الأصحاح الثالث

3

وليمة العرس

بالتجسد الإلهي نزل الخاطب إلى خطيبته يطلب يدها، وبقيامته دعاها أن تقوم به ومعه فلا تخاف الموت ولا ترعب سلطان الخطية، لكنه طالبها أن تحذر الثعالب المفسدة لكرم الاتحاد معه. استجابت العروس لدعوة الخاطب المتكررة "قومي... تعالي" فدخلت وليمة العرس التي هي صلبه وقيامته لتنعم بالاتحاد به، فناجته قائلة:

"حَبِيبِي (قريبي) لِيّ وَأَنَا لَهُ، الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ.

إِلَى أَنْ يَفِيحَ النَّهَارُ وَتَنْهَزِمَ الظِّلاَلُ،

ارْجِعْ وَأَشْبِهْ يَا حَبِيبِي (قريبي) الظَّبْيَ وصغير الأَيَِلِ

عَلَى الْجِبَالِ الْمُشَعَّبَةِ (الضيقة)" [١٦-١٧].

عقد أملاك مشترك:

اعتادت الكنيسة القبطية أن تسمي سرّ الزواج "عقد أملاك وزواج" ففي هذا السرّ يُقدم كل منهما نفسه في ملكية الآخر، كقول الرسول بولس "ليس للمرأة تسلط على جسدها بل للرجل، وكذلك الرجل أيضًا ليس له تسلط على جسده بل للمرأة" (١ كو ٧: ٤). فلا يطلب أحدهما ما لنفسه بل ما هو للآخر، متخليًا عن الكثير من ميوله ورغباته لأجل الآخر، مقدمًا كل ما يملك للطرف الآخر.

هذا السرّ تراه النفس البشرية أو الكنيسة في أكمل صورة على الصليب، حيث يُقدم الرب دمه مهرًا ليدخل كل منهما في ملكية الآخر... لتقول العروس "حبيبي ليّ وأنا له".

رأته على الصليب معلقًا، فأدركت بحق مفهوم العرس السماوي، فقد اشتراها بكمال حبه، قدم حياته فدية لحياتها، لهذا هي أيضًا تلتزم أن تُقدم حياتها له بفرح وسرور. حتى في الحياة الأبدية تتغنى هكذا: "لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا لله بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ" (رؤ ٥: ١).

أدرك الرسل سرّ الاتحاد الزوجي خلال الدم المبذول على الصليب فأعلن بطرس الرسول: "عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ...، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ" (١ بط ١: ١٨-١٩). وطالبنا الرسول بولس أن نُقدم حياتنا لفادينا لا لذواتنا أو للناس قائلاً: "قد اشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيدًا للناس" (١ كو ٧: ٢٣)، "أنكم لستم لأنفسكم لأنكم اشتريتم بثمن، فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (١ كو ٦: ١٩-٢٠). ورأى القديس يوحنا أن سرّ تبعيتنا لله في الحياة الأبدية هي هذا الثمن إذ قال: "هؤلاء هم الذين يتبعون الخروف حيثما يذهب، هؤلاء اشتروا من بين الناس باكورة لله وللخروف" (رؤ ١٤: ٤).

تذوق القديس أغسطينوس وليمة العرس التي تحققت على الصليب، فرأى كأن الله لم يهتم بأحد غيره (حبيبي ليّ)، إذ يقول[98]:

[إلهي... إننيّ إذ أتأمل ضميري، أراك ناظرًا نحوي دائمًا، ومتنبهًا إلي نهارًا وليلاً بجهد عظيم، حتى كأنه لا يوجد في السماء ولا على الأرض خليقة غيري.

تسهر عليّ، وكأنك قد نسيت الخليقة كلها!

تهبني عطاياك، كأنيّ وحدي موضع حبك!]

هكذا إذ شعر القديس كأن الله لا يهتم إلاَّ به، أراد هو بدوره ألا ينشغل إلاَّ به، وإلاَّ يوجد إلاَّ معه، وكأنه يقول مع العروس "أنا لحبيبي"... إذ يقول[99]:

[أتوسل إليك: اخبرني أين أنت؟!

أين ألقاك فأختفي فيك بالكلية ولا أوجد إلاَّ فيك!

إننيّ أشتهي الموت لكي أراك، إننيّ لا أريد العيش بعد لكي أحيا بك!

امتلكني بكليتي فألتصق بك تمامًا!].

خلال الصليب تُناجى النفس عريسها الأبدي، قائلة: "حبيبي ليّ وأنا له". كأنها تقول له لقد قدمت ليّ كل حياتك فماذا أرد لك؟! أنت لست محتاجًا إلى عبوديتي ولا إلى خدمتي ولا إلى تسبيحي لكنك تريد حياتي كلها!

الراعي بين السوسن:

إن كان العريس قد سبق فدعى نفسه "سوسنة البرية" (نش ٢: ١)، والآن فإن الكنيسة تود أن تفرح قلبه فتدعوه: "الراعي بين السوسن"، وكأنها تقول له: أيها السوسنة المتألمة، لقد أثمرت شجرة صليبك اتحادا، فجعلت منا نحن أيضًا "سـوسن" على مثالك.

لتفرح وتسر، فإن كنيستك قد حملت سماتك وشاركتك حتى في أسمك!

