الأصحاح الثاني عشر

أورشليم الجديدة والشر

يركز نبوته على أورشليم الجديدة وبيت يهوذا، إذ صارت النفس بالمسيا المخلص مدينته أورشليم الروحية، واتحدت به فصارت منسوبة إليه كبيت يهوذا. خلال هذا المركز الجديد هاج الشر عليها ممثلاً في شخص الأمم الثائرة على أورشليم.

1. ثورة الأمم على أورشليم          [1-3].

2. خلاص بيت يهوذا                 [4-9].

3. روح النعمة والتضرعات          [10-14].

1. ثورة الأمم على أورشليم:

إذ تتقبل النفس مسيحها في داخلها تصير أورشليم الجديدة عضوًا في بيت يهوذا، وبقدر ما تنال من نعم تجد مقاومة من العدو (الأمم) وبسماح من الله لكي يكمل كأس شر الشرير ويتجلي الرب واهب النصرة في أولاده. خلال مضايقة العدو لأولاد الله، يصير الآخرون كأس ترنح للأول وحجرًا مشوالاً له ونارًا تحرقه، إذ يقول النبي: "يقول الرب باسط السموات ومؤسس الأرض وجابل روح الإنسان في داخله، هأنذا أجعل أورشليم كأس ترنح لجميع الشعوب حولها وأيضًا على يهوذا تكون في حصار أورشليم. ويكون في ذلك اليوم إني أجعل أورشليم حجرًا مشوالاً لجميع الشعوب وكل الذين يشيلونه ينشقون شقًا، ويجتمع عليها كل أمم الأرض" [1-3].

غالبًا ما يشير كأس الترنح إلى غضب الله حينما يشربه الإنسان فيفقد وعيه ويصير كمن هو في حالة ترنح بلا إتزان، لا يقدر أحد حتى من بنيه أو بناته أن يقوده أو يمسك بيده، وذلك كما جاء في إشعياء: "انهضي انهضي قومي يا أورشليم التي شربت من يد الله الرب كأس غضبه ثقل كأس الترنح شربتِ مصصت، ليس لها من يقودها من جميع البنين الذين ولدتهم وليس من يمسك بيدها من جميع البنين الذين ربتهم" (إش 51: 17-18). وكما قيل بأرميا: "خذ كأس خمر هذا السخط من يدي واسق جميع الشعوب الذين أرسلك أنا اليهم إياها، فيشربوا ويترنحوا ويتجننوا من أجل السيف الذي أرسله أنا بينهم" (أر 25: 15).

هكذا عندما يُريد الله أن يسقي هذه الشعوب (كرمز إبليس) كأس غضبه لكي يترنحوا يتركهم يمدون أيديهم على يهوذا فيسقطون تحت غضب الله مكيال كأسهم.

مرة أخرى يُشبه الله أولاده بالحجر المُشال، يحمله الأشرار لكي يلقون به إلى أسفل ويحطمونه، فإذا بهم ينشقون أو ينسحقون تحته.

2. خلاص بيت يهوذا:

"في ذلك اليوم يقول الرب أضرب كل فرس بالحيرة وراكبه بالجنون وافتح عيني على بيت يهوذا وأضرب كل خيل الشعوب بالعمي" [4].

يضرب الفرس وراكبه المقاوم لعمل الله في أولاده، أما الضربة فهي الحيرة والجنون والعمى، أي يفقد العدو سلامه واتزانه وبصيرته، بينما يفتح الرب عينيه على بيت يهوذا – كنيسته- فيكون لها قائدًا ومعينًا، به يصيب العدو بالعمى فيرتبك في حربه ويخسر المعركة.

يري القديس ديديموس الضرير أن الفرس هنا هي شيطان الخطأ والكذب والمكر، وراكبيها هم المروجون لهذه التعاليم الخاطئة المملؤة خداعًا. وأن ما يصيبها من عمي إنما هو حرمانها من شمس البر الذي يهب النور. كما يعلق على تفتح الله عينيه على بيت يهوذا، قائلاً: [بعد ذلك يفتح الله عينيه على بيت يهوذا الذي هو كنيسة الله الحيّ (1 تي 3: 15) حيث يملك المخلص الآتي من سبط يهوذا على الذين تلقوا من الله الحكمة، القائلين: "يهوذا إياك يحمد اخوتك، يدك على قفا أعدائك، يسجد لك بنو أبيك" (تك 49: 8)... على بيت يهوذا يفتح الله الساهر عينيه، أي قواته المنيرة الساهرة، فيتمتعون بالإستنارة والنعمة، ويصلي كل واحد قائلاً: "أنظر إليَّ و إرحمني" (مز 85: 16). هذه العطية يتمتع بها الصديقون جميعًا إذ "عينا الرب نحو الصديقين وآذانه إلى صراخهم" (مز 34: 15)].

