فيما يلي نقدم الرد على هذه التساؤلات في أربعة أجزاء: الأول عن عظمة، وقدسية السر، والثاني كيفية الاستعداد للتناول من السر، والثالث عن اتفاق مناداة الكنيسة لشعبها بالاستعداد لتناول المقدسات مع روح الكتاب المقدس، والأخير عن أهمية عدم الاعتماد على الفكر البشري القاصر في اجتذاب نفوس الناس لله.

الجزء الأول: عظمة السر، ووجوب الاستعداد قبل التناول منه:

أولًا: عظمة، وقدسية التناول من الأسرار المقدسة:

  • سبب عظمة السر:

إن عظمة وقدسية التناول من الأسرار الإلهية تكمن في الاتحاد بالرب الذي يهبنا جسده الحقيقي لنأكله، ودمه الحقيقي لنشربه كقوله: "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق. مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو٦: ٥٤- ٥٦). لقد أكد الرب حقيقة أكل جسده، وشرب دمه بتقريره حقيقة حرمان من يتناوله من الحياة الأبدية كقوله: "فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ" (يو٦: ٥٣).

  • مهابة الرب، والخشوع أمامه تعتمد على الإيمان، لا رؤيا العيان:

إن حضور الله في سر الإفخارستيا حقيقة يراها كل مؤمن بالإيمان، وبالتالي يصلي في خشوع، ومهابة تليق بالله الحاضر على المذبح. لقد أعطى المجوس الطفل يسوع المهابة والخشوع اللائقين به، ومع أنهم رأوه بالعيان كطفل بسيط بين أحضان أمه العذراء، ذلك إلا أنهم بالإيمان صدقوا ما أعلنته لهم السماء. لقد أدركوا عظمة جلاله، ومجده الفائق؛ فسجدوا له في خشوع كقول الكتاب: "وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا" (مت٢: ١١).

  • الرمز يشير للحقيقة:

أمر الله بني إسرائيل بضرورة عمل الفصح الذي كان يرمز للتناول من جسد الرب ودمه، وكل نفس لا تعمل الفصح وتأكله كانت تقطع من شعبها: أي لا تُحسب ضمن شعب الله كقوله: "لكِنْ مَنْ كَانَ طَاهِرًا وَلَيْسَ فِي سَفَرٍ، وَتَرَكَ عَمَلَ الْفِصْحِ، تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا، لأَنَّهَا لَمْ تُقَرِّبْ قُرْبَانَ الرَّبِّ فِي وَقْتِهِ. ذلِكَ الإِنْسَانُ يَحْمِلُ خَطِيَّتَهُ" (عد٩: ١٣). فما بالنا عاقبة الاستهانة والتهاون في تناول جسد الرب ودمه!

  • مهابة، وعظمة حضور الله في السر:

كرامة الآباء تقتضي أن يتعامل معهم أبناؤهم بالاحترام اللائق، وإن فعل الأبناء غير ذلك يحسب هذا إهانة، وكذلك أيضًا هيبة أي سيد، أو رئيس تقتضي أن يتعامل معه خدامه، ومرؤسيه بما يليق به من كرامة، واحترام. لقد أكد الوحي الإلهي ضرورة حفظ كرامة الله كأب، وهيبته كسيد للخليقة كلها قائلًا: "الابْنُ يُكْرِمُ أَبَاهُ، وَالْعَبْدُ يُكْرِمُ سَيِّدَهُ. فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَبًا، فَأَيْنَ كَرَامَتِي؟ وَإِنْ كُنْتُ سَيِّدًا، فَأَيْنَ هَيْبَتِي؟ قَالَ لَكُمْ رَبُّ الْجُنُودِ..." (ملا١: ٦). إن التعامل باستهانة مع الأسرار المقدسة يمثل استهانة بالرب الحاضر على المذبح أثناء القداس الإلهي.

  • أمثلة كتابية عن وجوب مهابة الله:

صاحب ظهور الرب يسوع المسيح لشاول الطرسوسي (معلمنا بولس) نور مبهر وصوت عظيم من السماء فسقط على وجهه في خوف ورعدة، ويخبرنا الكتاب أن معلمنا يوحنا الحبيب سقط كذلك على وجهه ساجدًا كميت عند رجلي الرب يسوع المسيح عندما رأه في مجد عظيم، وهو منفي في جزيرة بطمس. إن الرب الذي ظهر لشاول الطرسوسي في الطريق، أو ليوحنا الحبيب في منفاه هو هو الحاضر معنا على المذبح بجسده، ودمه الأقدسين، وهذا ما يستوجب الاستعداد لتناول هذه الأسرار، والتعامل معها بخوف، ورعدة كقول الكتاب: "... تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (في٢: ١٢).