ويرى القديس چيروم[100] أن السوسن يُشير إلى البتولية، وكأن الرب البتول قد صار راعيًا للبتوليين الذين لم يدنسوا ثيابهم. أتحد البتول بنا فصار كل ما فينا بتولاً، صار لنا الفكر البتولي والقلب البتولي والحواس البتولة... الخ.

وليمة القيامة أو الوليمة الأبدية:

إذ دخلت النفس وليمة العرس الإلهي وتذوقت قيامة الرب في حياتها، أي اختبرت القيامة الأولى، قيامة النفس من موت الخطية، اشتهت القيامة الثانية أو قيامة الجسد في مجيء الرب الأخير، فصارت تستعطف العريس قائلة: "أرْجِعْ يَا حَبِيبِي". وكأنها تقول له في مجيئك الأول كنت وراء حائطنا ولم أعرفك، ولا انتظرتك، الآن قد عرفتك أنت كالظبي أو كصغير الآيل[101]، صارت ليّ خبرة معك، أقول: نعم، تعال أيها الرب يسوع فأنيّ ألقاك لأعيش معك إلى الأبد.

إنها تتوسل إليه أن يأتي إليها، لكن ليس كالمرة الأولى وراء الحائط يبرق من الشبابيك، إنما يأتي على السحاب علانية، في النهار الجديد، إذ "يَفِيحَ النَّهَارُ وَتَنْهَزِمَ الظِّلاَلُ".

بمجيئه الأول وتمتعها بشركة آلامه وتعرفها على قيامته تحول ليلها إلى نهار جديد، كقول الرسول بطرس: "عندنا الكلمة النبوية وهي أثبت التي تفعلون حسنًا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم" (٢ بط ١: ١٩).

إذ يحل الرب القائم من الأموات في القلب يشرق بنوره فينا، فينفجر النهار داخلنا، ويبقى الرب "عاملاً في النهار في الهيكل أي داخل القلب" (لو ٢١: ٣٧)، لكي يجعلنا على الدوام "أبناء نور وأبناء نهار، ليس من ليل ولا ظلمة" (١ تس ٥: ٥). خلال هذا العمل الإلهي تصير "كنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل" (أم ١٤: ١٨)، قائلين مع المرتل: "الليل يُضيء حولي. الظلمة أيضًا لا تظلم لديك، والليل مثل النهار يضيء كالظلمة هكذا النور" (مز ١٣٩: ١١-١٢)، مرددين مع الرسول: "قد تناهى الليل وتقارب النهار. فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور لنسلك بلياقة كما في النهار" (رو ١٣: ١٢-١٣).

إذ ندخل إلى وليمة القيامة نرى الله يُردد: "بسطت يدي طول النهار" (إش ٦٥: ٢)، أي نرى الآب قد بسط يديه بالحب خلال صليب الابن يُريد أن يضم حتى الشعب المعاند. ويبقى الله عاملاً ما دام الوقت نهارًا، أي يعمل فينا ما دام الرب منيرًا في داخلنا، حتى نمشي نحن أيضًا في النهار ولا نعثر (يو ١١: ٩).

بالقيامة الأولى ندخل إلى النهار الجديد، لكننا إذ نرفع أعيننا إلى القيامة الأخيرة ومجيء الرب الأخير نرى كأن حياتنا في ظلال تنتظر النهار الأبدي فنصرخ معترفين بضعفنا: "إِلَى أَنْ يَفِيحَ النَّهَارُ وَتَنْهَزِمَ الظِّلاَلُ"... نراه قادمًا على الجبال المشعبة المملوءة ضيقًا، لكي يهزم ظلال الزمن ويدخل بنا إلى النهار الذي ليس فيه ليل، الذي وصفه الرسول يوحنا هكذا:

"ولا يكون ليل هناك ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس، لأن الرب الإله يُنير عليهم وهم سيملكون إلى أبد الآبدين" (رؤ ٢٢: ٥).

"أبوابها لن تغلق نهارًا، لأن ليلاً لا يكون هناك" (رؤ ٢١: ٢٥).

التعرف على القائم من الأموات:

بعد أن ترنمت العروس تمتدح فاعلية الصليب في حياتها معلنة أن وليمة القيامة هي وليمة العرس، خلالها تنعم بالاتحاد مع العريس وتنطلق أعماقها الداخلية نحو مجيئه الأخير، استعرضت في صورة رمزية لأحداث القيامة بالنسبة لها، فقالت:

"فِي اللَّيْلِ[102] عَلَى فِرَاشِي طَلَبْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي،

طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ، دعوته فما سمع ليّ[103]،

إِنِّيّ أَقُومُ وَأَطُوفُ فِي الْمَدِينَةِ، فِي الأَسْوَاقِ وَفِي الشَّوَارِعِ، أَطْلُبُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي، طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ،

وَجَدَنِي الْحَرَسُ الطَّائِفُ فِي الْمَدِينَةِ فَقُلْتُ: أَرَأَيْتُمْ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي؟

فَمَا جَاوَزْتُهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً حَتَّى وَجَدْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي،

فَأَمْسَكْتُهُ وَلَمْ أَرْخِهِ حَتَّى أَدْخَلْتُهُ بَيْتَ أُمِّي وَحُجْرَةَ مَنْ حَبِلَتْ بِيّ.

أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بِالظِّبَاءِ وَبِأَيَائِلِ (قوي) الْحَقْلِ أَلاَّ تُيَقِّظْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى

يَشَاءَ" [١–٥].

يمكننا تفسير هذا الحديث من وجهتين، كحديث الكنيسة الجامعة لعريسها المسيح، أو حديث النفس كعضو في الكنيسة مع مسيحها.

١. التفسير الأول: حديث الكنيسة الجامعة:

حمل هذا الحديث الرمزي صورة حية لأحداث القيامة بالنسبة للكنيسة منذ أرتفع عريسها على الصليب فقد طلبته ثلاث مرات ولم تجده إلاَّ في المرة الأخيرة.

أ. ففي المرة الأولى طلبته "في الليل"، ولعل ذلك إشارة إلى الظلمة التي غطت الأرض في لحظات الصليب، إذ يقول الكتاب: "ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة. ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم... وإذا حجاب الهيكل قد أنشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين" (مت ٢٧: ٤٥–٥٢).

صار النهار ليلاً، وكانت ظلمة على كل الأرض، ولم يستطع حتى التلاميذ أن يدركوا سرّ الخلاص في ذلك الحين... إذ لم يكونوا بعد قد تمتعوا بالاستنارة. طلبوه وهم على فراشهم فما وجدوه ودعوه فلم يسمع لهم. طلبوه وهم في ظلمة الفكر الجسداني البشري، وهم على فراشهم غير قادرين على الجهاد معه أو إدراك أسرار الروح، فلم يجدوه. لعلهم كانوا يتساءلون في داخل أفكارهم: هل هذا هو المسيا المخلص؟! أو على حد تعبير تلميذي عمواس فيما بعد: "كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل" (مر ٢٤: ٢٠). ربما كانوا يتوقعون أنه يفلت من أيدي صالبيه وينتقم لنفسه ويقيم مملكته في ذلك الحين، لكن شيء من هذا لم يحدث قط!

ب. وفي المرة الثانية طلبته العروس ليلاً، ليس على فراشها وإنما كما قالت: "إِنِّي أَقُومُ وَأَطُوفُ فِي الْمَدِينَةِ فِي الأَسْوَاقِ وَفِي الشَّوَارِعِ"، وهذا إشارة إلى حال التلاميذ بعدما دفن الرب ودخلوا إلى العلية وتحول وقتهم كله إلى ليل، إذ طلبوا الرب وهم خائفين والأبواب مغلقة. لقد حاولوا أن يسترجعوا قوتهم ويقومون يبحثون عنه في المدينة في الأسواق والشوارع. لقد كان الوقت سبتًا، لكنهم لم يذوقوا طعم الراحة، ولا قدروا أن يستكينوا إنما تحولت عليتهم وليس المدينة، وتحولت أفكارهم وربما أحاديثهم معًا إلى أسواق وشوارع، يتساءلون كل في داخله أو مع زملائه: وما نهاية الأمر؟! بحثوا عنه فيما بينهم وهاجوا وماجوا في أعماقهم ولا سلام!.

ج. أما في المرة الثالثة فقد تم البحث عنه عند القبر الفارغ، فقد خرجت مريم فجر الأحد والظلام باق لم تبالي أن تسير في الشوارع والأسواق حتى اجتازت القبر. لقد خرجت نيابة عن الكنيسة حزينة القلب وسألت الملاك بدموع عمن تحبه نفسها، وما جاوزته قليلاً حتى رأت الرب والتصقت به[104]... لقد أمسكت به أولاً لكنها إذ أرادت أن تبقى هكذا سألها أن تسرع وتخبر التلاميذ أن يلتقوا به في الجليل... وكأن القديسة مريم قد دخلت به إلى الكنيسة بيت أمها وحجرة من حبلت بها.

أما حديث الكنيسة: "أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بِالظِّبَاءِ وَبِأَيَائِلِ (قوي) الْحَقْلِ أَلاَّ تُيَقِّظْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ" فهو حديث عتاب مملوء حبًا موجه من الكنيسة المسيحية إلى جماعة اليهود. لقد سخروا بالعريس على الصليب قائلين: "إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب" (مت ٢٧: ٤٠)، وكذلك رؤساء الكهنة أيضًا وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا: "خلص آخرين وأما نفسه فلم يقدر أن يخلصها. إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به" (مت ٢٧: ٤١-٤٢). وكأن الكنيسة بعد أن دخلت إلى قيامته عادت تقول لبنات أورشليم: لماذا كنتن تستعجلن العريس أن يقوم، أسألكن بحق الأنبياء "الظِّبَاءِ وأَيَائِلِ الْحَقْلِ" أن تتركن إياه ليقوم في اليوم الثالث حيث شاء هكذا! إن كان قد رقد على الصليب فراجعن النبوات واذكرن أنه يقوم متى شاء! لقد عرفت الآن سرّ موته ودفنه، إنه مات عن قوة، وقام ليقيمنا معه!