ليس فقط يكون الله سرّ إستنارة لبيت يهوذا بينما يصيب العدو بالعمي، و إنما يكون أيضًا سرّ قوة لشعبه وتحطيمًا لإبليس عدوه، إذ "يقول أمراء يهوذا في قلبهم أن سكان أورشليم قوة ليّ برب الجنود إلههم" [5].

يري القديس ديديموس الضرير، أنه إن كان المسيا هو الملك الروحي لكنيسته فإن التلاميذ هم أمراء يهوذا الذين يتقبلون الله إلههم قوة لهم في عملهم الكرازي. إنه يهبهم قوة إلهية نارية تحرق حزم القش، إذ يقول: "في ذلك اليوم أجعل أمراء يهوذا كمصباح نار بين الحطب و كمشعل نار بين الحزم فيأكلون كل الشعوب حولهم عن اليمين وعن اليسار فتثبت أورشليم أيضًا في مكانها بأورشليم، ويخلص الرب خيام يهوذا أولاً لكيلا يتعاظم إفتخار بيت داود وإفتخار سكان أورشليم على يهوذا" [6-7].

إن كان يهوذا الجديد قد دُعي بالقطيع الصغير، لكنه يحمل نار الروح القدس التي تهلك الضربات الشيطانية اليمينية (البر الذاتي) واليسارية (النجسات والشهوات) ويبقي المؤمن ثابت كأورشليم، قادرًا على معاينة السلام. يقول القديس ديديموس الضرير: [بكونهم أمراء يهوذا روحيًا يليق بهم أن يحطموا بكلامهم المنير الملتهب الإدارة العميقة الجسدانية... لقد قيل بإشعياء: "ويصير نور إسرائيل نارًا وقدوسه لهيبًا فيحرق ويأكل حسكه وشوكه في يوم واحد، ويفنى مجد وعره وبستانه النفس والجسد جميعًا" (إش 10: 17-18)، بمعني أنه يفني النية الفاسدة كما الأعمال الفاسدة]. وكأن نار الروح القدس الذي يعمل في الإنسان الروحي يحرق الشعوب المحيطة يمينًا ويسارًا أي يحرق النيات والأعمال الشريرة التي للنفس والجسد معًا.

يرى القديس ديديموس الضرير أن اليمين واليسار هنا يشيران إلى التطرف، فالروح القدس يحرق في المؤمن روح البخل كما يحرق روح التبذير.

والعجيب أن الله إذ يعمل بروحه الناري في بيت يهوذا يبدأ بخيام يهوذا [7] قبل خلاص البيوت والقصور، حتى لا يكون لأحد فخر. يبدأ بساكنى الخيام الذين هم بلا حماية، حتى لا يفتخرون في نصرتهم أنهم بقوتهم وحصونهم المنيعة وقصورهم وبيوتهم نالوا الخلاص.

يتحدث القديس ديديموس الضرير عن خيام يهوذا التى يُخلصها الرب قائلاً: [هذه الخيام هي الفضيلة التي يتكلم عنها في الأمثال: "خيمة المستقمين تزهر" (أم 14: 11)، وكما يُرنم المرتل بخصوص المحبة التي توحيها له هذه الخيام: "كم هي محبوبة خيامك يا رب الجنود ؟‍‍‍‍!" )مز 83: 1). كيف لا تكون محبوبة وهي ممتلئة بالذين يحتفلون بأعيادها، فإن أصوات الفرح وأعمال النعمة لا يمكن أن تظهر في موضع آخر سوي خيام الصالحين (مز 41: 5؛ 17: 15)؟!].

ويرى أيضًا في خيام يهوذا رمزًا للجسد الفاني المذلول الذي نلبسه فإنه إذ ينعم بخلاص الله يلبس عدم الفناء والمجد والقوة ويتحول من جسد حيواني إلى جسد روحاني (1 كو 15: 4244).

