الجزء السابع

  • لماذا لا يستخدم المسيحيون لفظ الجلالة يهوه بدلًا من لفظ الله، الذي ينادي به غير المسيحيين إلههم؟ ألا يعتبر ذلك مخالفة لوصية الله بتخليد الاسم العظيم يهوه؟ حسب قوله: "وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَد

    الكلمة (الله) باللغة العربية تعني الألوهية بكل صفاتها من قدرة غير محدوة وعظمة فائقة، وفي كل لغة نجد كلمة مشابهة تخص الألوهية، فمثلًا في اللغة الإنجليزية هيGOD وفي الفرنسيةDIEU وهكذا.
    إن مثل هذه الكلمات حسب كل لغة تصف الألوهية دون أن تكون خاصة بديانة معينة. لقد استخدم اليهود والمسيحيون الاسم (الله) في عبادتهم، لأنهم عرفوه من خلال الكتاب المقدس. أما اسم الله (يهوه) فهو خاص باليهود فقط، ولكن الله عرَّفَ نفسه بأسماء أخرى كثيرة في أسفار العهد القديم.
    ولم ينطق الرب يسوع بالاسم الإلهي (يهوه) حرفيًا طوال فترة كرازته، لكنه استخدم في مناجاته مع الله الآب أسماء أخرى، ولم يستخدم الآباء الرسل أيضًا اسم (يهوه) سواء في صلواتهم، أو اقتباساتهم من أسفار العهد القديم، ولا في كرازتهم للأمم. فلماذا إصرار شهود يهوه على استخدام لفظ الجلالة يهوه فقط؟
    فيما يلي نجيب باستفاضة أكثر من خلال النقاط التالية:
    أولًا: لفظ الجلالة الله في اللغة وفي التاريخ
    لفظ عام.
    لفظ الجلالة (الله) اشتقّ من الكلمة (إله) وهو اسم كيونة، وليس اسم علم، لأن اسم العلم يخصّ شخصًا معينًا، وأما اسم الكيونة فيطلق عمومًا على طائفة واحدة، فكلمة الإنسان مثلًا اسم كينونة لجميع طوائف البشر، لكن عندما ننادي أحد الناس باسم

    خاص به (قد يكون جرجس أو يوحنا أو... أو...) يكون ذلك اسم علم خاص بذلك الإنسان فقط. ومثال لاستخدام الوحي لاسم الله كاسم كينونة واضح في المزمور، القائل: "مَنْ مِثْلُكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ؟ مَنْ مِثْلُكَ مُعْتَزًّا فِي الْقَدَاسَةِ، مَخُوفًا بِالتَّسَابِيحِ، صَانِعًا عَجَائِبَ؟" (خر 15: 11).
    واضح من المثال السابق أن عظمة الله، الذي لا مثيل له في وسط من يَدَّعي الوثنيين أنهم (آلهة) - مع أنها تماثيل بكماء وصماء! - فالقصد إذًا من كلمة (الآلهة) هو من يَدَّعي الوثنيون أن لهم طبيعة الألوهة أو اللاهوت.
    لقد قال الرب في سفر إشعياء أنه بعل شعب مملكة يهوذا، مع أن الكنعانيين كانوا ينادون إلههم في ذلك الزمان بالاسم (بعل)، ولا عيب مطلقًا في استخدام الكتاب المقدس لهذه الكلمة، ذلك لأن الله قصد أن يُعرّف شعبه من خلال هذا اللفظ (الذي يُطلق على إله الكنعانيين) أنه إله، وإن كان الوثنيون يَعبُدون إلههم ويُقَدِسونه، فهو ينبغي أن يُعبَدْ ويُقَدَّس، كقوله: "لأَنَّ بَعْلَكِ هُوَ صَانِعُكِ، رَبُّ الْجُنُودِ اسْمُهُ، وَوَلِيُّكِ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ، إِلهَ كُلِّ الأَرْضِ يُدْعَى" (إش 54: 5).

    استعمل الأمم اسم الجلالة (الله) بصفة عامة.
    إن كلمة إله اسم كينونة، لأنها تصف وتخص الألوهة، عمومًا كما ذكرنا سابقًا، وقد عُرِّف الاسم بالألف واللام (الـ) فيما بعد حتى صار في اللغة العربية (الله). لقد عُرِفَ لفظ الجلالة الله عند الشعوب قبل موسى النبي، وقبل إبراهيم أب الآباء.
    عُرِفَت الآلهة في اللغة السامية بالاسم (إيل) للمفرد، وذلك بحسب لغتهم قبل زمن أب الآباء إبراهيم، وقد استخدمت للإشارة إلى صفة الألوهة لآلهة الكنعانيين بصفة عامة، وقد نطق الرب يسوع باللفظ الأرامي (إيل) وهو على الصليب، كقوله: "وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مت ٢٧: ٤٦).
    لفظ الجلالة في الجاهلية.
    عُرِفَ لفظ الجلالة الله في اليهودية والمسيحية وقبل الإسلام، وقد استخدمه الشعراء العرب في الجاهلية، وقد تسمّى الناس أيضًا قبل الإسلام بالاسم (عبد الله).

    كتب الأستاذ عاطف مصطفى مقال في مجلة الهلال في عدد يونيو 1972م بهذا الخصوص، وقد ذكر فيه العديد من الأمثلة عن استخدام شعراء الجاهلية للفظ الجلالة الله.
    وجاء أيضًا في (كتاب النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية، لكاتبه يعقوب لويس شيخو اليسوعي) ما يلي:
    إن علماء اللغات السامية يُجمِعون على أن الاسم (الله) مشتق من أصل آرامي (إيل) مفخم بزيادة الهاء، ونُقِلَ الاسم في أسفار العهد القديم والجديد مع المسيحيين، الذين جاءوا من الشمال (الشوام) إلى شبه الجزيرة العربية.
    كما جاء أيضًا في كتاب (المفضل في تاريخ العرب قبل الإسلام، لكاتبه الدكتور جواد علي - الجزء السادس) ما يؤكد ذلك أيضًا.
    ثانيًا: لفظ الجلالة الله في أسفار الكتاب المقدس