٢. التفسير الثاني: حديث النفس البشرية:

إن كانت الكنيسة قد طلبته ثلاث مرات، وهو على الصليب، وهو في القبر، وأخيرًا بعد قيامته عند القبر الفارغ... وفي اليوم الثالث وجدته، فإن النفس البشرية في بحثها عنه قد تطلبه ثلاث مرات أو بثلاث طرق لكنها لا تجده إلاَّ في الطريق الأخير: تطلبه بمجهودها الذاتي، أو تطلبه خلال الخدام وحدهم، وأخيرًا تطلبه بثقة في إمكانيات عمل الله فيها دون تجاهل لجهادها أو لخدمة العاملين في كرمه.

أ. طلب الرب بالمجهود البشري الذاتي: لقد بدأت النفس حديثها: "فِي اللَّيْلِ عَلَى فِرَاشِي..." لعلها في وقت ضعفها حلمت حلمًا مزعجًا أنها قد فقدت عريسها، فخرجت تبحث عنه بمجهودها الذاتي لكنها لا تقدر أن تلتقي معه إن لم يجتذبها هو إليه.

ربما عنت بالليل إنها صارت مسترخية في ظلمة الاستهتار، تطلبه وهي مستلقية على فراشها في تواكل بلا جهاد روحي حق... لذلك طلبته فما وجدته. إنما لم تسترح على السرير الذي وصفته قبلاً "سريرنا أخضر" (نش ١: ١٦)، لكنها أرادت أن تستلقي على سريرها البشري.

رأينا أن الحديث عن "سريرنا الأخضر" يُشير إلى اتحاد الله الكلمة ببشريتنا، فحمل جسدنا فيه، أما الحديث عن "سريري" أو "فراشي" فيُشير إلى "جسدي" أو "بشريتي" في اعتزالها أو اعتدادها بذاتها. لقد طلب القديس أغسطينوس الرب وهو مستلقي على فراشه حين خرج يبحث عنه في كبرياء فلم يجده إذ قال[105]: [إننيّ أغلقت على نفسي باب إلهي... وعندما أردت القرع عليه ليفتح ليّ كنت أعمل بالأكثر على إحكام غلقه لأننيّ تجاسرت بالبحث بكبرياء، عن ذاك الذي لا يعرفه غير المتواضعين... بينما كنت أنا هالكًا كنت أظن أنيّ قادر على الطيران فتركت العش وسقطت قبل أن أطير، ولكن إله الرحمة أقامني حتى لا يطأني المارة بأقدامهم حتى الموت، ووضعني في العش].

ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص[106] أنها تدعوه هنا "مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي" ولا تعطه اسم، لأنها حين طلبته باسم له، ذاك الذي لا يسمى، لم تجده... سألت عنه القوات الملائكية المجتمعين يسبحون معًا في أعداد بلا حصر فصمتوا... إذ هي تطلب ذاك الذي لا يُدرَك بطريقة محدودة مدركة... وفي صمتهم أدركت خطأها. لهذا فإنها تحرص الآن ألاَّ تلقبه باسم ما.

ب. في المرحلة الثانية خرجت النفس من ذاتها، إذ تركت فراشها قائلة "أقوم"، ودخلت المدينة تبحث عن عريسها، تبحث عنه داخل المدينة في الأسواق والشوارع.

خرج أغسطينوس إلى الأسواق بالبحث عن الله خلال كتب الفلاسفة، وإلى الشوارع بالبحث عنه في الطبيعة، لكنه لم يجد الله، إذ لغباوته خرج يطلب الله خارج نفسه، مع أن الله كان في داخله عميقًا أعمق من عمقه وعاليًا أعلى من علوه.

ولعل المدينة هنا تُشير إلى الكتاب المقدس، فدخلت النفس إلى أسواق الكتاب وشوارعه أي رموزه ونبواته ومع هذا لم تستطع أن تلتقي بعريسها، لأنها لم تطلب عون الله الذي يجتذبها إليه. هذا ما صنعه رؤساء الكهنة وكتبة الشعب حين فتشوا في الكتاب وعرفوا عن المسيا أنه يولد في بيت لحم اليهودية (مت ٢: ٤–٦)، مخبرين هيرودس بذلك دون أن يلتقوا هم بمسيحهم!

ج. في المرحلة الثالثة بحثت عنه خلال "الحراس" الذين هم خدام الكلمة الإلهي وفي هذه المرة أيضًا لا تقدر أن تلتقي بعريسها إلاَّ بعد تجاوزهم قليلاً. فالعاملون في الكرم يسندون النفس للدخول إلى العريس، لكنهم لا يقدرون أن يدخلوا بها إليه إلاَّ بعمله هو، إذ وحده يقدر أن يجتذب القلب نحوه.

حقًا، إن الكهنة ملتزمون بالحراسة، لكن "إن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً سهر الحراس" (مز ٢٧: ١). إن كانوا يقومون بالعمل الكهنوتي فمن خلال العريس نفسه "الكاهن على رتبة ملكي صادق إلى الأبد".

لقد أدرك الرسول بولس التزام شعبه أن تجاوزه هو ورفقاءه، إذ أكد لأهل كورنثوس "من هو بولس ومن هو أبلوس... أنا غرست وأبلوس سقى، لكن الله كان ينمي" (١ كو ٣: ٥-٦).