أما إبطال افتخار بيت داود وسكان أورشليم على يهوذا فيشير إلى سقوط إفتخار الحكماء في أعين أنفسهم فإن الودعاء والبسطاء يسبقونهم، إذ يعمل الله بقوة فيمن يشعر بضعفه: "العاثر منهم في ذلك اليوم (يكون) مثل داود وبيت داود مثل الله مثل ملاك الرب أمامهم" [8]. بمعنى أن أضعفهم، المتعثر فيهم، يكون غالبًا كداود (2 صم 17: 8؛ 18: 3) إن يكون الله نفسه قدامه يسنده. أما سرّ النصرة فهو ظهور الله من بيت داود، وكما يقول القديس ديديموس: [إن بيت داود هنا يشير إلى مريم حيث يأتي الرب متجسدًا منها. في ذلك اليوم حيث يتحقق التجسد الإلهي تعلن قوة الله في بيت يهوذا الجديد بينما يهلك إبليس وأعماله وينهدم سلطانه على المؤمن، إذ يقول: "ويكون في ذلك اليوم إني ألتمس هلاك كل الأمم الآتين علي أورشليم" [9].

يعلق القديس ديديموس الضرير: [في ذلك اليوم يقترب حيث ينتهي ليل الجهل والخطية كقول الرسول: "قد تناهي الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور" (رو 13: 12). في ذلك اليوم يُبيد كل الشعوب التي تحمل روح حرب ضد أورشليم، يُبيد تلك التي هي غريبة عن الحق وعن خدمة الله لا بإبادة الناس وإنما بنزع الشر وعدم التقوى... هكذا جاء سيدنا ومخلصنا يبحث عن جنسنا الضائع وينقذنا بإبادته كل الشعوب العاملة ضد أورشليم أي إبادة أسباب الشر والحرب من أعمال محرمة وأفكار هرطوقية.

في إختصار نقول أنه بينما يغضب الرب على المقاومين فيترنحوا من كأس غضب الله ويكون المؤمن نفسه هو الكأس [2]. وبينما يفتح الله عينيه على أولاده ليسندهم ويقودهم في حربهم الروحية إذا به يصيب أعداءه (إبليس) بالعمى [4]. وبينما يعطي الله نفسه لأولاده كسرّ قوة ونار آكلة يجعل الأعداء (الخطايا) كحزم القش فتحترق [6]. وبينما يسند الضعفاء المتعثرين من أولاده يهلك العدو في شره.

هكذا يسند الرب أولاده "بيت يهوذا" على التمتع بخلاصه خلال إتكاله عليه وكما يقول القديس سيرنيوس: [إسمع ما يقوله الملك (الله) نفسه مستصوبًا الرجال الشجعان، مستدعيًا إياهم إلى الحرب الروحية (ضد الخطية)، قائلاً: "ليقل الضعيف إني قوي، ليكن المتألم مصارعًا" (يؤ 2: 10-11 الترجمة السبعينية). ها أنت ترى أنه ليس إلاَّ المتألمين والضعفاء وحدهم هم الذين يحاربون في المعركة الإلهية، الضعفاء الذين لهم بحق ضعف قائد المئة (مت 8: 9)... القائل: "لأني حينما أنا ضعيف فحيئنذ أنا قوي" (2 كو 12: 9)، كما قيل "لأن قوتي في الضعف تكمل" (2 كو 12: 9)[65]].

3. روح النعمة والتضرعات:

إذ يملك الرب على بيت يهوذا يفيض بروحه القدوس على كنيسته ليهبها كل نعمة ويسندها على جهادها حتى تعبر هذا العلم، وفي نفس الوقت يسقط الذين طعنوا السيد بحربة خطاياهم تحت الدينونة الأبدية ويصيرون في نوح عظيم.

"وأفيض على بيت داود وعلي سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات" [10]. وكما يقول القديس ديدموس الضرير: [إن روح النعمة والتضرعات إنما هو الروح القدس واهب النعمة الذي يُعطى لنا من أب الرأفة (2 كو 3: 3): "بعد هلاك الأمم (إبليس وأعماله) يضيف الكتاب أنه في ذلك اليوم المشار إليه يفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم بروح النعمة والتضرعات، لأنه أب التضرعات (2 كو 1: 3) وله الروح القدس. في هذا يكتب القديس بولس: "لأن محبة الله قد إنسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا" (رو 5: 5). وسليمان في سفر الحكمة يقول: "فما في السموات من اطلع عليه، ومن علم مشورتك لو لم تؤتِ الحكمة وتبعث روحك القدوس من الأعالي، فإنه كذلك قوّمت سبل الذين على الأرض وتعلم الناس مرضاتك" (حك 6: 14-16). واهب الروح القدس يقول في إشعياء: "أعطيك روحي" وأيضًا: "أعطيته روحي" (إش 42)... كما يقول: "سأفيض من روحي على كل جسد" (يؤ 3: 1). ويفهم من كلمات الرسول أن روح النعمة هو الروح القدس، إذ يقول: "من خالف ناموس موسي فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة، فكم عقابًا أشر تظنون انه يُحسب مستحقًا من داس إبن الله وحسب دم العهد الذي قدس به دنسًا وازدرى بروح النعمة؟!" (عب 10: 28-29)... أيضًا روح النعمة هو روح التضرع (الرأفة) الذي يوهب من أب الرأفة (2 كو 1: 3)].