    استخدم الوحي الإلهي في أسفاره المقدسة كلمة إيل (التي تطورت لغويًا في العربية فيما بعد إلى الكلمة الله) لأن الاسم لم يكن اسمًا خاصًا لإله وثني، وقد احتوى الإصحاح الأول على لفظ الجلالة الله من بداية سفر التكوين، كما سجل الكتاب المقدس استعمال الآباء البطاركة للاسم (إيل) كما يلي:
    عصر البطاركة.
    1. يعقوب أب الآباء.
    "وَأَقَامَ هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَاهُ «إِيلَ إِلهَ إِسْرَائِيلَ»" (تك ٣٣: ٢٠).
    "وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا، وَدَعَا الْمَكَانَ «إِيلَ بَيْتِ إِيلَ» لأَنَّهُ هُنَاكَ ظَهَرَ لَهُ اللهُ حِينَ هَرَبَ مِنْ وَجْهِ أَخِيهِ" (تك ٣٥: ٧).
    2. هاجر جارية أب الآباء إبراهيم
    "فَدَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهَا: «أَنْتَ إِيلُ رُئِي». لأَنَّهَا قَالَتْ: «أَههُنَا أَيْضًا رَأَيْتُ بَعْدَ رُؤْيَةٍ؟»" (تك ١٦: ١٣).
    ثالثًا: اسم الألوهة (يهوه)
    عبري الأصل.
    لفظ يهوه هو لفظ عبري، وهو خاص باليهود فقط، وقد كان الاسم يهوه معروفًا قبل أن يُعَرِّف الله نفسه به لموسى النبي، ونجده ضمن الأسماء المركبة لليهود، ومثال ذلك اسم أم النبي موسى (يوكابد) الذي يتكون من شقين ومعناه (يهوه مجد).
    معنى الاسم يهوه
    سلّم الله اسمه الجليل (يهوه) لموسى النبي، ليخبر به شعبه، وفسر الله المعنى المراد بالاسم، ليتمسك الشعب بالرسالة الإيمانية من وراء الاسم العظيم، كقوله: "فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ»" (خر 3: 14). فمعنى الاسم هو أكون، الذي أكون.
    أراد الله بهذا الاسم أن يؤكد كينونته، أي: وجوده منذ الأزل، وإلى الأبد، أي أنه الخالق الواجب الوجود، وبالطبع الله هو الكائن، الذي كان قبل أن يُرْسِلَ موسى النبي، لكنه أكد هذا المعنى في ذلك الوقت، كإيمان مهم، ولكي يتمسك بهذا الإيمان الشعب العبراني الواقع تحت مذلة فرعون مصر، ولكن ذلك لم يمنع الوحي الإلهي من استخدام أسماء أخرى لله، تُظِّهِر وتُبَيَّن جوانب أخرى في شخص وصفات الله غير المحدود.
    دوام الاسم العظيم يهوه إلى دورٍ فدور.
    "هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ" (خر 3: 15).
    كان يجب أن يدوم اسم يهوه من دور إلى دور، لأنه هو الكائن، والذي كان ويكون إلى الأبد، وليس المقصود بدوام الاسم أن يكتب الاسم في ترجمات الكتاب المقدس باللغات الأخرى كما هو في العبرية (يهوه) ولا المقصود ألا ينادى الله بغير هذا الاسم، لأن أسماء الله تحمل رسائل إيمانية للناس. فكيف نحد الله في اسم بذاته؟! إن دوام الاسم يعني أن الله حاضر وموجود على الدوام، أي: كائن، ولا يحده الزمن.
    الرب يسوع يستخدم معنى الاسم، دون النطق به حرفيًا.
    ذكر الرب يسوع الاسم (يهوه) بمعناه، ولم ينطق به حرفيًا، بقوله: "قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ»" (يو ٨: ٥٨).
    وواضح أن اليهود فهموا تمامًا أن الرب يسوع قال عن نفسه أنه يهوه، أي: الله، ولهذا رفع اليهود حجارة ليرجموه، مع أنه قال الاسم بمعناه فقط، ولم يلفظ به، كقوله: "فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازًا فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هكَذَا" (يو ٨: ٥٩).
    الوحي الإلهي لا يصرّ على استخدام اسم واحد لله.
    لقد استخدم الوحي الإلهي عدة أسماء لله دفعة واحدة، ومثال ذلك قوله: "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. (إش ٩: ٦).
    استنتاج
    إن اسم (يهوه) هو اسم خاص باليهود، وهم يريديون أن يجروا الناس للتهود، وذلك بالتمسك بالنطق بالاسم الجليل باللغة العبرية، وعدم استعمال أسماء إلهية أخرى في

    مناداة الله، ولكن هل نعود لنستعبد لأمور حرفية، بعد أن حررنا الرب من عبادة الحرف، كقول الوحي الإلهي: "الَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ. لاَ الْحَرْفِ بَلِ الرُّوحِ. لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي" (2 كو 3: 6).
    رابعًا: ترجمات الكتاب المقدس تشهد
    الترجمة الآرامية
    تُرْجِم الكتاب المقدس للغات كثيرة، ولم يحتفظ في تلك الترجمات بالاسم (يهوه) كما هو، لكنه تُرْجِم للفظ الجلالة في كل لغة منها، ومن أعظم الأدلة على ذلك أن الرب يسوع المسيح لم ينادي الله الآب، وهو معلق على الصليب بالاسم يهوه، لكنه ناداه باللغة الآرامية، قائلًا: "وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مت ٢٧: ٤٦).وقد ترجم القديس متى كلمة (إيلي إيلي) إلى (إلهي إلهي).
    الترجمة السبعينية.
    تُرْجِم الكتاب المقدس من قبل علماء اليهود، وشيوخهم المدققين إلى اللغة اليونانية، في عهد الملك بطليموس الثاني فيلادلفوس في مدينة الإسكندرية بمصر، وقد سميت بالسبعينية، لأن عدد هؤلاء العلماء كان سبعين عالمًا، أو بالأحرى اثنين وسبعين.
    ولم يحتفظ علماء اليهود في هذه الترجمة حرفيًا بالاسم الجليل يهوه كما ينطقه اليهود، لكنهم ترجموه (كيريوس)، أي الرّب (The Lord). وقد كانت كلمة (كيريوس) تطلق على المعبودات الوثنية لليونانيين قبل المسيحية.
    خامسًا: أحاديث وصلوات الرب يسوع
    أحاديث الرب يسوع
    لقب الرب يسوع المسيح الله الآب في حديثه مع الناس، وخلال صلواته بألقاب كثيرة غير الاسم العظيم يهوه، نذكر منها:
    الإله الواحد.
    "كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْدًا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟" (يو5: 44).
    صلوات الرب يسوع المسيح.
    صلى الرب يسوع المسيح مخاطبًا الله الآب بأسماء أخرى غير الاسم الحسن (يهوه)، ومن أمثلة ذلك ما يلي...
    1- أبا الآب.
    "وَقَالَ: «يَا أَبَا الآبُ، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ، فَأَجِزْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِيَكُنْ لاَ مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ»" (مر١٤: ٣٦).


    2- الآب رب السماء والأرض.
    "فِي ذلِكَ الْوَقْتِ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ" (مت ١١: ٢٥).
    "وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَهَلَّلَ يَسُوعُ بِالرُّوحِ وَقَالَ: «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ، رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ. نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ»" (لو١٠: ٢١).02_07.png
    3- الآب البار.
    "أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ، إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ، أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ، وَهؤُلاَءِ عَرَفُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي" (يو ١٧: ٢٥). 
    سادسًا: الوحي الإلهي يشهد على فم كتبة العهد الجديد
    كُتِبَت أسفار العهد الجديد باللغة اليونانية، ولم يَكتِبَ كُتّاب العهد الجديد الاسم الإلهي (يهوه) في اقتباساتهم من العهد القديم ولا مرة.
    الاقتباسات العبرية لأسفار العهد القديم.
    اقتبس كُتَّاب العهد الجديد بوحي الروح القدس من نصوص أسفار الكتاب المدونة باللغة العبرية، لكنهم لم يكتبوا اسم الله يهوه فيما اقتبسوه من نصوص أسفار العهد القديم، لكنهم ترجموه إلى كيريوس باليونانية.
    أمثلة
    1- ترجم البشير مرقس الرسول الاسم يهوه من الأصل العبري (تث 6: 4) والقائل: "فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (مر12: 29).في إنجيله باللغة اليونانية كيريوس أي (الرب). كما نطق بها الرب يسوع المسيح (كيريوس).
    2- اقتبس معلمنا بولس الرسول الاسم الحسن في نبوءة يوئيل النبي، بقوله: "وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَنْجُو. لأَنَّهُ فِي جَبَلِ صِهْيَوْنَ وَفِي أُورُشَلِيمَ تَكُونُ نَجَاةٌ، كَمَا قَالَ الرَّبُّ. وَبَيْنَ الْبَاقِينَ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ" (يوئ ٢: ٣٢) وفي رسالته لأهل رومية، بقوله: "كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ" (رو ١٠: ١٣) وقد أوردها بكلمة في كلا النصين (كيريوس) اليونانية، وليس (يهوه).
    صلوات الآباء الرسل في سفر الأعمال.
    لم يذكر الآباء الرسل الاسم الحسن (يهوه) في صلواتهم المدونة في سفر أعمال الرسل، لكنهم ذكروا عدة أسماء أخرى لله، ومثال ذلك ما يلي:
    1. الرب العارف قلوب البشر.
    "وَصَلَّوْا قَائِلِينَ: «أَيُّهَا الرَّبُّ الْعَارِفُ قُلُوبَ الْجَمِيعِ، عَيِّنْ أَنْتَ مِنْ هذَيْنِ الاثْنَيْنِ أَيًّا اخْتَرْتَهُ" (أع1: 24).
    2. الإله الصانع السماء.
    "فَلَمَّا سَمِعُوا، رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتًا إِلَى اللهِ وَقَالُوا: أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَنْتَ هُوَ الإِلهُ الصَّانِعُ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا" (أع4: 24).
    3. الإله الحي الذي خلق السماء والأرض.
    "أَيُّهَا الرِّجَالُ، تَفْعَلُونَ هذَا؟ نَحْنُ أَيْضًا بَشَرٌ تَحْتَ آلاَمٍ مِثْلُكُمْ، نُبَشِّرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا مِنْ هذِهِ الأَبَاطِيلِ إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا" (أع١٤: ١٥).