ثانيًا: ضرورة الاستعداد لتناول المقدسات:

  • حضور القداس لا يكفي وحده لتحصيل البركات:

حقًا إن الغرض من حضور القداس الإلهي هو التناول من الأسرار الإلهية، لكننا نتناول الأسرار المقدسة لتحقيق غاية أسمى، وهي الاتحاد بالرب، والثبات فيه، وأيضًا غفران خطايانا، ونوال الحياة الأبدية. فما الفائدة إن تناول الإنسان الأسرار، ولكنه لم يحصل على غايته من تناولها؟ لقد أكد معلمنا بولس الرسول أن بعضًا ممن يتناولون من الأسرار باستهانة لا ينالون بركات هذا السر المقدس، بل يقعون تحت التأديب واللعنة لأجل تهاونهم، وعدم توبتهم؛ كقول الكتاب:"مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ. لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا" (١كو11: 30-31).

  • خروف الفصح رمز لسر الإفخارستيا:

لقد أكدت شريعة العهد القديم ضرورة الاستعداد بالطهارة قبل أكل خروف الفصح كقول الكتاب: "وَأَمَّا النَّفْسُ الَّتِي تَأْكُلُ لَحْمًا مِنْ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ الَّتِي لِلرَّبِّ وَنَجَاسَتُهَا عَلَيْهَا فَتُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا" (لا٧: ٢٠). وإن كان الأمر كذلك مع الرمز (الفصح) فما بالنا كم يكون الاستعداد للمقدسات الحقيقية الإلهية (جسد الرب ودمه الحقيقيين)؟! إن تحقيق هدفنا الأسمى بنوال البركات يحتاج استعدادًا!

  • الاستعداد ضرورة، لا غنى عنها:

إن وجود الإنسان في حضرة الله يحتاج الاستعداد اللائق للمثول أمامه كإله وملك عظيم، ولهذا يعلمنا الكتب المقدس أن الاستعداد للقاء الرب ضرورة لا غنى عنها. لقد أرسل الله أعظم نبي (أعظم مواليد النساء) يوحنا المعمدان، ليعلم الناس أهمية وكيفية الاستعداد قبل تجسده، وحلوله بين الناس كقول الكتاب: "هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ، وَمَلاَكُ الْعَهْدِ الَّذِي تُسَرُّونَ بِهِ. هُوَذَا يَأْتِي، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ" (ملا٣: ١).

  • الاستعداد يُهيئ الإنسان للحصول على البركات:

حضور الرب وسط شعبه أعظم فرصة لنوال البركات. إن الملك إذا حضر في أي مكان من ربوع مملكته، لابد أن يُشَجِّع، ويُكافئ المجتهدين، ولذلك نراه يهب العطايا للمخلصين منهم كقول الكتاب: "لأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فَيَزْدَادُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ" (مت٢٥: ٢٩)، ولكنه أيضًا لا يمكنه التغاضي عن المتهاونين دون مجازاتهم. فكيف له أن يرى الشر ويتغاضى عنه؟! إن مسؤولية الملك نحو شعبه، وصلاحه، توجب عليه العمل بالحق، وعدم التهاون مع الشر. لقد أكد الوحي الإلهي قبل تجسد المسيح الرب حرصه على ضرورة استعداد شعبه بالتوبة؛ حتى يمكنهم التمتع بالبركات، بدلًا من أن تلحق به اللعنات، بسبب خطاياهم قائلًا: "هأَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ، فَيَرُدُّ قَلْبَ الآبَاءِ عَلَى الأَبْنَاءِ، وَقَلْبَ الأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ. لِئَلاَّ آتِيَ وَأَضْرِبَ الأَرْضَ بِلَعْنٍ" (ملا4: 5-6).