بالمسيح يسوع نفسه تختبر النفس الاتحاد معه، فتدخل به إلى أعماقها إلى القلب الداخلي، يتناجيان بعيدًا عن كل الأنظار، يكشفان أسرارهما لبعضهما البعض بغير تكلف!

إنها تسأل بنات أورشليم، أي المقربات إليها، أن يتركونها مع عريسها في حياة السكون والصلاة الخفية... فإنها تود ألاَّ يشغلها شيء عن بقائها في أحضان هذا العريس الواهب الحياة.

العروس المقامة:

انتهى الحلم المزعج وتبددت الظلمة بقيامة الرب، فتعرفنا عليه وتمتعنا بالاتحاد به، وصار لنا سمة "قيامته"، لهذا وقفت الملائكة كأصدقاء العريس القائم من الأموات تترنم ممتدحة العروس القائمة مع عريسها، قائلين:

"مَنْ هَذِهِ الصَّاعِدَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ،

كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ،

مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ؟" [٦].

يلاحظ أن هذا الحديث لا يمكن أن ينطبق على الحب الجسداني، وإلا ما وجه الارتباط بينه وبين الحديث السابق له، ففي أول الأصحاح نرى العروس مسترخية على فراشها تطلب عريسها ولا تجده، وبعد الجهد التقت به ودخلت به إلى بيت أمها، والآن نراها فجأة توصف أنها صاعدة من البرية معطرة بالمر وباللبان ومزينة بكل أدوات التجميل (الأذرة) المشتراة من التاجر... فهل تدخل به إلى بيت أمها وتتركه لتخرج بالعطور والزينة؟! لكنه حديث روحي رائع فإن العروس وقد التقت بعريسها القائم من الأموات الصاعد إلى سمواته قد أدخلته إلى قلبها... وكانت الثمرة الطبيعية لهذا العمل أن صعدت به ومعه إلى سمواته، كقول الرسول بولس: "أقامنا معه وأجلسنا معه في السمويات". دخوله إلى أعماقها رفعها عن برية هذه الحياة، فصارت تُناجيه: "ليّ اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذلك أفضل" (في ١: ٢٣).

لعل هذه الكلمات "مَنْ هَذِهِ الصَّاعِدَةُ ...؟" تصدر عن العريس نفسه الذي يسندها ويشجعها مؤكدًا لها أنه يراها صاعدة إلى السموات بالرغم وجودها الآن على الأرض، إنها وهي بعد في الجسد صارت كالدخان الحامل رائحة الصلاة الذكية، فيه نسمات العريس نفسه. ولعلها كلمات السمائيين الذين تطلعوا إلى البشريين الترابيين وقد أنفتح أمامهم باب الفردوس وانطلقوا بالسيد المسيح الساكن فيهم مرتفعين من يوم إلى يوم نحو السمويات ولعلها أيضًا كلمات بنات أورشليم هؤلاء اللواتي كن قبلاً يعيرون الكنيسة بسوادها كما سبق فرأينا بسبب عدم انتسابها للآباء والأنبياء... إذ هي من الأمم، لكنها تظهر الآن خلال اتحادها بالمسيا المخلص جميلة وبهية، تصعد من مجد إلى مجد!.

صعود من البرية:

في القديم تاه شعب إسرائيل أربعين عامًا في البرية، تعرضوا فيها للدغات الحيات القاتلة بسبب عصيانهم وتذمرهم، وارتبط الأمم ببرية العالم وتدنسوا بالشرور... أما الآن فقد اتحد المؤمنون بالمسيا الذي وحده يقدر أن يخرج بالإنسان من برية هذا العالم إلى حرية الملكوت السماوي، وكما يقول الرب نفسه: "ليس أحد صعد إلى السماء إلاَّ الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يو ٣: ١٣). وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[107]: [نحن الذين كنا قبلاً غير مستحقين للمجد الأرضي، نصعد الآن إلى ملكوت السموات، وندخل السموات، ونأخذ مكاننا أمام العرش الإلهي].

أعمدة من دخان معطرة:

في القديم كان الله ينزل على جبل سيناء فيدخن علامة بهاء مجده وقدرته (خر ١٩: ١٨؛ ٢٠: ١٨؛ مز ١٠٤: ٣٢؛ ١٤٤: ٥)، وإذ كان مجده ينزل في بيته المقدس، سواء الخيمة أو الهيكل، كان الموضع يمتلئ دخانًا (إش ٦: ٤؛ راجع رؤ ١٥: ٨). أما وقد أنفتح قلب المؤمن للرب صارت حياته نفسها مجدًا لله، صارت دخانًا طيبًا صاعدًا من برية هذا العالم ومرتفعًا نحو السماء.

كان الدخان يُشير إلى حلول الله وحضرته ليعطي وعدًا لأحبائه كما فعل مع إبرام حين شق الذبائح الدموية من الوسط ودخل الرب معه في وعود حية، إذ بتنور دخان ومصباح نار يجوز بين القطع (تك ١٥: ١٧)، أما الآن فقد حلّ الرب في قلب شعبه وانطلق بهم كالدخان لا ليسمعوا وعودًا من الله إنما لينعموا بالله نفسه نصيبهم وميراثهم.