    1. استخدام الاسم في التبشير.
    لم يستخدم الآباء الرسل اسم الله (يهوه) في كرازتهم، ومثال ذلك: "فَوَقَفَ بُولُسُ فِي وَسْطِ أَرِيُوسَ بَاغُوسَ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِوِيُّونَ! أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيرًا، لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضًا مَذْبَحًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: «لإِلهٍ مَجْهُول». فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ، الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي" (أع١٧: 22-24).

  • هل قال الرَّب يسوع المسيح عن نفسه في الإنجيل إنه الله

    الرَّبُّ يسوع المسيح هو ابن الله الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس، وهو الواحد مع أبيه، والمساوي له في الجوهر مع الروح القدس المحيي، وهو الله الظاهر في الجسد، كما شهد له الكتاب المقدس بكل وضوح، بقوله: "وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ" (1تي 3: 16).
    إن المقصود من هذا السؤال هنا هو إثبات لاهوت الرب يسوع المسيح بدليل واضح من أقوال الرب نفسه، ولهذا سنقوم بالرد على هذا السؤال من خلال العناصر الأربعة التالية:
    1. مقدمة سريعة عن إلهنا الواحد مثلث الأقانيم، وعن وضع الأقنوم الثاني الابن بالنسبة لله الواحد مثلث الأقانيم، كما جاء في الكتاب المقدس.
    2. أقوال الرَّب يسوع عن الخصائص والصفات اللاهوتية، التي شهَد بها الرَّب عن نفسه، والتي لا تنطبق على أحد سوى الله.
    3. المصطلحات الكتابية المعروفة، التي تشهد عن لاهوت الرب يسوع، والمتعارف عليها من اليهود، والتي خصّ الرب نفسه بها.
    1. الاعتراف الحسن أهم صفاته الوضوح والدقة.
    أولًا: المقدمة
    قبل أن نتناول شهادات الرب يسوع المسيح عن ألوهيته لا بد أن يتعرف السائل على السيد المسيح كأحد الأقانيم الثلاثة في الله الواحد، حتى يستطيع السائل فهم المصطلحات اللاهوتية الكتابية، التي تضمنها حديث الرب يسوع المسيح عن نفسه.
    الله الواحد المثلث الأقانيم
    الله في عقيدة المسيحيين واحد مثلث الأقانيم والكتاب المقدس يشهد بذلك...

    وحدانية الله
    يؤكد الكتاب المقدس وحدانية الله المثلث الأقانيم، لأن الأقانيم الثلاثة الآب والابن والروح القدس تشترك في وحدانية الجوهر وطبيعة اللاهوت، كما تصلي الكنيسة في مقدمة صلاة باكر، قائلة: "... نسجد للثالوث القدوس بلاهوت واحد وطبيعة واحدة..". يستحيل أن يشترك مع الله سواء في مجده أو طبيعته أو ألوهيته كائن آخر، كقوله: "أَنَا الرَّبُّ هذَا اسْمِي، وَمَجْدِي لاَ أُعْطِيهِ لآخَرَ، وَلاَ تَسْبِيحِي لِلْمَنْحُوتَاتِ" (إش ٤٢: ٨).
    "مِنْ أَجْلِ نَفْسِي، مِنْ أَجْلِ نَفْسِي أَفْعَلُ. لأَنَّهُ كَيْفَ يُدَنَّسُ اسْمِي؟ وَكَرَامَتِي لاَ أُعْطِيهَا لآخَرَ. اِسْمَعْ لِي يَا يَعْقُوبُ، وَإِسْرَائِيلُ الَّذِي دَعَوْتُهُ: أَنَا هُوَ. أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ" (إش ٤٨: ١١، ١٢).
    وفيما يلي نذكر بعض من الشواهد الدالة على وحدانية الله:
    "اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (تث ٦: ٤).
    "أَلَيْسَ أَبٌ وَاحِدٌ لِكُلِّنَا؟ أَلَيْسَ إِلهٌ وَاحِدٌ خَلَقَنَا؟.." (ملا ٢: ١٠).
    "فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ" (مر ١٢: ٢٩).
    أقانيم الثالوث القدوس
    الأقنوم الأول: الآب
    كلمة الآب لغويًا تعني الأصل، وكلمة الآب عند اليهود معروفة تمامًا أنها تعني الله. وهكذا ذكرها الرب يسوع المسيح (أقنوم الابن كلمة الله الحي) ولم يسأله أحدًا من اليهود، الذين سمعوه ينطق بها مرارًا وتكرارًا "مَن هو الآب؟"، لأنهم كانوا يعرفونه.
    الأقنوم الثاني: الابن
    "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو١: ١٨). كلمة الابن تعني أنه منتسب لأب، وعندما يأتي هذا الاسم في صيغة المفرد، كما جاء في نبوات العهد القديم لا تعني إنسانًا على الإطلاق.
    فقد ذكر سفر الأمثال أن الخالق له ابن، كقوله: "مَنْ صَعِدَ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ؟ مَنْ جَمَعَ الرِّيحَ في حَفْنَتَيْهِ؟ مَنْ صَرَّ الْمِيَاهَ في ثَوْبٍ؟ مَنْ ثَبَّتَ جَمِيعَ أَطْرَافِ الأَرْضِ؟ مَا اسْمُهُ؟ وَمَا اسْمُ ابْنِهِ إِنْ عَرَفْتَ؟" (أم ٣٠: ٤).
    ويذكر سفر المزامير أن الابن هو ابن الآب المولود منه، والممسوح (المسيح) أي المكرّس من السماء ككاهن وملك على شعب الله (كنيسته)، وهو له مُلك على أقطار الأرض، وهو المولود من الآب، ومَن لا يقبله يباد.. ومُطَوَّب مَن يتكل عليه وذلك، كقول المزمور: "أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي. إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ الرَّبِّ: قَالَ لِي: أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ... قَبِّلُوا الابْنَ لِئَلاَّ يَغْضَبَ فَتَبِيدُوا مِنَ الطَّرِيقِ. لأَنَّهُ عَنْ قَلِيل يَتَّقِدُ غَضَبُهُ. طُوبَى لِجَمِيعِ الْمُتَّكِلِينَ عَلَيْهِ" (مز ٢: ٦-٨، ١٢).
    كما كشف معلمنا بولس الرسول عن عظمة ابن الله الأقنوم الثاني، الذي تسجد له الملائكة، قائلًا: "كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ، الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي، صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ. لأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ قَالَ قَطُّ: «أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟ وَأَيْضًا: «أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا»؟" (عب١: ٢-٥).
    أقنوم الابن هو كلمة الله
    ذكر الوحي الإلهي أن الابن الوحيد هو الكلمة الذي تجسد، وحَلَّ بيننا، وله الألوهية، فهو الذي يفيض على الكل من نعمه، كقوله: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا. يُوحَنَّا شَهِدَ لَهُ وَنَادَى قِائِلاً: هذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي. وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا، وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" (يو١: ١٤-١٦).
    وقوله: "ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ. وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تِيجَانٌ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ اسْمٌ مَكْتُوبٌ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ إِلَّا هُوَ. وَهُوَ مُتَسَرْبِلٌ بِثَوْبٍ مَغْمُوسٍ بِدَمٍ، وَيُدْعَى اسْمُهُ «كَلِمَةَ اللهِ»" (رؤ١٩: ١١-١٣).
    إن تعبير الكلمة في النَص السابق ليس مقصود به الكلمة الخارجة من الشفاه، لكنه أقنوم الابن، وسمّي الكلمة، لأنه هو أيضًا الوسيط بين الله والناس، كما أن الكلمة هي الوسيط بين المتكلم والمخاطب. وهو أيضًا عقل الله الناطق، وهو نطق الله العاقل.
    إن أقنوم الابن هو أقنوم الحكمة الإلهية (اللوجوس) وهو مَن خبرنا، وكشف لنا المعرفة الإلهية بتجسده، ولهذا قيل عنه: "وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ" (١كو١: ٢٣، ٢٤).
    الأقنوم الثالث: روح الله.
    هو ليس روح إنسان بشري، ولكنه روح الله الذي يعمل في الخليقة، كقوله: "وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ" (تك ١: ٢).
    في الشاهد التالي يشهد المسيح أنه مُرسل من السيد الرب (الآب) وروحه أي روحه القدوس: "تَقَدَّمُوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا هذَا: لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنَ الْبَدْءِ فِي الْخَفَاءِ. مُنْذُ وُجُودِهِ أَنَا هُنَاكَ. وَالآنَ السَّيِّدُ الرَّبُّ أَرْسَلَنِي وَرُوحُهُ" (إش ٤٨: ١٦).