  • خطورة عدم الاستعداد لملاقاة الرب الملك:

لقد كانت التوبة هي المشورة الإلهية، التي تُعِدُّ كل نفس للتمتع ببركات حضور الله، وقد لصق الكتاب المقدس تهمة رفض مشورة الله الخلاصية بالفريسيين، والناموسيين، الذين رفضوا التوبة، والاعتراف بخطاياهم أمام المعمدان قائلًا: "وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ وَالنَّامُوسِيُّونَ فَرَفَضُوا مَشُورَةَ اللهِ مِنْ جِهَةِ أَنْفُسِهِمْ، غَيْرَ مُعْتَمِدِينَ مِنْهُ" (لو٧: ٣٠). لقد كان ذلك سببًا كافيًا لفقدانهم البركات، لأنهم تقابلوا مع الملك الحق، وهم في خطاياهم، وهكذا صدق فيهم قول عاموس النبي: "لِذلِكَ هكَذَا أَصْنَعُ بِكَ يَا إِسْرَائِيلُ. فَمِنْ أَجْلِ أَنِّي أَصْنَعُ بِكَ هذَا، فَاسْتَعِدَّ لِلِقَاءِ إِلهِكَ يَا إِسْرَائِيلُ" (عا٤: ١٢).

إن من يرفض الاستعداد الروحي لملاقاة الله معطي البركات، عليه أن يستعد للقاء الله الديان العادل. في الجزء التالي نناقش أهم وسائل، وأسس الاستعداد لتناول المقدسات.

الجزء الثاني: كيفية الاستعداد لنوال بركات السر المقدس:

أولًا: المعرفة الإلهية من خلال قراءة الكتاب في القداس الإلهي:

  • الكتاب المقدس هو أساس معرفة الرب يسوع، والشاهد له:

يبدأ القداس الإلهي في الكنيسة القبطية بقداس الموعوظين، الذي يُقرأ فيه أجزاء من رسائل معلمنا بولس الرسول (البولس)، ومن الرسائل الجامعة (الكاثوليكون)، ومن سفر أعمال الرسل (الإبركسيس)، ثم جزء من سفر المزامير، وأخيرًا جزء من الإنجيل (البشائر الأربع)، ثم عظة تتضمن شرح وتفسير لكلمة الله، هذا بخلاف قراءة جزء من سفر المزامير يسبق قراءة الإنجيل في الليلة السابقة في صلاة رفع بخور العشية، وأيضًا في صلاة رفع بخور باكر صباحًا قبل بدء القداس الإلهي. لقد أدركت الكنيسة تعاليم إنجيلها، والتي تؤكد أنه يستحيل على من لم يعرف الرب يسوع المسيح من خلال الكتاب المقدس أن ينال البركات الإلهية المذخرة في سر التناول (الإفخارستيا)، ولهذا حرصت الكنيسة على طاعة قول الرب يسوع المسيح: "فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي" (يو٥: ٣٩).

  • تنقية النفس استعدادًا للتناول من الأسرار:

قراءات قداس الموعوظين تمثل جزءًا هامًا من القداس الإلهي، لأن النفس في حاجة قبل التناول أن تُعد، وتتنقى بالمعرفة الإلهية كقول الكتاب: "أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ" (يو١٥: ٣). لقد حذر الله في القديم من الهلاك القادم على شعبه بسبب جهلهم، وعدم معرفتهم به قائلًا: "لِذلِكَ سُبِيَ شَعْبِي لِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ، وَتَصِيرُ شُرَفَاؤُهُ رِجَالَ جُوعٍ، وَعَامَّتُهُ يَابِسِينَ مِنَ الْعَطَشِ" (إش٥: ١٣).

  • الشريعة والوصايا الإلهية في الكتب المقدسة هي الدافع للتوبة:

إن الكتاب المقدس بعهديه هو كنز المعرفة الإلهية، وهو أساس الاستعداد لنوال كل البركات الإلهية، وهو أيضًا الدافع الأول والمحرك للتوبة، والرجوع لله. لقد أقام الله كهنة، وأنبياء، وخدام في العهد القديم، والجديد ليكرزوا بكلمة الله لشعبه كقول الكتاب: "فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟" (رو١٠: ١٤).

ثانيًا: التوبة والاعتراف:

حياة التوبة والنقاوة هي الاستعداد الأمثل للتواجد في حضرة الله. إن التوبة هي معرفة الإنسان بضعفه، واعترافه بخطاياه أولًا، ثم بعد ذلك يأتي تغيير موقف الإنسان تجاه الله من البعد عنه، إلى الاقتراب والرجوع إليه، والخضوع له وطاعة وصاياه. لقد ارتبطت التوبة، والنقاوة بالاعتراف بالخطايا. إن أعظم مثال لذلك هو توبة واعتراف شعب الله، وقبولهم معمودية التوبة على يد يوحنا المعمدان، لإعدادهم للتمتع ببركات تجسد ابن الله، وحضوره وسطهم. لقد اشار الكتاب المقدس لعظمة هذه الرسالة بقوله: "وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ، لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا" (لو١: ١٧).

