة علاقات. في كثير من بلاد الشرق الأوسط من يرفض أن يشترك مع شخص على مائدة يُحسب كمن أهان واستخفَّ بمن يدعوه للوليمة. هكذا أراد الله أن يقطع شعبه من كل علاقة أو شركة جادة مع الأمم الوثنيَّة.

ثالثًا: لكي يفكِّر دومًا في الطهارة والقداسة حتى في أكله وشربه، لكي يصير قدِّيسًا كما أن الله قدُّوس. وكأن التمييز بين الأطعمة المحلَّلة والدنسة هي دعوة يوميَّة للشعب لكي ينشغل بالحياة المقدَّسة.

رابعًا: لأن الله أراد أن يمنع شعبه من الاشتراك مع الوثنيِّين في موائدهم التي يعتبرونها جزءً لا يتجزَّأ من العبادة الوثنيَّة. إذ كانت العبادة لا تقف عند تقديم الذبائح والبخور بل تمتد إلى الاشتراك في موائد للشيَّاطين. أمَّا وقد جاء السيِّد المسيح إلى العالم وحلَّ بين البشريَّة كواحدٍ منهم لاق بالمؤمنين ألاَّ يعتزلوا العالم وإلاَّ فيلزمهم الخروج منه (1 كو 5: 10)، لكنَّهم لا يشاكلون أهل العالم، بل يسلكون في جدَّة الحياة. وكما يقول الرسول بولس: "لا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيَّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" (رو 12: 2). "ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح؟! لأنَّكم قد اُشتريتم بثمن، فمجِّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (1 كو 6: 15، 20). صار الإنسان بكل كيانه للسيِّد المسيح الذي وحده يقوده بروحه القدُّوس، فيملك على النفس والروح والجسد بكل مواهبه وإمكانيَّاته ليعمل لمجد الله.

خامسًا: تحمل هذه الأطعمة رموزًا روحيَّة كما سبق فرأينا في دراستنا لسفر التكوين. التمييز بين الحيوانات الطاهرة والدنسة، وبالنسبة للطيور والحيوانات البحريَّة إنَّما يدعو المؤمن لإدراك التمييز بين المؤمنين الحقيقيِّين السالكين بروح البرّ والقداسة وغيرهم.

سادسًا: الله خالق الجسد مع النفس، فهو يهتم بكل ما يخص الإنسان جسديًا وروحيًا.

سابعًا: يود الله أن يؤكِّد وحدة الإنسان، فما يدخل المعدة له أثره حتى على النفس. وما تحمله النفس من مشاعر روحيَّة ونفسيَّة له تأثيره على الجسد.

سبق الحديث في شيء من التفصيل عن الأطعمة المحلَّلة والأطعمة المحرَّمة وما تحمله من مفاهيم رمزيَّة روحيَّة أثناء دراستنا لسفر اللآويِّين[138]، كما قدُّمت لأجل جوانب صحيَّة. لا توجد في العهد الجديد أطعمة طاهرة وأخرى نجسة، بل كل خليقة الله صالحة (1 تي 4: 4).

الآن في المسيح يسوع لا توجد أطعمة محلَّلة وأخرى محرَّمة، لكن من يهتم بحياته الروحيَّة يلزمه أيضًا أن يكون حريصًا فيما يخص جسده. اذكر على سبيل المثال شتَّان ما بين أم وهي تعد الطعام تمزجه بصلواتها وتسابيحها وبين أم تمزجه بأغاني عالميَّة. شتَّان بين من يمزج طعامه بالصلاة، فيشعر أنَّه في حضرة الرب حتى أثناء تناوله الطعام، وبين من يشغل ذهنه بأمور مفسدة أثناء ذلك.

"لا تأكل رجسًا ما.

هذه هي البهائم التي تأكلونها:

البقر والضأن والمعز.

والآيل والظبي واليحمور والوعل والرئم والثيتل والمهاة.

وكل بهيمة من البهائم تشق ظلفًا وتقسمه ظلفين وتجتر، فإيَّاها تأكلون.