    ثانيًا: الرب يسوع المسيح يشهد لألوهيته
    شهد الرب يسوع المسيح لألوهيته في مواضع كثيرة من الإنجيل. نذكر منها...
    1. قوله: "قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟ أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ، وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا" (يو ١٤: ٩-١١).
    ومَن مِن بني البشر يقدر أن يقول عن نفسه: "الذي رآني فقد رأى الآب" أو "أنا في الآب والآب فيَّ" أو يقول: "الآب حالٌ فيَّ؟!"
    فيما يلي نذكر ذلك بأكثر تفصيل...
    2. شهد لوجوده منذ الأزل بقوله: "قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ" (يو٨: ٥٨).
    3. ووجوده في المؤمنين في كل الأجيال.
    بقوله: "وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ" (مت 20: 28). وأيضًا قوله:
    "أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ" (رؤ ٢٢: ١٣).
    4. ووجوده في كل مكان في نفس الوقت.
    "لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت ١٨: ٢٠).
    5. ووجوده في السماء في ذات وقت وجوده على الأرض مع التلاميذ وبين الناس، وصعوده بقوة لاهوته إلى السماء، كقوله: "وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو ٣: ١٣).
    6. وإنه هو الطريق إلى السماء وإلى الآب.
    "قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي" (يو ١٤: ٦).
    7. وإنه هو معطي الحياة، وهو لا يُغلب من الموت، كقوله:
    "قَالَ لَهَا يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهذَا؟ قَالَتْ لَهُ: نَعَمْ يَا سَيِّدُ. أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، الآتِي إِلَى الْعَالَمِ" (يو ١١: ٢٥-٢٧).
    أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ" (يو ٥: ٢١).
    8. أيضًا شهد الرب يسوع لوحدانيته مع الآب، بقوله:
    "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ. فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَعْمَالًا كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي. بِسَبَبِ أَيِّ عَمَل مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟» أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: «لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا" (يو١٠: ٣٠-٣٣).
    9. وأنه هو الديان العادل، كقوله: "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!" (مت٧: ٢٢، ٢٣).
    10. له الكرامة مثل الآب تمامًا، ومَن لا يكرمه لا يكرم الآب.
    "لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ، لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الابْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الابْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ" (يو ٥: ٢٢، ٢٣).
    11. ساوى وعادل الرب يسوع المسيح نفسه بالآب.
    "فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ: أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ. فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ اللهَ أَبُوهُ، مُعَادِلًا نَفْسَهُ بِاللهِ" (يو ٥: ١٧، ١٨).
    ثالثًا: المصطلحات الكتابية الدالة على لاهوت الله، والتي اختصّ بها الرب يسوع نفسه.
    ١. لقب الرَّب.
    1. قاموس معجم لسان العرب.
    جاء في قاموس معجم لسان العرب عن كلمة الرب: الرَّبُّ: هو الله عزّ وجل، هو رَبُّ كلِّ شيءٍ أَي مالكُه، وله الرُّبوبيَّة على جميع الخَلْق، لا شريك له، وهو رَبُّ الأَرْبابِ، ومالِكُ الـمُلوكِ والأَمْلاكِ. ولا يقال الربُّ في غَير اللهِ، إِلاّ بالإِضافةِ..".
    2. استخدام كلمة ربّ.
    إن استخدام كلمة رَبّ بدون أن يضاف لها اسم آخر تعني أنها لقب لله، ولا تطلق على أحد غيره، أما استعمالها مضاف إليها اسمًا آخر فهي تعني أنها وصف للملكية، ومثال ذلك كلمة (رب البيت).
    يستعمل تعبير ربّ البيت لوصف أب له زوجة وأولاد مدبر لبيته، وقد استخدمت أيضًا لوصف سيادة الرب يسوع المسيح وملكيته، وسلطانه على خليقته، كقوله: "يَكْفِي التِّلْمِيذَ أَنْ يَكُونَ كَمُعَلِّمِهِ، وَالْعَبْدَ كَسَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدْ لَقَّبُوا رَبَّ الْبَيْتِ بَعْلَزَبُولَ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَهْلَ بَيْتِهِ!" (مت١٠: ٢٥).
    3. السيادة والملكية المطلقة لله وحده.
    مما سبق يتضح أن الربوبية هي الملكية والسيادة المطلقة، وهي لله وحده، فهو سيد الأسياد ورب الأرباب، وهو المالك.. ملك الملوك. وقد اختصّ الرب يسوع المسيح نفسه بهذا اللقب لأنه الله، مع أنه أخلى ذاته مؤقتًا، وأخذ جسدًا، كقوله: "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في ٢: ٦-٨).