هذا هو ثمر الصليب إذ أفاض على الكنيسة بالروح القدس، روح النعمة الذي يفيض بنعمه الإلهية وعطاياه السماوية، وروح الرأفة الذي يسند ويترفق، أما الذين يرفضون الخلاص ويصوبون حربة الخطية فيقال عنهم: "فينظرون إلى الذين طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له، ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره، في ذلك اليوم يعظم النوح في أورشليم كنوح هدد رمون في بقعة مجدون" [10-11].

يقول القديس ديديموس الضرير: [قاسى اليهود قتلة المسيح عذابات وصاروا في نوح كمن مات لهم إنسان عزيز لديهم وإمتلأوا مرارة كمن فقد إبنه البكر، إذ أدركوا غضب الله حتى النهاية (1 تس 2: 16) فنُزع عنهم وطنهم وتشتتوا في كل الأرض].

"يعظم النوح في أورشليم"... لعله يُشير إلى حائط المبكي حين يأتي اليهود من كل بقاع العالم يبكون حالهم و تشتتهم!

هنا يصف النوح بنوح هدد رمون[66] في بقعة مجدون، تلك البقعة التي فيها قتل المصريون يوشيا الملك بسهامهم فرثاه أرمياء النبي والمرنمون والمرنمات، ولم يكن حزن عام وشديد منذ قيام إسرائيل كأمة مثلما حدث عندما حملت المركبة الملكية جثته في شوارع أورشليم لدفنها.

يكشف عن مرارة هذا النوح بتشبيهه بنوح الوالدين على وحيدهما، يمس حياة كل عشيرة بل وكل فرد لذا تنوح كل عشيرة فعشيرة على حدتها، وينوح الرجل على إنفراد وزوجته على إنفراد إذ لا يحتمل أحدهما تعزية الآخر من هول ما يشعران به. أما سببه فخطأ جماعي موجه ضد السيد المسيح المطعون، إذ يقول: "فينظرون إلى الذين طعنوه".

يعلق كثير من الآباء على هذه العبارة الخاصة بلقاء الأشرار مع السيد المطعون في يوم الرب العظيم، فمن كلماتهم.

v     يتعلمون أنهم سيعرفوا الذي طعنوه ويقرعون صدورهم... هذا الذي لم يعرفوه قبلاً لأنه جاء في إتضاع تأنسه.

v     في البداية رفضوا التعرف عليه بسبب إتضاع تأنسه.

العلامة ترتليان[67]

v     عندما يأتي مع ملائكته ليدين (مت 25: 31) ألاَّ يراه الذين طعنوه؟! إنهم يرتبكون إذ يكون الوقت قد تأخر برفضهم التوبة النافعة.

v      الذي دين يجلس ديانًا، الذي وقف أمام كرسي الحكم يُدان عن جرائم زورًا سيُدين الجرائم الحقيقية!

v     سيأتي في هيئة بشرية يراها الأشرار... ينظرون إلى الذي طعنوه، فيتطلعون إلى الجسد الذي ضربوه بالحربة... ويبقى الله (بالنسبة لهم) مخفيًا في الجسد فلا يرون اللاهوت (في مجده) بعد الدينونة إنما يراه الذين عن يمينه.

v     يظهر الابن وحده للصالحين والأشرار في الدينونة بنفس الشكل الذي كان عليه حين تألم وقام وصعد إلى السماء... ولكن عندما يذهب الصالحون إلى الحياة الأبدية يرونه كما هو، وليس كما جاء ليُدين الأحياء والأموات، وإنما يظهر كمكافأة للأحياء!

القديس أغسطينوس[68]

ينوح الأشرار إذ يرون السيد وقد حمل الجراحات بسببهم، أما الأبرار فيدخل بهم إلى أمجاده وينعمون بما لا يستطيع الأشرار معاينته!

[65] Cassian: Conf 7: 5.

[66] هددرمون إسمان أراميان لإلهين مشهورين، وكانت " هددرمون " تسمي مكسيميانوبولس في أيام القديس جيروم، حاليًا تدعي الرمانة.

 

[67] Answer to the Jews 14; Adv. Marc. 3:7.

[68]On Ps.102; Ser. on N.T. 77-9; In Ioan Tr 21: 13; 36: 12.