وكان الدخان أيضًا يُشير إلى حضرة الرب لتقديس شعبه كقول النبي إشعياء: "إِذَا غَسَلَ السَّيِّدُ قَذَرَ بَنَاتِ صِهْيَوْنَ وَنَقَّى دَمَ أُورُشَلِيمَ مِنْ وَسَطِهَا بِرُوحِ الْقَضَاءِ وَبِرُوحِ الإِحْرَاقِ، يَخْلُقُ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَكَانٍ مِنْ جَبَلِ صِهْيَوْنَ وَعَلَى مَحْفَلِهَا سَحَابَةً نَهَاراً وَدُخَاناً وَلَمَعَانَ نَارٍ مُلْتَهِبَةٍ لَيْلاً" (إش ٤: ٤-٥)، أما الآن وقد تقدست الكنيسة في دم المسيح واغتلست في مياه المعمودية ألهبها نار الروح القدس فصارت دخانًا مقدسًا يرتفع إلى حيث المسيح جالس.

ويُشير الدخان إلى حياة الصلاة كقول القديس يوحنا اللاهوتي: "فصعد دخان البخور مع صلوات القديسين من يد الملاك أمام الله" (رؤ ٨: ٤)... لهذا جاء في سفر النشيد أن الصاعدة كأعمدة من بخور معطرة بالمر واللبان... لأن اللبان رمز لحياة الصلاة.

على أي الأحوال، إنها ليست دخانًا يملأ الدنيا اختناقًا علامة غضب الله (تث ٢٩: ٢٠؛ إش ٣٤: ١٠؛ رؤ ٩: ٢، ١٤: ١١، ١٨: ٩، ١٨؛ ١٩: ٣)، فتكون كسدوم وعمورة حيث صار دخان الأرض يصعد كدخان الأتون (تك ١٩: 2٨). كذلك لا يحمل علامة الضعف والموت إذ يقول النبي: "السموات كالدخان تضمحل" (إش ٥١: ٦)، وقول المرتل: "لأن أيامي قد فنيت في دخان" (مز ١٠٢)، ولا علامة الشر والكسل اللذين يفسدان البصيرة الداخلية كقول الحكيم: "كالدخان للعينين كذلك الكسلان للذين أرسلوه" (أم ١٠: ٢٦).

هذا الدخان خانق للنفس ومفسد للعينين، أما العروس فأعمدة دخان معطرة تُفرح السماء وتُبهجها، أما مواد عطارتها فهي:

1. المر، لأنها دفنت مع المسيح يسوع الذي كُفن بالمر والأطايب، فإنه إن لم تُدفن معه لا تقدر أن تنعم بالحياة الجديدة المقامة والمرتفعة نحو السموات، إذ يقول الرسول: "دُفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة" (رو ٦: ٤). نُدفن في المعمودية، فيموت إنساننا العتيق، ونولد ميلادًا جديدًا روحيًا حتى نقدر بالروح القدس أن نرتفع إلى أبينا السماوي.

في هذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم[108]: [ليس بأم وأب، ليس باضطجاع بشر، ولا بآلام المخاض نولد ثانية، ولكن من الروح القدس تُصنع أنسجتنا الجديدة، وفي الماء تُشكل، ومن الماء نُولد سرًا كما من الرحم... الرحم يحتاج إلى زمن كثير ليتشكل فيه الجسد، أما الماء والروح فمنهما تتشكل حياة الروح في لحظة في طرفة عين! المولود من الجسد هو الجسد والمولود من الروح هو روح (يو ٣: ٦)].

ويقول أيضًا[109]: [حين تغطس الرأس تحت الماء كأنه قبر، فيه تدفق كل إنسانيتنا القديمة... وإذ تخرج بعدئذ، فإنه يطفو ويخرج إنساننا جديدًا. وكما أنه يسهل علينا أن نغطس ثم نطفو، هكذا يسهل على الله أن يدفن الإنسانية القديمة ويلبسنا الإنسان الجديد].

2. اللبان، فإن رائحة بخور صلواتها تصعد نحو الرب... بل تردد مع المرتل: "أما أنا فصلاة". في اتحادها بالقائم من الأموات تتعرف على حياة العبادة الحقيقية أو "الصلاة الدائمة".

3. كل أذرة تاجر، وهي أدوات التجميل التي تشتريها النفس من المسيح نفسه "التاجر" الذي وحده يقدر أن يزين النفس ويجملها عروسًا له.

هكذا تحتاج النفس أن تتعطر بالمعمودية وتستند على الروح القدس، تعيش حياتها صلاة دائمة، وترتمي في أحضان عريسها لكي يزينها... بهذا تستحق أن تُمنح كعروس مزينة لرجلها (رؤ ٢١: ٢).

زمان وليمة العرس:

"هُوَذَا سَريِر سُلَيْمَانَ حَوْلَهُ سِتُّونَ جَبَّاراً مِنْ جَبَابِرَةِ إِسْرَائِيلَ،

كُلُّهُمْ قَابِضُونَ سُيُوفاً وَمُتَعَلِّمُونَ الْحَرْبَ.

كُلُّ رَجُلٍ سَيْفُهُ عَلَى فَخْذِهِ مِنْ هَوْلِ اللَّيْلِ.

اَلْمَلِكُ سُلَيْمَانُ عَمِلَ لِنَفْسِهِ تَخْتاً مِنْ خَشَبِ لُبْنَانَ.