    4. ربُّ السبت.
    الرب يسوع المسيح هو رب السبت، كما أن الله هو رب السبت، كما ذكر في أسفار العهد القديم، كقوله: "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا" (مت١٢: ٨).
    أعلن الوحي الإلهي في أسفار العهد القديم أن الله هو خالق السماء والأرض، وهو أيضًا رب السبت، كقوله: "تَهَابُونَ كُلُّ إِنْسَانٍ أُمَّهُ وَأَبَاهُ، وَتَحْفَظُونَ سُبُوتِي. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ" (لا ١٩: ٣).
    من الشاهدين السابقين يتضح أن الرب يسوع قال عن نفسه إنه الله، لأنه رب السبت، الذي قد حُفظ له طقس عبادة يوم السبت عند اليهود، كما جاء في سفر اللاويين.
    5. الرب يسوع يلقب نفسه بالرّبِّ.
    "وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ شَيْئًا، فَقُولاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمَا. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُمَا" (مت ٢١: ٣).
    6. الرب يسوع المسيح يشهد بأن الرب (الله الآب) لَقَبَّهُ، وناداه بلقب الرب (لأنه هو الله الابن).
    ".. مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟ قَالُوا لَهُ: ابْنُ دَاوُدَ. قَالَ لَهُمْ: فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلًا: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟" (مت ٢٢: ٤٢-٤٥).
    ٢. لقب ابن الإنسان.
    ورد هذا المصطلح في سفر دانيال في نبوءة خاصة عن شخص أسماه السفر بابن الإنسان، وله صفات إلهية مثل سلطانه الأبدي وملكوته، الذي لا يزول، وتَعَبُدْ الشعوب والأمم له، كقوله: "كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ" (دا ٧: ١٣، ١٤).
    1. صفة أم لقب؟
    لقد اختصّ الرب يسوع نفسه بلقب (ابن الإنسان)، وبالطبع لم يقصد الرب أن يصف نفسه بأنه ابن بشر، فمع أن الناس كلهم لهم هذه الصفة، ومع هذا لا يمكن تلقيب أحدًا منهم بابن الإنسان، لأني حينما أنادي (يا ابن الإنسان) لن يجبني أحد.
    إن استعمال الصفة قد يكون أحيانًا للوصف، ولكن اللقب يستعمل في مناداة شخص معين أو في التكلم مع إنسان محدد.
    إن تسمية الرب لنفسه بابن الإنسان لم تكن صفة لإنسانيته، لكنها لقب. لقد قصد الرب أن يشير، ويذكّر اليهود أنه ابن الإنسان، الذي كتب عنه دانيال النبي.
    ابن الإنسان الذي يأتي على سحاب السماء.
    أضاف الرب في شهادته عن نفسه أثناء محاكمته أمام مجمع اليهود أنه ابن الإنسان، الذي سيأتي على سحاب السماء، ليؤكد للجميع علانية أنه الشخص الإلهي، الذي بشر بمُلِكِه دانيال النبي، بقوله: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتًا. فَأَجَابَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ" (مت ٢٦: ٦٣، ٦٤).
    استخدام الرب لقب ابن الإنسان.
    لقد استخدم الرب يسوع هذا اللقب ليشير به إلى نفسه، كما ذكر الكتاب المقدس في أماكن كثيرة. وقد أدرك التلاميذ تمامًا أن هذا اللقب خاص به دون غيره، وعندما سأل الرّب عن رأي الناس فيه سأل تلاميذه أيضًا، قائلًا: "وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ قِائِلًا: مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟" (مت١٦: ١٣).
    ولما قال لهم وأنتم مَن تقولون أجاب بطرس قائلًا: "... أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!" (مت١٦: ١٦).
    وهكذا وافق الرب يسوع على إقرار معلّمنا بطرس الرسول بأنه (ابن الإنسان) وهو أيضًا ابن الله الحي.
    2. أعمال الألوهية المنسوبة لابن الإنسان (الرب يسوع المسيح).
    أكدّ الرب يسوع المسيح أنه ابن الإنسان، الذي يجب أن يؤمن به اليهود كإله حق (الابن) من إله حق (الآب)، وذلك بسبب أعمال الله، التي يعملها، كقوله: "فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟ إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلاَ تُؤْمِنُوا بِي. وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. فَطَلَبُوا أَيْضًا أَنْ يُمْسِكُوهُ فَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ" (يو١٠: ٣٦-٣٩).
    فيما يلي نذكر بعض من أعمال ألوهية الله المنسوبة لابن الإنسان، والذي رآه دانيال النبي على سحاب السماء، والذي ارتفع للسماء صاعدًا على سحاب السماء، وهكذا سيأتي في مجيئه الثاني (الرب يسوع المسيح).
    3. ابن الإنسان له سلطان أن يغفر الخطايا، كقوله: "وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا. حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!" (مت٩: ٦).
    4. وهو الموجود في الأرض والسماء في ذات الوقت، كقوله:
    "وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو٣: ١٣).
    5. له الكرامة الواجبة لله من ملائكته، كقوله: "وَقَالَ لَهُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ" (يو١: ٥١).
    6. هو الذي سيأتي مع ملائكته القديسين ليدين العالم كله، كقوله: "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِه" (مت١٦: ٢٧).
    7. سيأتي على سحاب السماء في مجيئه الثاني، ليدين الأحياء والأموات، كقوله: "وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا" (مت ٢٤: ٣٠، ٣١).
    ٣. لقب ابن الله.
    المفهوم اليهودي للقب ابن الله: اعتقد اليهود أن لقب ابن الله خاص بالمسيح المنتظر، الذي له سلطان، وكيان سماوي فريد، وهو الديان، وأنه قادر على كل شيء، ومن يلقب نفسه بهذا اللقب (إن لم يكن هو المسيا) يقع تحت جريمة التجديف، ويستحق الموت رجمًا.
    اللقب في صيغة الجمع وفي صيغة المفرد.
    وقد أُطلق اللقب في صيغة الجمع (أبناء الله) كثيرًا للدلالة على البشر، لكنه في صيغة المفرد (ابن الله) لم يُستخدم إلا للدلالة على السيد المسيح ابن الله الكلمة فقط.
    مثال لاستخدام اللقب في الجمع للدلالة على البشر.
    "أَنَّ أَبْنَاءَ اللهِ رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا" (تك6: 2).
    "قَدِّمُوا لِلرَّبِّ يَا أَبْنَاءَ اللهِ، قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْدًا وَعِزًّا" (مز29: 1).
    كلمة الابن لقب خاص بالمسيح الرب فقط، أي: أنه الوحيد في بنوته للآب.