إلاَّ هذه فلا تأكلوها ممَّا يجترّ وممَّا يشق الظلف المنقسم: الجمل والأرنب والوبر،

لأنَّها تجترّ لكنَّها لا تشق ظلفًا فهي نجسة لكم.

والخنزير لأنَّه يشق الظلف لكنَّه لا يجتر فهو نجس لكم.

فمن لحمها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا" [3-8].

الحيوانات المحلَّلة هي التي تتَّسم بالاجتراء ومشقوقة الظلف. إن أخذنا البقرة كمثال للاجتراء فإنَّها تحمل في داخلها معدة معقَّدة بها أكثر من مكان. ففي الصباح تأكل العشب الذي يدخل في موضع معيَّن في المعدة. وعند الظهيرة تستريح تحت ظل شجرة أو تقف خلف حائط تستظل وتبدأ في اجتراء ما سبق أن أكلت، فتنقله من موضعه في جزء معيَّن من المعدة إلى موضع آخر بعد أن تطحنه بأسنانها. هذه صورة للمؤمن الذي يجد في كلمة الله طعامه، يأكله ليجلس بين الحين والآخر يتأمَّل فيه. وكما يقول المرتِّل: "طوبى للرجل الذي في ناموس الرب يلهج نهارًا وليلاً" (مز 1: 2).

v     التأمُّل في الشريعة لا يعني مجرَّد قراءتها بل ممارستها. وكما يقول: الرسول بولس في موضع آخر: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئًا فافعلوا كل شيء لمجد الله"[139] (1 كو 10: 30).

القدِّيس جيروم

v     لنحسب كل شيء ثانويًا بجانب الاستماع إلى كلمة الله، إذ لا يوجد وقت غير مناسب لها... بل كل الأوقات تناسبها[140].

القدِّيس يوحنا الذهبي الفم

أمَّا الظلف المشقوق، فهو مشقوق من جانب علامة الانفصال، ومتَّحد من جانب علامة الوحدة. لهذا يشير الاجتراء إلي اللهج الدائم في كلمة الله[141]، أو كما يري العلامة أوريجانوس هو الانطلاق من المعني الحرفي لكلمة الله إلي المعني الرمزي[142].

يشير شق الظلف إلي قبول المؤمن للكتاب المقدَّس بعهديه القديم والجديد[143]، أو المؤمن الذي يعرف أن يتقدَّس في هذه الحياة الزمنيَّة ويكون مقدَّسًا في الحياة الأبديَّة[144]، أو المؤمن الذي له إيمان ثابت في الآب والابن[145].

من يسير بظلفٍ مشقوق من جانب ومتَّحد من الجانب الآخر، هو ذاك الذي يعرف كيف يسير بروح التمييز. يعرف ما لحياته الزمنيَّة وما هو حدودها، وما هو لحياته الأبديَّة وكيف تشغله. أمَّا عن الوحدة فإنَّه في كل سلوكه اليومي والتعبُّدي لا ينفصل قط عن مسيحه بل يسلك في المسيح يسوع ربنا. يقول الرسول بولس: "فكما قبلتم المسيح يسوع الرب اسلكوا فيه" (كو 2: 6).

إن كان الظلف يشير إلي ما هو ميِّت في جسمنا، فإن شق الظلف يشير إلي شق ما هو ميِّت فينا، أي الإماتة عن الشهوات القاتلة للنفس.

ولعلَّ السبب في رفض الأطعمة النجسة غالبًا لأنَّها كانت تستخدم كذبائح للأوثان مثل الخنزير والجمل. وفي فلسطين كان هذان الحيوانان يأكلان الحشائش السامة وكثيرًا ما تصيبهما الحشرات الضارة.

الله لا يطيق النجاسة، والعجيب أن الشعب في عناده يطلب ما هو نجس، لذا يقول في إشعياء النبي: "شعب يغيظني بوجهي دائمًا، يذبح في الجنات ويبخِّر على الآجر، يجلس في القبور، ويبيت في المدافن، يأكل لحم الخنزير، وفي آنية مرق لحوم نجسة" (إش 65: 3-4). لقد قدَّم لهم أنواعًا مختلفة من الحيوانات التي يمكن أكل لحمها حتى متى أشار إلى الامتناع عن حيوانات نجسة مثل الخنزير لا يتضايقوا.