عَمِلَ أَعْمِدَتَهُ فِضَّةً وَرَوَافِدَهُ ذَهَباً وَمَقْعَدَهُ أُرْجُوانا،

وَوَسَطَهُ مَرْصُوفاً مَحَبَّةً مِنْ بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ" [٧–١٠].

إن كان صليب الرب وقيامته هما سرّ وليمة العرس، إذ يتقدم العريس القائم من الأموات ويقيم عروسه التي دخلت معه دائرة آلامه وصلبه، يسكن في قلبها فترتفع به صاعدة إلى السماء معطرة ومزينة بكل جمال روحي، فإننا نتساءل: متى يكون هذا؟ أو ما هو زمان الوليمة؟.

لقد جاءت الإجابة تحمل جانبين: جانب زمني وآخر أبدي. ندخل إلى موكب العريس ووليمته في زمان غربتنا، في ليل هذا العالم لنحارب أهوال الليل، مجاهدين حتى الدم، وننعم بموكبه الأبدي، في النهار الذي بلا ليل حيث نجلس عن يمينه، شركاء معه في المجد. لهذا يظهر العريس في موكبين أحدهما في الليل حيث يقيم على السرير في وسط أولاده المجاهدين، والآخر في النهار جالسًا على تخته الأبدي.

١. الموكب الزمني: في هذا الموكب يظهر العريس حوله ستون جبارًا، كلهم رجال حرب، حاملين سيوفهم على فخذهم، يجاهدون وسط أهوال ليل هذه الحياة. أنه الموكب الذي تعيشه الكنيسة المجاهدة حول المسيح عريسها.

هنا يظهر العريس وقد أقام "سريرًا" في وسط الكنيسة، لكنه ليس كسرير العروس التي استلقت عليه في الليل (نش ٣: ١) تطلب عريسها في تراخ ولا تجده، تدعوه ولا يسمع لها! ولا كالأسرة التي صعدت إليها الضفادع (خر ٨: ٣) علامة غضب الله وضرباته على فرعون، ولا كالأسرة التي يرقد عليها البشر حين يسلمون الروح ويرقدون بلا حركة (تك ٤٩: ٣٣؛ ٢ مل ١: ٤) ولا كالسرير الذي عومه داود المرتل بالدموع كل ليلة (مز ٦: ٦)، إنما هو سرير فريد عليه "ربض الأسد الخارج من سبط يهوذا" (راجع تك ٤٩: ٩)، هو صليب الرب الذي حقق سلامًا للكنيسة إذ به تصالحت السماء مع الأرض، وأعطى الغلبة والنصرة للكنيسة على قوات الشر الروحية.

لقد أقامه "سليمان" ليعلن أنه سرّ سلام الكنيسة وعلامة راحتها، عليه استراح بطرس الرسول سريًا في السجن ونام بغير اضطراب حتى جاءه الملاك ييقظه ويخرجه (أع ١٢: ٦–١٠)... إنه يعطي لأحبائه نومًا... أي سلامًا!.

أقام سليماننا حقيقي سريرًا وسط شعبه لكي ينام على الدوام في داخل سفينة حياتنا (مت ٨: ٢٤؛ مر ٤: ٣٨) فلا نهلك مهما حدث من اضطرابات شديدة في البحر.

ولكي يوضح أنه سرير الراحة الروحية والسلام الداخلي دون التراخي أو الكسل يوضح لنا سفر النشيد أن حوله ستون جبارًا كلهم قابضون سيوفًا ومتعلمون الحرب، كل رجل سيفه على فخذه من أجل أهوال الليل. حول الصليب تجتمع الكنيسة المجاهدة كرجال حرب حتى كما غلب ذاك يغلبون هم أيضًا به ومعه. كل مؤمن يحمل على فخذه سيفه الذي هو كلمة الله لكي يغلب، كما جاء في سفر الرؤيا: "وهم غلبوه بدم الخروف (أي بالصليب) وبكلمة شهادتهم (كلمة الله) ولم يحبوا حياتهم حتى الموت" (رؤ ١٢: ١١).

من هم الستون جبارًا من جبابرة إسرائيل المحيطون به؟ هم أبناء الملكوت، إسرائيل الجديد الروحي، المختارون الذين قبلوا الصليب ودخلوا مع الله في عهد جديد. هؤلاء جاءوا إلى الوليمة في دلال الحب لكن بغير ميوعة، إنما تسلحوا بسيف الروح وخوذة الخلاص، مجاهدين حتى الدم ضد الخطية بغير هوادة. لهذا ينصحنا الرسول بولس قائلاً: "أَخِيراً يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ... مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ، وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ. حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ" (أف ٦: ١٠– ١٧).

أما سرّ عددهم ٦٠ فنحن نعلم أن رقم ١٢ يُشير إلى ملكوت الله على الأرض، إذ يقول القديس أغسطينوس أن الثالوث القدوس (٣) يملك على أركان المسكونة (٤). إذن ملكوت الله على الأرض يعني ٣ × ٤ (١٢). لهذا كان أسباط بني إسرائيل أثني عشر، وعدد تلاميذ العهد الجديد إثني عشر، كما أن عدد أبواب أورشليم أثنا عشر بابًا. ويرى القديس غريغوريس أسقف نيصص أن كل واحد منهم حمل خمسة سيوف التي هي تقديس الحواس الخمس بالمسيح يسوع ربنا، فيكون العدد (١٢ × ٥ = ٦٠). كأن كل الذين صاروا أعضاء في ملكوته تقدست حواسهم بالكمال في المسيح يسوع.