    استخدام لقب (ابن الله) بصيغة المفرد في العهد الجديد للدلالة على ألوهية الرب يسوع المسيح، ولم يطلق لقب ابن الله أبدًا على غير الرب يسوع، وقد ذُكِرَّ أيضًا في إنجيل القديس يوحنا أنه (الوحيد) أكثر من مرة، بغرض نفي وجود ابنًا لله غيره. وقد أكد الرب يسوع أنه الابن الوحيد، أي: الفريد في بنوته لله، ولا مثيل له، لأنه المولود من الآب قبل الدهور، وهو الإله الحقّ من الإله الحقّ، ولهذا قال عن نفسه: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو٣: ١٦).
    "اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ" (يو٣: ١٨).
    ارتباط صاحب اللقب بأعمال خاصة بالله.
    8. مثل أحقيته في العبادة والسجود له، كقول الكتاب: "وَالَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ!" (مت ١٤: ٣٣).
    9. ضرورة الإيمان به، لأنه المسيح، كقوله: "وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ" (يو6: 69).
    10. ذكر القديس يوحنا الحبيب الكثير من المعجزات العظيمة التي لا يمكن لبشر صنعها، ليثبت أن الرب يسوع هو المسيح ابن الله، أي: الله الظاهر في الجسد، كقوله: "وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ" (يو٢٠: ٣١).
    رابعًا: الاعتراف الحسن أهم صفاته الوضوح والدقة.
    اعترف الرب يسوع المسيح عن نفسه الاعتراف الحسن، كاشفًا بوضوح للجميع شخصه المبارك، وبالطبع كان لا بد أن يشهد لطبيعته الإلهية وشخصه الإلهي، أي: أنه أقنوم الكلمة ابن الله، ويشهد أيضًا بوحدانيته مع أبيه والروح القدس، ولكونه المسيح المرسل من الآب الممسوح ملكًا، تخضع وتتعبد له جميع الشعوب والأمم.
    إن الشهادة الحقة لا بد أن تقال فيها الحقيقة بطريقة واضحة جلية، وليس فيها جزءًا منقوصًا أو مخفيًا.
    لم يُخْفِ السيد المسيح نفسه عن سامعيه بل تكلم بالحق كله بجرأة، وكان نتيجة ذلك تعرضه لمحاولات قتل بسبب شهاداته الواضحة عن نفسه.
    لفظ الجلالة الله عند اليهود.
    11. مفاهيم عن الله في العهد القديم.
    لقد كان المفهوم السائد في الأذهان عن شخص الله، أنه نار آكلة، كقوله: "لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ هُوَ نَارٌ آكِلَةٌ، إِلهٌ غَيُورٌ" (تث ٤: ٢٤). وفيما يلي أهم المفاهيم، التي ترد للذهن عند سماع لفظ الجلالة الله، كما علمها الوحي الإلهي في أسفار العهد القديم:
    ١. العظمة والرهبة الشديدة، التي تليق به.
    ومن أوضح الأمثلة عن الهيبة والرهبة، التي لازمت نزول الله على جبل سيناء أثناء استلام موسى النبي الشريعة، كقوله: "وَحَدَثَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ أَنَّهُ صَارَتْ رُعُودٌ وَبُرُوقٌ وَسَحَابٌ ثَقِيلٌ عَلَى الْجَبَلِ، وَصَوْتُ بُوقٍ شَدِيدٌ جِدًّا. فَارْتَعَدَ كُلُّ الشَّعْبِ الَّذِي فِي الْمَحَلَّةِ. وَأَخْرَجَ مُوسَى الشَّعْبَ مِنَ الْمَحَلَّةِ لِمُلاَقَاةِ اللهِ، فَوَقَفُوا فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ. وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ كُلُّهُ يُدَخِّنُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، وَصَعِدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ، وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدًّا. فَكَانَ صَوْتُ الْبُوقِ يَزْدَادُ اشْتِدَادًا جِدًّا، وَمُوسَى يَتَكَلَّمُ وَاللهُ يُجِيبُهُ بِصَوْت" (خر19: 16- 19).
    ٢. الله لا يمكن أن يراه أحدًا في مجده، ويعيش.
    أوضح الله لموسى النبي (عندما طلب أن يرى مجده) أنه لا يمكن أن يُرَى في صورة مجده، كقوله: "فقال أَرِنِي مَجْدَكَ. فَقَالَ: «أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ. وَأُنَادِي بِاسْمِ الرَّبِّ قُدَّامَكَ. وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ، وَأَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ». وَقَالَ: «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ»" (خر٣٣: ١٨-٢٠).
    ٣. الاعتقاد بأن مَن يرى الله لا يعيش.
    اعتقد اليهود بأن مَن يرى الله لا يمكن أن يعيش. وهكذا اعتقد منوح والد شمشون، الذي لما رأى ملاك الرب صاعدًا وسط لهيب النار اعتقد أنه رأى الله، ولذلك لن يعيش بعد، فقال لامرأته: "فَكَانَ عِنْدَ صُعُودِ اللَّهِيبِ عَنِ الْمَذْبَحِ نَحْوَ السَّمَاءِ، أَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ صَعِدَ فِي لَهِيبِ الْمَذْبَحِ، وَمَنُوحُ وَامْرَأَتُهُ يَنْظُرَانِ. فَسَقَطَا عَلَى وَجْهَيْهِمَا إِلَى الأَرْضِ. وَلَمْ يَعُدْ مَلاَكُ الرَّبِّ يَتَرَاءَى لِمَنُوحَ وَامْرَأَتِهِ. حِينَئِذٍ عَرَفَ مَنُوحُ أَنَّهُ مَلاَكُ الرَّبِّ. فَقَالَ مَنُوحُ لامْرَأَتِهِ: نَمُوتُ مَوْتًا لأَنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا اللهَ" (قض١٣: ٢٠-٢٢).
    12. معلمنا بولس الرسول يشهد بلاهوت أقانيم الثالوث القدوس. وقد لخص معلمنا القديس بولس ما يتوارد إلى الذهن، عندما يُذكر اسم الجلالة الله، بقوله: "الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ. آمِينَ" (١تي ٦: ١٦).
    إن المقصود بالله الذي لا يُرى، أو بالله الذي مَن يراه لا يعيش هو الله الآب، وهذا لا ينفي أن أقنوم الابن الذي أخذ جسدًا من العذراء الطاهرة القديسة مريم، وتأنس، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها هو واحد مع الآب في الجوهر، وأنه أيضًا مساوٍ له في الجوهر، أي في الطبيعة الإلهية، وهكذا شهد معلمنا بولس الرسول، أن الله تكلم من خلال ابنه، الذي هو له نفس جوهر الآب، قائلًا عنه: "اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ، الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي" (عب١: ١-٣).
    حكمة الرب يسوع المسيح الشاهد الأمين.
    لو افترضنا أن الرب يسوع قال إنه الله وسكت، دون أية تفاصيل
    أخرى: فهذا يعني أنه الله الآب، الذي لا يُرى، والذي لا يعيش مَن يراه، ولكان هذا كلام غير صحيح، لأنه كان يحيا بين جماهير من الناس، التي كانت تراه كل يوم، وتتحدث إليه، ولكن الرب كان دقيقًا في شهادته عن نفسه، فأعلن أن له ما للآب من لاهوت، ولكنه ليس الآب، لأنه هو الابن، أو ابن الله، الذي يمكنه أن يأخذ جسدًا، ويصير إنسانًا، بينما يملأ بلاهوته السماء والأرض. وهو حاضر في السماء، بينما هو في نفس الوقت في الأرض، كقوله لنيقوديموس: "وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو٣: ١٣).01 07