3. الأسماك الطاهرة:

"وهذا تأكلونه من كل ما في المياه، كل ما له زعانف وحرشف تأكلونه.

لكن كل ما ليس له زعانف وحرشف لا تأكلوه أنَّه نجس لكم" [9-10].

نجد تحريمًا ضمنيًا ضدّ أكل الأسماك المحارية، لأنَّها تقتات على الأوساخ.

لكي تكون الحيوانات المائيَّة طاهرة يلزمها شرطان:

الأول: يكون لها زعانف تساعدها علي السباحة، فتقاوم كل تيَّار مياه. هذا يشير إلى النفس التي تقدر أن تجتاز مياه هذا العالم بقوَّة.

الثاني: يكون لها حرشف يحميها ممَّا يحيط بها، هذا الحرشف يشير إلي نعمة الله التي يتمسَّك بها المؤمن لكي يقاوم كل فساد محطِّم للنفس.

4. الطيور الطاهرة:

"كل طير طاهر تأكلون.

وهذا ما لا تأكلون منه النسر والأنوف والعقاب.

والحدأة والباشق والشاهين على أجناسه.

وكل غراب على أجناسه.

والنعامة والظليم والساف والباز على أجناسه.

والبوم والكركي والبجع.

والقوق والرخم والغواص واللقلق والببغا على أجناسه والهدهد والخفاش.

وكل دبيب الطير نجس لكم لا يؤكل.

كل طير طاهر تأكلون" [11-20].

الطيور المذكورة في [12-18] تقتات بالجيف، وعليه فإنَّها مُحرَّمة.

تُحسب الطيور الجارحة دنسة، لأنَّها لا تحمل حبًا بل عنفًا وافتراسًا للغير. هكذا من لا يحمل روح الحب بل البغضة والكراهيَّة لا يُحسب مقدَّسًا في عينيّ الرب.

الحشرات بوجه عام تُحسب دنسة.

5. الجثَّة الميِّتة:

"لا تأكلوا جثَّة ما،

تعطيها للغريب الذي في أبوابك فيأكلها أو يبيعها لأجنبي لأنَّك شعب مقدَّس للرب إلهك،

لا تطبخ جديًا بلبن أمّه" [21].

يحذِّرنا من أكل الجثَّة الميِّتة، لجوانبٍ صحيَّة، وأيضًا لمفهومٍ رمزي، فإنَّه يليق بالمؤمن ألاَّ يقتات بالأمور الميِّتة فيموت معها، بل يغتذي بكلمة الله الحيَّة والواهبة الحياة. لقد أراد الله أن يبتعد مؤمنو العهد القديم عن كل ما هو ميِّت، حتى يدركوا أنَّه يجب أن يدعوا الموتى يدفنون موتاهم، وأن يطلبوا ما هو فوق حيث لا يقدر الموت أن يلحق بهم.

القانون اليوم يمنع الجزَّار من بيع الجثث ضمانًا لمنع الأمراض، وخوفًا من التعرُّض للتسمُّم أو العدوى.

أحد العوامل للامتناع عن أكل الدم، هو عدم أكل الحيوانات والطيور الميِّتة حيث يكون دمها فيها لم يسل منها بذبحها.

جاءت وصيَّة عدم ذبح جدي بلبن أمّه لمنع السحر. كان الكنعانيُّون يطبخون الجدي بلبن أمّه كسحر ورقيَّة لزيادة الخصب. وأيضًا لمراعاة الاعتبارات الطبيعيَّة بين الوالدين والصغار حتى بين الحيوانات والطيور، مثل منع ذبح البقرة أو الشاة وابنها في يومٍ واحدٍ (لا 22: 28)، أو أحد الطيور الحاضنة مع صغارها (تث 22: 6). وقد سبق فقيل: "لا تطبخ جديًا بلبن أمّه" (خر 23: 19؛ 34: 25). لقد خلق الله الحيوانات من أجل الإنسان، وسُمح له أن يذبحها ويأكلها، لكنَّه يفعل هذا مع مراعاة مشاعر الأم (من الحيوانات والطيور). كأن الله يدفع مؤمنيه نحو الترفُّق بكل الخليقة حتى غير العاقلة، مراعيًا مشاعرها ما استطاعوا.