يقول القديس غريغوريس أسقف نيصص أن سيف العين هو أن تتطلع على الدوام نحو الرب لترى باستقامه ولا تتدنس بشيء ما. وسيف السمع هو الاصغاء للروحيات وعدم الانصات للباطل... وهكذا بالنسبة للتذوق واللمس والشم يتقدس هذا كله بسيف ضبط النفس والتلامس مع السيد المسيح وتنسم رائحته الذكية... بهذا يُحارب الإنسان كل ظلمة الخطية.

٢. الموكب الأبدي: في الموكب الزمني ظهر العريس على سريره ليعطي لشعبه طمأنينة بكونه سرّ راحتهم وسلامهم وسط جهادهم في هذا العالم أو في هذه الحياة الزمنية، أما في الموكب الأبدي فلا حرب ولا جهاد، لذا يظهر ملكًا محمولاً على تخت أو محفة تحمل على الأذرع... يظهر على عرشه الأبدي الذي تحمله الكائنات الحية الأربعة (رؤ ٤).

وما هو هذا التخت إلاَّ الكنيسة نفسها التي يحل الرب في داخلها، ويتربع عليها إلى الأبد، أما سماتها فهي:

أ. اتحدت بصليب الرب فصارت واحدًا معه، لهذا وُصفت أنها مصنوعة من الخشب. تبقى آلامها وصلبها مع الرب هو سرّ حياتها ومجدها الأبدي، إذ يقول الرسول: "إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو ٨: ١٧).

ب. أما كونها من خشب لبنان، فقد رأينا لبنان قد اشتهرت بأرزها المعروف باستقامته ورائحته الطيبة، فإن كنيسة المسيح التي عاشت في غربتها باستقامة لا تعرج بين الطريقين: الله والعالم، تحمل رائحة المسيح عريسها.

ج. أعمدتها من فضة، من صنع سليماننا نفسه. والفضة تُشير في الكتاب المقدس إلى كلمة الله المصفاة سبع مرات، وكأن رعاة الكنيسة وخدامها قد صاروا أعمدة

فيها بسبب اختفائهم وإمتزاجهم مع كلمة الله...

د. أما القاعدة الذهبية فتُشير إلى أن الشعب وقد حمل السيد المسيح في حياته العملية، صاروا سمائيين (الذهب)، يعيشون على الأرض وكأنهم ملائكة الله. أو كما يقول الرسول: "الذين لهم نساء كأن ليس لهم، والذين يبكون كأنهم لا يبكون، والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون، والذين يشترون كأنهم لا يملكون. والذين يستعملون العالم كأنهم لا يستعملون" (١ كو ٧: ٢٩–٣١).

هـ. المقعد الأرجواني يُشير إلى طبيعة الكنيسة كملكة اتحدت بالملك الأبدي.

و. وسطها مرصوف بالمحبة لأجل بنات أورشليم، إذ حملت الكنيسة سمة عريسها الذي هو الحب لخلاص البشرية.

دعوة للوليمة:

"اُخْرُجْنَ يَا بَنَاتِ صِهْيَوْنَ وَانْظُرْنَ الْمَلِكَ سُلَيْمَانَ بِالتَّاجِ الَّذِي تَوَّجَتْهُ بِهِ أُمُّهُ، فِي يَوْمِ عُرْسِهِ وَفِي يَوْمِ فَرَحِ قَلْبِهِ" [١١].

هذه هي الدعوة التي توجهها الكنيسة للعالم للتمتع بوليمة الصليب. إنها تطلب من البشرية أن تخرج من ذاتها، من الأنا... "اُخْرُجْنَ"، حتى يستطعن التمتع برؤية الملك الحقيقي "سليمان الجديد"، وقد توجته أمة اليهود بإكليل الشوك.

خلال البصيرة الروحية يرى المؤمنون التاج السري للمصلوب ألا وهو "غفران خطايانا وإزالة اللعنة"[110].

هذا هو يوم عرسه ويوم فرح قلبه، إذ قدم دمه مهرًا لعروسه!

[98]  للمؤلف: الحب الإلهي، ص ١٥، ١٦، ١٧.

[99]  المرجع السابق ص ٣٩، ٤٠، ٥٤.

[100] Epist. 730.

[101]  راجع تفسير نش ٢: ٨.

[102]  الترجمة الكاثوليكية "الليالي".

[103]  الترجمة السبعينية

[104]  راجع القمص تادرس يعقوب ملطي: القديس كيرلس الأورشليمي عظة: ١٤: ١٢، ١٣.

[105]  عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد ١: ٦.

[106] Sermon 6.

[107]  الحب الإلهي، ص ٧٣٢.

[108]  للمؤلف: الحب الإلهي، ص ٨٤٨.

[109]  المرجع السابق، ص ٨٥٣.

[110]  القديس كيرلس الأورشليمي: مقال ١٣: ١٧.