 

 13

  • ضرورة اعتراف الإنسان بضعفه، وخطاياه:

لقد أتى المُخلصين من الشعب الخاضعين لمشورة الله إلى معمودية يوحنا المعمدان تائبين مقرين ومعترفين بخطاياهم كقول الكتاب: "وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ" (مر١: ٥). وهكذا أشار علينا الوحي الإلهي بضرورة الاعتراف بخطايانا قائلًا: "مَنْ يَكْتُمُ خَطَايَاهُ لاَ يَنْجَحُ، وَمَنْ يُقِرُّ بِهَا وَيَتْرُكُهَا يُرْحَمُ" (أم٢٨: ١٣). وكيف يتمتع إنسان ببركات حضور الله وهو محكوم عليه بالفشل مُقَدًّمًا بسبب كتمانه لخطاياه، وعدم المجاهرة بها؟!

ثالثًا: شركة المؤمنين ومحبتهم بعضهم بعض:

  • أعضاء الجسد الواحد يشتركون في شركة جسد المسيح:

لقد أكد الوحي الإلهي أن أفراد الكنيسة يمثلون جسدًا واحدًا للمسيح ولهذا يحيون في حب، وشركة مع بعضهم البعض، وإلا فكيف يتفق خصام الأعضاء بعضها مع بعض في شركة جسد الرب يسوع المسيح كقول الكتاب: "كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ، أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ" (١كو١٠: ١٦- ١٧).

  • الصلح مع القريب ومحبته:

عَلَّمَ الرب تلاميذه أن الصلح مع القريب، ومحبته له أولوية، وأهمية أكثر من تقديم الذبائح والتقدمات لله قائلًا: "فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ" (مت٥: ٢٣- ٢٤). إنَّ رضا الله، ونوال مواعيده مرتبط بمحبة القريب، ولذلك يصلي الشماس أثناء القداس الإلهي مطالبًا الحضور بتقبيل بعضهم بعضًا بقبلة مقدسة، لعل من يحمل في قلبه ضغينة، أو خصامًا لأخيه ينتبه أولًا لمصالحة أخية، وبالطبع من يرفض مصالحة أخيه يكون مخالفًا لوصية الرب، ومدانًا، وليس له الحق في التقدم للتناول من الأسرار المقدسة.

الجزء الثالث: الاستعداد لتناول المقدسات يتفق مع التعاليم الإنجيلية:

الاستعداد بالتوبة والاعتراف والمعرفة الإلهية، ومصالحة القريب يتوافق مع تعاليم الكتاب المقدس الأصيلة بحسب قول الكتاب في سفر الأعمال: "وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ، وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ السِّحْرَ يَجْمَعُونَ الْكُتُبَ وَيُحَرِّقُونَهَا أَمَامَ الْجَمِيعِ..." (أع١٩: ١٨- ١٩). لقد مارست الكنيسة الأولى في زمن رسل المسيح الأطهار التعليم جنبًا إلى جنب مع التناول بحسب قول سفر أعمال الرسل القائل: "وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ" (أع٢: ٤٢)، وهكذا يشهد الكتاب المقدس في الآية السابقة بتلازم التعليم، والشركة: أي المحبة، والصلح مع التناول من جسد الرب، ودمه، الذي هو كسر الخبز.

الجزء الرابع: على فهمك لا تعتمد:

اجتذاب الناس بالتساهل، وعدم التدقيق في السلوك والالتزام بالتعاليم الإنجيلية الأصيلة هو اعتماد على الحيل البشرية، التي تَضر ولا تُفيد، ومُخَالفة لقول الكتاب القائل: "تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ" (أم٣: ٥). لقد وردت كلمة توكل في النص السابق في الترجمة الإنجليزية هكذا trust أي ثق. أننا نثق أن الله له غيرة على خلاص كل أحد، وهو أحكم بما لا يقاس من البشر، ولذلك نحن نثق في وصاياه وأوامره التي ننفذها بدقة.

ومع هذا أعطت الكنيسة كهنتها السلطان لدراسة كل حالة على حدة، واتخاذ ما هو صالح، ومناسب للبنيان دون التهاون في مبادئ وتعاليم الإنجيل، لأن الكنيسة لا يمكنها التنازل عن تعاليمها الإنجيلية الأصيلة.

الخلاصة:

إننا نختتم الرد على هذا السؤال بكلمات الوحي الإلهي الحق القاطعة، والتي لا تحتمل الشك: "وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ. لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ" (١كو١١: ٢٨- ٢٩).