بخصوص الجدي لا يُطبخ بلبن أمّه، يرى البعض أنَّه يشير هنا إلى الحمَل الذي يقدَّم للفصح.

6. العشور:

يقدِّم لنا ثلاثة استعمالات لمواردنا: لخدمة الله، ولسعادة عائلاتنا، والاهتمام باحتياجات الغير.

تحدَّث عن العشور وتقديمها لله موضِّحًا النقاط التالية:

1. حفظ السبت يقوم على أساس تقديم العشور، فإن كل وقت الإنسان وغناه هو عطايا من الله، وأمانة له عندنا (تث 8: 18، مت 25: 14). يجب أن نخصِّص جزءً للمقدَّس كعلامة على تقديس الكل (23: 25).

"تعشيرًا تعشِّر كل محصول زرعك الذي يخرج من الحقل سنة بسنة" [22].

2. كان تقديم العشور والباكورات فرصة لإقامة الأعياد والكرم على كل من في الأبواب [27] وكأن موسى بذلك يتطلَّع إلى أيَّام السلام والرخاء المقبلة. تقديم العشور علامة تقديس كل ما نملكه لحساب الرب. يبدو أنَّها شريعة تقليديَّة سُلِّمت عبر الأجيال (يعقوب في بيت إيل تك 28: 22). إذ يشعر المؤمن أن ما يملكه (الأرض) هو عطيَّة مقدَّسة من الرب، لذا يلتزم أن يقدِّم العشور علامة تجاوب قلبه بالحب مقابل الحب الإلهي. في حبُّه يقدِّم للآويِّين (خدام الكلمة) والغرباء والأيتام والأرامل [29]. أمَّا ثمرة ذلك فهو الفرح [26] والبركة [29].

"وتأكل أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره ليحل اسمه فيه عشر حنطتك وخمرك وزيتك

وأبكار بقرك وغنمك، لكي تتعلَّم أن تتَّقي الرب إلهك كل الأيَّام.

ولكن إذا طال عليك الطريق حتى لا تقدر أن تحمله،

إذا كان بعيدًا عليك المكان الذي يختاره الرب إلهك ليجعل اسمه فيه إذ يباركك الرب إلهك.

فبعه بفضَّة وصُرّ الفضَّة في يدك واذهب إلى المكان الذي يختاره الرب إلهك" [23-25].

3. يربط العطاء بالفرح: "وأنفق الفضَّة في كل ما تشتهي نفسك في البقر والغنم والخمر والمسكر وكل ما تطلب نفسك، وكل هناك أمام الرب إلهك وافرح أنت وبيتك، واللآوي الذي في أبوابك لا تتركه لأنَّه ليس له قسم ولا نصيب معك" [26-27].

"في آخر ثلاث سنين تخرج كل عُشر محصولك في تلك السنة وتضعه في أبوابك.

فيأتي اللآوي لأنَّه ليس له قسم ولا نصيب معك، والغريب واليتيم والأرملة الذين في أبوابك ويأكلون ويشبعون، لكي يباركك الرب إلهك في كل عمل يدك الذي تعمل" [28-29].

v     في هذه التقدمة (فلسيّ الأرملة مر 12: 41-44). بالحق ظهر ما تعدَّى حديث موسى بخصوص موضوع تقدمة الأموال. فقد تقبَّل موسى عطايا من الذين لهم مالاً، أمَّا يسوع فيتسلَّم عطايا حتى من الذين ليس لهم.