    هل فهم اليهود ورؤساء الكهنة أن الرب يسوع المسيح نسب لنفسه الألوهية؟
    نسب الرب يسوع المسيح لنفسه ما لله بصورة واضحة لا تحتمل الشك أو اللَّبس، ولذلك اتهمه اليهود أكثر من مرة بالتجديف، كما سنذكر فيما يلي:
    1. "فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟ إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلاَ تُؤْمِنُوا بِي. وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. فَطَلَبُوا أَيْضًا أَنْ يُمْسِكُوهُ فَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ" (يو١٠: ٣٦-٣٩).
    1. "وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتًا. فَأَجَابَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ. فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلًا: قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ! مَاذَا تَرَوْنَ؟ فَأَجَابُوا وَقَالوُا: إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ" (مت ٢٦: ٦٣-٦٦).
    2. "وَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَدْ قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ: «هذَا يُجَدِّفُ!» عَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، فَقَالَ: «لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَامْشِ؟ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا. حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ! فَقَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ" (مت ٩: ٣-٧).

  • هل يوجد شواهد كتابية تلزم المؤمن بالانتماء إلى طائفة مسيحية معينة، مع العلم أن الطوائف المسيحية المعروفة الآن لم يكن لها وجود في زمن كرازة الرَّب يسوع بملكوت الله؟

    إننا كمسيحيين مخلصين لفادينا الرب يسوع المسيح ملتزمين أن نتبع الرب تمامًا في كل تعاليمه كما هي، دون أن نزيد عليها، أو ننقص منها، وأن نجتهد في الثبات في هذه التعاليم بالفهم والممارسة الصحيحة.
    إنه من الواجب أن نتبع الرب، ونتمثل به، وليس من الحق أن يَدَّعي أحد أن تعاليم الرب تتماشى مع طائفته. بل يجب أن يؤمن المسيحيون بما قرره الرب من حقائق، وأن يسلكوا، كما أراد هو. أما تسمية كنيستنا بالأرثوذكسية فهذا يعني أنها اختارت أن تكون مستقيمة الرأي، أي أنها تلزم نفسها بالمبادئ الإيمانية المسلمة لها من الآباء الرسل الأطهار، الذين عاينوا الرب، وسمعوا من فمه الطاهر تعاليمه المحيية.
    تقيس كنيستنا دائمًا أي فكر إيماني على فكر الآباء الأولين، فلا تسمح لأحد من أعضائها بالانحراف عن إيمان الآباء أبدًا.
    أولًا: التلمذة للرب يسوع المسيح هي الهدف.
    التلمذة تبعية كاملة في الفكر والمعتقد...
    كانت التلمذة للرب يسوع شهوة من أحبوه، حتى تركوا لأجله الكثير، بل وعانوا الكثير أيضًا، كقوله: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا. وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو١٤: ٢٦، ٢٧). لقد أعلن معلمنا بولس الرسول، أنه يتبع المسيح تمامًا، وأن فكره هو فكر المسيح له المجد، قائلًا: "لأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمَهُ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ" (1كو 2: 16).
    التبعية شرط التلمذة للرب.
    التبعية للرب تعني الإيمان، وقبول كل ما عَلَّمَ به الرب من حقائق إيمانية، واِتباع تعاليمه بدقة والسلوك بها، لأن مَن لا يؤمن بتعاليم الرب، ويقبلها كحقائق لن يتبعه. لقد اشترط الرب ضرورة قبول تعاليمه المقدسة، كما هي.
    قيام الطوائف الحديثة دليل عدم تلمذتهم للرب يسوع المسيح.
    أما الطوائف المسيحية فقد ظهرت في عصور لاحقة للرب يسوع المسيح، وما زال أصحاب البدع الحديثة يُكَوُنون طوائف جديدة. ذلك نتيجة لعدم التدقيق في الحفاظ على الإيمان، لأنهم لو أصروا على الحفاظ على إيمان الآباء، لما أسسوا طوائف أخرى، وقد أنبأ الرسول العظيم بولس الرسول بظهور بعض التعاليم الغريبة لاحقًا، بقوله: "وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا التَّلاَمِيذَ وَرَاءَهُمْ. لِذلِكَ اسْهَرُوا، مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ" (أع ٢٠: ٣٠، ٣١).
    لقد تتلمذ المؤمنون للرب يسوع المسيح، وألزموا أنفسهم بكامل تعاليمه بدقة، كما أراد، كقوله: "لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنْ مُعَلِّمِهِ، بَلْ كُلُّ مَنْ صَارَ كَامِلًا يَكُونُ مِثْلَ مُعَلِّمِهِ" (لو ٦: ٤٠).
    مثال عملي
    طَاَلَّب الرب المؤمنين بأكل جسده وشرب دمه، كقوله: "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (يو ٦: ٥٤).
    وأكد الرب أيضًا أن جسده سَيُقدم للمؤمنين، كما يقدم الطعام للأكل، ودمه سيقدم كشراب ليشرَب، وزاد تأكيده بقوله عن جسده أنه مأكل حق، وعن دمه أنه مشرب حق، كقوله: "لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ" (يو6: 55).
    وهذا المعنى واضح أيضًا كما جاء في إحدى الترجمات الإنجليزية للعهد الجديد BWE:“I am real food, and my blood is real drink” (John 6:55).
    وقوله أيضًا: "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو ٦: ٥٦).
    ولكن الكثير من التلاميذ (غير الاثني عشر تلميذًا) اعترضوا على كلامه، ولم يصدقوه في عدم إيمان، وتذمروا عليه، كقول الكتاب: "فَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، إِذْ سَمِعُوا: إِنَّ هذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ؟ فَعَلِمَ يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ تَلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هذَا، فَقَالَ لَهُمْ: أَهذَا يُعْثِرُكُمْ؟" (يو ٦: ٦٠، ٦١).
    لذلك رجع عن التلمذة له الكثيرون، ولم يعودوا يمشون معه، كقوله: "مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ" (يو ٦: ٦٦).
    ولكن الرَّب أصرّ على ضرورة الإيمان بكلامه، واِتباع تعاليمه بدقة، كشرط للتلمذة، والتبعية له. ودليل ذلك أن الرب ترك مَن تذمر يمضي لحال سبيله، كما أراد.
    ثانيًا: ضرورة التمسك بالتعاليم الإيمانية كما هي.
    التعاليم العقائدية الإيمانية صادرة من الله
    إن تمسك الرب بما قدمه من تعاليم، وحقائق إيمانية يفرض على كل الطوائف المسيحية اليوم، أن تتمسك بتعاليم الرب ومبادئه المقدسة المسلمة للكنيسة الأولى، وأن تتعامل معها ككلمة الله، لا كأقوال، أو تعاليم بشر، كقوله: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ، لأَنَّكُمْ إِذْ تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ اللهِ، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ اللهِ، الَّتِي تَعْمَلُ أَيْضًا فِيكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ" (١تس ٢: ١٣) وهذا هو ما يسمى بنقاوة التعليم.
    الإيمان المسيحي إيمان محدد.
    يظن البعض بأن التمسك بتفاصيل الإيمان، والثبات في المفاهيم المسلمة لنا إيمانيًا هو نوع من التعقيدات، ويظنون أنه ليس من المهم أن تكون تابعًا لكنيسة معينة إيمانها قويم، ولكن المهم هو الإيمان، هم يؤمنون أنه يكفي الإيمان ببعض التعاليم، ويهملون أمورًا أخرى، ولكن يتضح من المثال السابق إصرار السيد المسيح على التمسك "بأكل جسده وشرب دمه"، وهذا ما تُعلّم، وتعمل به الكنيسة الأرثوذكسية في سر الإفخارستيا، لأننا بالحقيقة نأكل جسد الرب ونشرب دمه من خلال هذا السر، الذي قال الرب عنه: "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي" (يو ٦: ٥٦، ٥٧).