هيجيمونس[146]

v     عُهد إلينا أن ندبِّر ونستخدم الغنى الزمني من أجل الصالح العام، لا كمن يملكون شيئًا ملكيَّة خاصة أبديَّة. إن قبلت الحقيقة أن المالك على الأرض هو إلى حين، فإنَّك تستطيع أن تتمتَّع بملكيَّة أبديَّة في السماء. تذكر الأرملة التي نست نفسها خلال اهتمامها بالفقراء، وفكَّرت فقط في الحياة العتيدة، فقدَّمت كل ما لديها، كما شهد الديَّان نفسه. أنَّه يقول بأن الآخرين قدَّموا من فضلاتهم، أمَّا هي إذ لم تملك إلاَّ فلسين وكانت أكثر احتياجًا من كثير من الفقراء – مع أنَّها فاقت كل الأغنياء في الغنى الروحي – فكَّرت فقط في الحياة العتيدة، وإذ كانت مشتاقة إلى الكنز السماوي لذلك قدَّمت مرة واحدة كل ما يُسحب من الأرض، وأصرَّت أن تردُّه... لنردّ للرب العطايا التي وهبنا إيَّاها. لنقدِّمها له، ذاك الذي يتقبَّلها في شخص كل فقير أو فقيرة. لنعطي بسرور، أقول أنَّه سيكون لنا فرح عظيم عندما نتقبَّل المكافأة التي وعد بها[147].

بوليناس أسقف نولا

Paulinus of Nola

4. يوجد نوعان من العشور، الأولى تقدَّم للآويين ومنها يُدفع نصيب الكهنة (عد 18: 24-28؛ نح 10: 37-38). ما تبقَّى يُدفع منه العشور الثانية التي يأكلون منها أمام الرب في السنتين الأولى والثانية، أمَّا عشور السنة الثالثة فتدفع للآويين والفقراء (تث 14: 28-29). في السنتين الرابعة والخامسة يأكل منها أصحابها، وفي السنة السادسة تقدَّم للفقراء والسنة السابعة تقدَّم سبتًا للأرض ويكون كل شيء مشاعًا (خر 23: 10-11)[148].

5. يشعر اللآويون أنَّهم ملتزمون بتقديم البركة للشعب خلال التعليم والصلاة، ويفرح الشعب أن يشاركهم عطايا الرب لهم [29].

 


من وحيّ تثنية 14

لأسلك كابنٍ لك،

وكعضوٍ في شعبك المقدَّس!

v     اخترتني ابنًا لك،

قطعت معي عهدًا، وقدَّمت لوحيّ العهد ميثاقًا.

هب لي أن أسلك بما يليق كابنٍ مقدَّس لك.

v     ليكن لي السلوك اللآئق،

بمن ينتسب لشعبٍ خاص، فينتسب للقدُّوس.

لا أسلك بغباوة الجهال،

فلا أجرح جسدي في جنازة،

ولا أصير أقرع بسبب حزنٍ مفرط.

v     ليتقدَّس حتى أكلي وشربي.

فلا يدخل فمي شيء غير لائق،

ولا يدخل قلبي دنس ما.

v     لأقدِّم لك العشور والبكور والنذور،

واحسب ذلك رمزًا لتقديم كل مالي،

فإنَّني لا أملك شيئًا.

كل ما في يدي هو من غنى حبَّك ورعايتك.

[135]  2 Apology, 12. راجع للمؤلف: عطية الموت، 1998.

[136] Boniface Ramsey: Beginning to Read the Fathers, p. 218.

[137] In Ephes. hom. 1.

[138] راجع تفسير اللاويين، اصحاح 11.

[139] In Ps. Hom. 1.

[140] In John, hom, 18:4.

[141] Ep. Of Barnabas 10:11,12; St. Clement of Alexandria: Paedag. 3:11; St. Irenaeus: Adv.

[142] Origen: In Lev. Hom. 7:6.

[143] St. Jerome: On Ps. hom. 23.

[144] St. Clement of Alexandria: Stromata 5:8; Paedagogus 3:11.

[145] St. Irenaeus: Adv. Haer. 5:8:4.

[146] Disputation with Manes, 42.

[147] Letters 34:2-4

[148] Adam Clarke Commentary.