    ثالثًا: كيف أتعرف على الإيمان الصحيح؟
    التعليم الصحيح يوافق الأصول الإيمانية الأولى.
    إذا طلب مدرس مادة الهندسة من تلميذ أن يصلح انحرافًا في خط مستقيم فمن المنطقي أن يأخذ التلميذ مسطرة، ويضعها على بداية الخط المستقيم، قبل موضع الانحراف، ويرسم خطًا مبتدأً من نقطة قبل الانحراف، ويكمل الخط مارًا بنقطة الانحراف. وهذا عين ما تفعله كنيستنا تجاه المفاهيم الإيمانية المستحدثة، إذ ترفض كل ما هو مستحدث في الإيمان، وتتمسك بالتعاليم والمفاهيم الآبائية التي لآباء القرون الأولى للمسيحية.
    إن تتبع التعاليم الإيمانية، وكيفية فهم الأولون لها، أو بتعبير آخر الرجوع إلى أصولها القديمة هو السبيل الصحيح للحكم على صحة أي تعليم، وهذا ما فعله القديس لوقا الإنجيلي، عندما قرر أن يكتب البشارة المسماة باسمه، كقوله: "إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا، كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ" (لو ١: ١-٣).
    ضرورة شهادة الكنيسة لصدق التعاليم الإيمانية.
    أكد الرسول العظيم بولس أن كرازته مؤيدة بالروح القدس، قائلًا: "وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ" (1كو٢: ٤). ومع أن كرازته كانت بالروح القدس لم ينفرد بالتعليم وحده، لكنه احتاج شهادة الكنيسة في أورشليم ممثلة في الرسل الأطهار: يعقوب وبطرس ويوحنا، بل ذهب بنفسه إليهم في أورشليم، ليعرض عليهم التعليم، الذي يعلم به، كقوله: "ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدْتُ أَيْضًا إِلَى أُورُشَلِيمَ مَعَ بَرْنَابَا، آخِذًا مَعِي تِيطُسَ أَيْضًا. وَإِنَّمَا صَعِدْتُ بِمُوجَبِ إِعْلاَنٍ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الإِنْجِيلَ الَّذِي أَكْرِزُ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، وَلكِنْ بِالانْفِرَادِ عَلَى الْمُعْتَبَرِينَ، لِئَلاَّ أَكُونَ أَسْعَى أَوْ قَدْ سَعَيْتُ بَاطِلًا" (غل ٢: ١، ٢).
    روح الله يشهد من خلال البشر.
    لم يكتفِ الآباء الرسل في مجمع أورشليم، أن يرسلوا قرار المجمع باسم الروح القدس، لكنهم أرسلوا الخطاب، ونسبوه أيضًا لهم، ولكل الكنيسة، قائلين: "لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ، أَنْ لاَ نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلًا أَكْثَرَ، غَيْرَ هذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ" (أع ١٥: ٢٨).

    وقد أرسل معلمنا بولس الرسول قرار حرمان خاطئ كورنثوس، ونسبه لله، ولنفسه، ولكنيسة كورنثوس، كقوله: "فَإِنِّي أَنَا كَأَنِّي غَائِبٌ بِالْجَسَدِ، وَلكِنْ حَاضِرٌ بِالرُّوحِ، قَدْ حَكَمْتُ كَأَنِّي حَاضِرٌ فِي الَّذِي فَعَلَ هذَا، هكَذَا: بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ إِذْ أَنْتُمْ وَرُوحِي مُجْتَمِعُونَ مَعَ قُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (١كو ٥: ٣، ٤).
    رابعًا: خطورة التلمذة لمن يدعي أنه لا طائفي.03 07
    اللاطائفية فكرة ليس لها وجود في الواقع العملي.
    لقد أكد الكتاب المقدس أن لسان الإنسان يفيض بما يملأ قلبه من إيمان، كقوله: "فَإِذْ لَنَا رُوحُ الإِيمَانِ عَيْنُهُ، حَسَبَ الْمَكْتُوب: «آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ»، نَحْنُ أَيْضًا نُؤْمِنُ وَلِذلِكَ نَتَكَلَّمُ أَيْضًا" (2كو 4: 13).إن الإنسان لا يقدر أن يخفي معتقده، كما أنه لا يمكنه أن يخفي لهجته وطريقة كلامه، التي تُظْهرُ أصله أو جنسيته، كقوله: "وَبَعْدَ قَلِيل جَاءَ الْقِيَامُ وَقَالُوا لِبُطْرُسَ: «حَقًّا أَنْتَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ!»" (مت 26: 73).
    إن من يدعي أنه لا طائفي لا يمكنه أن يخفي اعتقاداته الإيمانية ومفاهيمه عن تعاليم الكتاب المقدس، لأنه بالتأكيد له آراء، ومفاهيم شَبَّ عليها في نشأته، ولا يستطيع أن يخفيها.
    المعلم الحقيقي
    مَن يدعي أن الطوائف متشابهة، ولا يميز المفاهيم الإيمانية والعقائدية السليمة من غير السليمة، لا يدرك مدى خطورة سماعه للمعلمين الكذبة، الذين أقاموا أنفسهم من تلقاء أنفسهم.
    إن إقامة الرعاة المخلصين هو عمل الروح القدس في الكنيسة، ولكن شعب الكنيسة لهم دور رئيسي في انتخاب الرعاة، وفي الشهادة لأمانتهم، كقول الكتاب: "فَانْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَال مِنْكُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ، فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هذِهِ الْحَاجَةِ" (أع ٦: ٣).من الشاهد السابق نلاحظ أن الشعب اختار خدّامًا مشهودًا لهم، والرسل أقاموهم بالصلاة (السيامة أو الرسامة). أما مؤسسو هذه الطوائف فقد أقاموا أنفسهم من تلقاء ذواتهم.
    المعلم الحقيقي شاهد صادق وأمين.
    وإذا افترضنا أن أحد اللاطائفيين جمع أمامه خليطًا من الناس من طوائف مختلفة، وأراد أن يُعَلِّم بما قاله الرب يسوع المسيح عن أكل جسده وشرب دمه، فهل سَيُعَلِّم بحسب إيمان طائفة معينة منهم متجاهلًا إيمان باقي الطوائف؟ أم لن يتكلم عن هذا الجزء من الكتاب المقدس، لئلا يتعرض لحرج من السامعين المختلفين معه في الإيمان؟! وما هو مفهومه واعتقاده في ما قاله الرب في هذا الجزء من تعليم الرب المدون في الإنجيل المقدس؟
    إن الرب يسوع المسيح هو الشاهد الأمين، كقول الوحي الإلهي: "وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ: «هذَا يَقُولُهُ الآمِينُ، الشَّاهِدُ الأَمِينُ الصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ" (رؤ 3: 14).وبالطبع يجب التمثل بالرب يسوع المسيح الشاهد الأمين، كقول معلمنا بولس الرسول: "كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ" (1كو11: 1).
    الشهادة الواجبة للتعليم الصحيح.
    يَدَّعي الكثيرون ممن يروجون لتعاليم اللاطائفية أن مصدر تعاليمهم هو روح الله القدوس، وبالطبع لا يمكن أن يثبتوا هذا. ولكن هل من المنطقي أن يقتنع الناس بتعاليم هؤلاء المعلمين الكذبة بسبب هذا الاِدعاء الساذج.
    إني أتعجب من اِدعاء هؤلاء بصحة تعاليمهم دون وجود شهود لهم من الآباء الأولين، مع أن الرب يسوع المسيح نفسه رحب بشهادة يوحنا المعمدان له، كقوله: "الَّذِي يَشْهَدُ لِي هُوَ آخَرُ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ الَّتِي يَشْهَدُهَا لِي هِيَ حَقٌّ. أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا فَشَهِدَ لِلْحَقِّ. وَأَنَا لاَ أَقْبَلُ شَهَادَةً مِنْ إِنْسَانٍ، وَلكِنِّي أَقُولُ هذَا لِتَخْلُصُوا أَنْتُمْ. كَانَ هُوَ السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ، وَأَنْتُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِنُورِهِ سَاعَةً" (يو٥: ٣٢-٣٥).
    أخيرًا
    نفخر بكنيستنا الأرثوذكسية، وبأن لها إيمان ثابت محدد، يتفق مع ما سلمه لنا رسل المسيح وتلاميذهم، لأن هذا يعني أننا نتبع الرب يسوع المسيح بدقة، ولا يمكننا أن نتبع آخر، لأن خراف الرب يسوع تتبعه تمامًا، ولا تتبع الغريب، كقوله: "وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ" (يو 10: 5).